القاهرة - البوابة
سادت الأوساط السياسية والاقتصادية في القاهرة أمس توقعات بتغيير وزاري وشيك نتيجة لعدم رضا القيادة السياسية عن أداء الحكومة الاقتصادي وفشلها في معالجة الأزمات الاقتصادية المتلاحقة والمستمرة بالرغم من اليد الحديدية التي تحاول بها الحكومة السيطرة على الوضع إذ قام رئيس الوزراء أمس بزيارة مفاجئة للبنك الأهلي لمتابعة نتائج القرارات الجديدة، وانتشر رجال مباحث الأموال العامة، لمراقبة السوق، بينما صدرت أوامر بإغلاق ثمانية محلات صرافة وتم القبض على عدد من الأشخاص بتهمة التعامل غير المشروع في العملة.
أضف إلى ما سبق أن القيادة السياسية كانت قد تلقت تقارير متشائمة عن الوضع الاقتصادي وخاصة فيما يتعلق بعودة سياسة الاقتراض الحكومي إذ تجري الحكومة مفاوضات مع عدد من الصناديق العربية والدولية للحصول على قروض قدرها خمسة مليارات دولار وهو ما يعني فشل الحكومة الذريع في معالجة الوضع الاقتصادي وعدم جدوى مشروعاتها الاستثمارية سواء من الداخل أو من الخارج كما كان البنك الدولي قد وجه انتقادا مبطنا لأداء حكومة عبيد إذ ربط بين المساعدات التي يقدمها لمصر وبين تغيير المناخ الاقتصادي فيها وإيجاد بيئة اقتصادية قادرة على جذب وإنعاش الاستثمارات.
يشار إلى أن حكومة عبيد كانت قد اتخذت أمس الأول قرارا بتخفيض قيمة الجنيه المصري أمام الدولار بنسبة 6.5 % ، وهي المرة الثانية خلال ستة اشهر التي تعمد فيها الحكومة المصرية إلى خفض قيمة عملتها الوطنية مقابل الدولار في محاولة لحل أزمة السيولة والسيطرة على سوق الصرف، غير ان الخفض الجديد لم يؤدي إلى الاستقرار المنشود والتهمت السوق كامل الكميات التي طرحها البنك المركزي من الدولارات خلال ساعات قلائل.
وكان الرئيس المصري حسني مبارك شخصيا قد فتح الباب واسعا امام الاحتجاجات والانتقادات في 24 نيسان-ابريل الماضي باعترافه للمرة الأولى بواقع الازمة.
ومنذ ذلك التاريخ أسهبت افتتاحيات الصحف في انتقاد الحكومة والمصارف الحكومية والخاصة ورجال الأعمال ملوحة بخطر وقوع أزمة شبيهة بتلك التي شهدتها آسيا في 1997.
وامر الرئيس المصري في حينها بضخ حوالي 25 مليار جنيه (5،7 مليار دولار) في اقتصاد البلاد على ثمانية اشهر اعتبارا من مطلع ايار-مايو موضحا ان هذه الاموال ستأتي من تسديد "ديون حكومية".
لكن هذا المبلغ لا يشكل سوى جزء من الدين الداخلي الذي وصل في 1998-1999
الى 155،147 مليار جنيه (حوالي 40 مليار دولار) اي 7،48% من إجمالي الناتج المحلي وبارتفاع قدره 11 مليار جنيه مصري مقارنة مع 1997-1998 وفق الارقام الرسمية.
في المقابل بلغ الدين الخارجي 2،28 مليار دولار نهاية 1999. اما بالنسبة لاحتياطي العملات الصعبة فقد تراجع من 8،19 مليار دولار في كانون الاول/ديسمبر 1998 الى 63،15 مليار دولار في كانون الاول/ديسمبر 1999 وشهد تراجعا متواصلا على مدى 16 شهرا في حين كانت الحكومة تقضم من احتياطيها لتعويض النقص في الدولار.
وكشفت صحيفة الاهرام المسائي في العاشر من حزيران/يونيو الماضي، نقلا عن تقرير لمجلس الوزراء ان عدد حالات الافلاس التجاري زاد اكثر من 54% بين تموز/يوليو وكانون الثاني-يناير. وتراجع تشكيل الشركات الجديدة مع تسجيل 2174 شركة في مقابل 2432 شركة خلال الفترة ذاتها من العام السابق.
وتنسب الصحف المصرية والكثير من المحللين هذا الانكماش الذي ترتسم ملامحه، إلى برامج الدولة الطموحة جدا وعدم مسؤولية أو حتى عدم نزاهة قطاع الأعمال.
وراكمت الحكومة المصرية ديونا كبيرة الحجم بهدف إنجاز مشاريع كبرى لن تحقق عائدات الا على المدى الطويل.
وقد تمت الاستعانة بالمصارف الحكومية الأربعة، البنك الأهلي وبنك مصر وبنك القاهرة وبنك الإسكندرية، كثيرا لتحقيق هذه المشاريع إضافة إلى شرائها سندات حكومية ابتعد عنها المستثمرون الخاصون وفق ما افاد محلل مالي.
ويحصل العديد من رجال الاعمال على قروض من دون اجراء دراسة سوق. ويقول رئيس مجلس ادارة مؤسسة "الاهرام" ابراهيم نافع ان ذلك يتم ايضا "من دون دراسة لامكانات تسديد" هذه القروض.
ويقول رئيس الوزراء عاطف عبيد ان حكومته ستبحث عن "الفساد والانحراف الاقتصادي" والتهرب من دفع الضرائب وتركز على استخدام القروض والمساعدات الخارجية، وسبل تعزيز الاستثمارات.
وتفيد مصادر في البورصة ان احد اسباب الازمة هو تراجع في الاستثمارات المباشرة في مصر (من 1،1 مليار دولار في 1997-1998 الى 711 مليون دولار في 98-99) بسبب الغموض في سياسة الحكومة.
وعند إعلانه برنامج عمله لم يحدد عبيد ما هي الإجراءات الملموسة التي ينوي اعتمادها. لكنه استبعد زيادة في الكتلة النقدية الامر خشية ان يؤدي ذلك الى ارتفاع التضخم المقدر حاليا في حدود 3%، ويسبب توترات اجتماعية في بلد لا يتعدى فيه متوسط الدخل الفردي سنويا 1320 دولارا وفق صندوق النقد الدولي.
