قال الشاعر العراقي مظفر النواب ان تراجع الشعر العربي الآن ليس بسبب وجود أجناس أدبية اخرى كالرواية أو القصة، وانما بسبب الأزمة الطاحنة التي يعيشها المواطن والشاعر العربي حيث الجوع والقمع والفضائيات التي تخرب أذن ورؤية المتلقي. ورغم ذلك فإن الشعر الجيد يصل الى الناس، ولعل أكبر دليل هو شعر مظفر النواب نفسه الذي يتم تداوله على امتداد الوطن العربي كالمنشور السري وفي لقاء أجرته صحيفة "الدستور" الأردنية مع الشاعر العراقي الكبير ونشرته اليوم، تحدث مظفر النواب عن الكثير من القضايا المتعلقة بتجربته الشعرية فقال :"اذا كان هناك ما يقلص انتشار الشعر وسطوته بين الناس فهو ليس الرواية أو القصة أو الفنون الأدبية الأخرى. وإنما طغيان الحاجة المادية والفقر الذي احتل مساحته بين الناس وهموم الوطن العربي، وانعدام الحرية والديمقراطية، إضافة إلى دور الفضائيات المخرب" وأضاف " أنا أتحدث بشكل عام فتخريب أذن ورؤية المتلقي هو الذي يؤثر سلبا علىانتشارالشعر وتغلغله بين الناس."
وعن كون الرواية ابنة المدينة والشعر وليد الريف أو البادية ضرب مظفر مثلا بالشاعر ابن الجهم، الذي دخل على الخليفة وهو قادم من الريف وقال له: يصف شعراً [أنت كالكلب في حفاظك للود، وكالتيس في قراع الخطوب]. فدهش الجمهور الذي كان جالسا، فقال الخليفة، وأعتقد أنه أبو جعفر المنصور، اتركوه.. ومنحه بيتا مترفا على نهر دجلة. بعدها رقت حياته وترفت مفرداته، فقال: عيون المها بين الرصافة والجسر جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري. قد تكون الرواية غير صحيحة لكنها تضرب كمثل في تاريخ الأدب على أن المدينة والترف يؤثران في مفردات وصور الشاعر."
وأضاف مظفر" إذا كانت القصة أو الرواية تستوعب تعقيدات الحياة في المدينة، فالشعر أيضا يستوعب ذلك، وعندما يكون للشاعر صوته وتجربته الشعرية التي تسند ما يطرحه في القصيدة، و يكون فنانا قادرا على بناء قصيدته بإحكام، فالناس تنصت له وبالتالي تصل قصيدته. أنا رغم قلة دواويني أدهش أحيانا لكيفية وصول القصيدة إلى الناس في بعض الأقطار العربية. إذن ما يزال للشعر نفوذه وسطوته."
وعن تأثير ظاهرة نجومية الشاعر على الناس في حضور الأماسي الشعرية قال مظفر" الناس يحبون سماع الشاعر الذي تسنده تجربته، وهذا لا علاقة له بنجومية الشاعر بل بعمق ما يطرحه وعمق تجربته وفهمه للغة وتطويعها. أما النجومية فهي لاتكفي على الإطلاق وبإمكان الناس تمييز واكتشاف الشاعرالحقيقي عن سواه".
وأكد مظفر على جماليات التنوع في كتابة الشعر العامي و الفصيح وقال" إن للشعر العامي مزاياه وعالمه، وللشعر الفصيح أيضا مزاياه وعالمه. إن ذلك يشبه الشغل على مادتين مختلفتين تماما، فعندما تنحت في الصخر غير ان تشكل تكوينات بوساطة الطين.
فالطين، القصيدة العامية، كون العامية مطواعة وبعيدة عن موضوع النحو والإرث البلاغي الذي يشد شاعر الفصحى بأبعاد معينة، واشتقاقات العامية وتراكيبها تمنح الشاعر سعة وحرية في اشتقاق مفردات ربما غير موجودة أساسا وتؤدي معناها. وفي الفصحى لا يمكن ذلك، فالاشتقاقات لها قوانينها النحوية، لكن هذا لا يقلل من شأنها على الإطلاق، و طبيعتها النحوية هي ما اسميه النحت بالصخر. وهناك من يتحدث عن تفجير اللغة، لا يوجد مثل هذا المصطلح، هذا ضحك على الذقون، هناك تطوير للغة وتعامل معها بمحبة وود لتكون قريبة وصديقة، وأيضا يجب التعامل مع العامية بمحبة حتى يتشكل هذا الطين مثلما نريد".
ورفض مظفر الاتهامات ضد العامية واعتبرها تجن كبير ، فقال "هي لهجة لها ارتباط كبير وواضح باللغة العربية الأم، و الاتهام على أساس أن العامية هي لغة شعوبية خطأ كبير، و رغم بعض الاختلافات في المفردات بين الشمال والجنوب أو الغرب والشرق، فإنه من الممكن كتابة قصيدة عامية يفهمها كل الناس. وإن كان ثمة مفردات غير مفهومة فالمتلقي يبحث عن معناها ويفهمها، قصيدة "الريل وحمد" يقرأها ابن العراق، وكذلك ابن الخليج العربي وليبيا والجزائر ، إن هناك من يحفظ قصيدة "الريل وحمد" ويستوعب صورها رغم كونه غير عراقي. إذن القصيدة العامية ليست شعوبية، ولا معادية لوحدة الأمة العربية، هي إغناء للشعر، وفيها مادة لا تحتملها قصيدة الفصحى وفي الوقت نفسه من غير الممكن مثلا، أن تتناول موضوعا فلسفيا بالعامية.
واعتبر مظفر نفسه شاعر عامية وفصحى ففي القصيدة العامية هو يتحدث عن أوضاع العراقيين، وفي القصيدة الفصحى يتناول قضية عربية أكثر شمولا - -(البوابة)