هوليوود هي المسؤولة هذه المرة عن هذه العودة والعظمة والفخامة والإبهار و... التحدي، ففيلم رايدلي سكوت الرائع "مصارع"(GLADIATOR) سيعيد الى الأذهان حقبة أفلام من نوعية "روبن هود" و"كوفاديس" و"سبارتاكوس" التي فجرت الموازنات الضخمة والأرباح الكبيرة على حد سواء في الخمسينات والستينات، ثم عادت وانكفأت بعد فيلمي "كليوباترا" (1963) و"سقوط الإمبراطورية الرومانية" (1964) لارتفاع كلفتهما وصعوبة تصويرهما. بعد ذلك تبدّل ذوق الجمهور الذي فضّل الانطلاق الى المستقبل وأفلام العلم الخيالي والمؤثرات الخاصة بدل الغرق في الحقب التاريخية القديمة وغبار المعارك والدماء وبريق السيوف وصهيل الخيول.
35 عاماً مرت على انهيار إمبراطورية الأفلام التاريخية الضخمة ولم يتجرأ خلالها أي من استوديوهات هوليوود الكبرى المشغولة بغزو الفضاء والمريخ، على ارتداء اللباس الروماني والصندل الجلد وحمل السيف والحربة والانطلاق في معركة فيلم قد يجلب لها "نهايتها" لما تحتاجه من موازنة خرافية ومهمات شبه مستحيلة للتصوير.
ولان التاريخ لا بد وان يعيد نفسه، فكما ان موضة الستينات والسبعينات عادت تغزو الأزياء، فإن الأمر كذلك بالنسبة الى السينما التي عادت تخصص الموازنات الضخمة مع جايمس كاميرون وتحفته "التايتانيك"، وافلام السيف مع "قناع زورو" لمارتن كامبل وتلك المكلفة بمعداتها وعتادها مع ستيفن سبيلبرغ في فيلمه "إنقاذ المجنّد راين".
ويبدو ان رايدلي سكوت قرر بدوره ان يتحدى فقال: "أريد معالجة روما قبل 180 عاماً من المسيح تماماً كما نعالج نيويورك ووال ستريت اليوم".
وكان له ما أراد مع فيلم "مصارع" الذي حطم شبابيك التذاكر في الولايات المتحدة محققاً إيرادات ضخمة بلغت في الأسابيع الأولى الثلاث من عرضه 120 مليون دولار أي اكثر من موازنته الضخمة التي بلغت 107 ملايين دولار والتي قدمتها كل من شركتي "دريم واركس" و"يونيفرسال" من دون ان يرف لهما جفن.
ليست القصة هي التي شدت رايدلي سكوت بقدر ما هو التحدي الذي تجسده، فلقد قرر تقديم حقبة شوهدت عشرات المرات في السينما ولكن بنظرة جديدة ومختلفة من دون إغفال الاهتمام الكبير بالتفاصيل والواقعية الضرورية كثيراً في مثل هذا النوع من الأفلام. يجمع الفيلم عددا من الممثلين اللافتين مثل الممثل الأميركي الذي بدأ نجمه بالسطوع راسل كرو والممثل يواكين فينيكس والممثلة كوني نيلسون والممثل الراحل الكبير اوليفر ريد (توفى أثناء التصوير) وطاقم كبير من الفنيين والمصورين وخبراء المؤثرات ومدربيو الخيول والنمور والأسود.
هذا الجيش الكبير انطلق مع قائده سكوت الى معركة القائد العظيم الذي صار عبداً ثم مصارعاً وعاد لينتقم.
إنها قصة القائد ماكسيموس (راسل كرو) الذي شن حروباً وانتصارات لا تحصى في سبيل عظمة روما ومجد القيصر العجوز مارك اوريل (ريتشارد هاريس) الذي كان يعتبر ماكسيموس ابنه الروحي وله سيوصي بعرش روما.
لكن الابن الشرعي للقيصر كومودو (يواكين فينيكس) لم يتحمل هذه الإهانة من والده الذي لم يعتبره يوماً أهلا لقيادة روما، فقام بقتله ثم أمر بقتل القائد ماكسيموس وعائلته، وينجح ماكسيموس في الفرار لكنه يصل الى عائلته بعد فوات الأوان.
ويوقعه هربه في أيدي لانيست (اوليفر ريد) مدرب المصارعين الذي يشتريه كعبد له ويقوم بتدريبه استعداداً للسفر الى روما حيث اعتاد القيصر الجديد أن يقيم مهرجانات ترفيه لتخدير شعبه.
ومن ابرز وسائل الترفيه معارك ضارية يشنها المصارعون حتى الموت مع منافسين لهم من البشر أو الأسود.
ماكسيموس المصارع عاد لينتقم لقائده الراحل وعائلته ولابنة القيصر الراحل لوسيلا (كوني نيلسون) التي كانت يوماً عشيقة له والتي تعاني جنون شقيقها المفتون بها.
فيلم "مصارع" مغامرة استعراضية ساحرة مليئة بالحماسة والتشويق تقدم للمشاهدين صورة من تاريخ روماني مجيد بعظمته وضخامته وديكوراته.
الضخامة والدقة والإبداع في تجسيد المعارك والديكورات هو ما يميّزه فعلاً فقد استغرق تصويره ستة اشهر وشمل ثلاثة بلدان هي: إنكلترا حيث صوّرت مشاهد المعارك الطاحنة مع الجرمان والمشاهد الداخلية أيضا، وجنوب المغرب حيث دارت معارك المصارع مع قافلة المصارعين الآخرين.
وأخيرا مالطا حيث شيّدت روما بعظمة مدهشة وخصوصاً "الكوليسيوم" الضخم بمدرجاته وباحته وقد صمم بمساحة وضخامة طبيعيتين. 2500 قطعة سلاح، عشرة آلاف زي، مائة تقني، آلاف الكومبارس ومئات الحيوانات، وفيلم رائع يبدأ بمعركة طاحنة بين الرومان والجرمان لم يشاهد مثل قوتها وبراعة إدارتها من قبل.
ثم تنتقل الكاميرا برهافة شاعرية الى حقل من القمح الذهبي يرقص بنعومة مع ملمس الريح وأصابع القائد الحالم بعائلته فتوجز في مشهدين كل العنف والحنان والقوة والحب التي يجسدها الفيلم.
ولقد نجح رايدلي سكوت في تجسيد عظمة روما الإمبراطورية وجنونها وفي الوقت عينه في توقيع دراما تتلاعب بمصير رجل.
هذا الرجل هو الممثل راسل كرو الذي توّج هامته بغار روماني يستحقه فعلاً لأنه كان مميزاً جسدياً وذهنياً، بعضلاته وقلبه، بقوته وأحاسيسه فجسد بكاريزما كبيرة مأساة رجل قاده الحب الى مصير غريب.
حبه لقائده ووطنه وحبيبته، هذا الحب وقدره الذي حوّله من جنرال الى عبد فمصارع فمنقذ لروما من جنون قيصر ظالم.
وقد اضطر راسل كرو الى القيام بتمارين مكثفة تحضيراً لدوره الجسدي، ففقد 30 كلغ من وزنه الذي اكتسبه من فيلم مايكل ماين الأخير "المخبر" الذي حمل إليه ترشيحاً للأوسكار. بدوره يواكين فينيكس تألق في تجسيد تلك التناقضات التي تمزق ذلك القيصر المنحرف والظالم والعنيف والضعيف في الوقت عينه._(البوابة)(مصادر متعددة)