مريد البرغوثي يسجل عودته إلى الوطن بالشعر

تاريخ النشر: 28 مايو 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

يسجل الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي عودته إلى الوطن في ديوانه الجديد "الناس في ليلهم" بالأوصاف والصور الشعرية التي تنتفض في روح قارئها وهو يمجد حزينا الشهداء، ويسطر حياة العاديين من بني شعبه للمرة الثانية في النص الذي يلي كتابه "رأيت رام الله" وهو شبه سيرة ذاتية، حيث يتوقف في كليهما أمام الوجع الذي خلقته هذه العودة المجهضة. 

ويدخل الشاعر الفلسطيني في الوجود اليومي في إطار من الأسطورة على أرض الوطن، الذي يحمل في داخله المنفى والاغتراب بعد عودته إليه من البوابة الخطأ، ليستمر في داخله هم الليل وهم السؤال الذي لا إجابة جاهزة له وعليه. في حين تصبح الأسطورة الفلسطينية وكفاحها العنيد عادية، فالشهيد وحامل السؤال هما الوحيدان اللذان يعيشان بخير وسط هذا السقوط المريع والعادي في مثل هذا الزمن، حيث يفقد الساحر - إشارة إلى القادة - سحره عندما يقتل شريكته التي هي قضيته.  

وقد حمل الديوان الجديد خمسة مقاطع انطلاقا من الحواس الخمس أداة المعرفة والتعرف على الوجود، حيث تتجه حواس الديوان الخمس بحثا عن معرفتها منذ بدايات توصيف الحالة في عنوان "زهر الرمان" في سبع قصائد يكشف فيها الشاعر زيف الكيان القائم في قصيدة "إتقان" بقوله "لكن الغناء الوحيد/في دكان العصافير المحنطة/كان/ ينبعث من الإذاعة". 

ففي سياق المدخل يؤرخ البرغوثي للتناقض المعرفي "في جسدي حرب أهلية/أسئلتي تتقدم وتهاجم/وإجاباتي /تتساقط قتلى/ تقرير من الجبهة".وفي هذا المدخل توصيف لوجع وسكون وهواجس تخترق الروح بحثا عن إجابات لتساؤلات النهار وتساؤلات تنبع في الليل بحثا عن إجابات نهار قد لا يأتي.  

ويتسع في هذه التساؤلات جسد الأنا ليكون وطنا وتصبح تساؤلات هاجس الشاعر المتسع في مساحة عقله بما يساوي مساحة المعركة بكل تناقضاتها وثقل أسلحتها وانفجاراتها. 

ثم ينبش الشاعر ذاكرته في الحركة الأولى فيعيد لنا الشهداء وحلم التغيير وتبدو عودته إلى الوطن من البوابة المهزومة عودة الى منفى وخيانة مستسلمة للذاكرة. 

وفي الحركة الثانية من الديوان (ليس في الأولمب) يكشف البرغوثي تراجيديا الحياة اليومية للمواطن الفلسطيني العادي التي تتواضع أمامها الأساطير الأولمبية عبر تسع قصائد: فوجود العدو تحت أنفه في الغرفة المجاورة يسترق منه أنفاسه ويقتله يوميا، يتحول إلى تراجيديا تتراجع أمامها آلهة الأولمب وسؤال هاملت الكبير "أن تكون أولا تكون هنا هي المسألة". 

ويعود الشاعر لتشكيل اللوحة الإنسانية من جديد في حركته الثالثة "ريشة رينوار" من خلال إحدى عشرة قصيدة يشكل فيها الإنساني الطبيعي والحلم بالعودة إلى هذا الحق الإنساني البسيط في علاقة الرجل بالمرأة في ظل وضع عادي. ويقوم بذلك من خلال الدمج في بعض مقاطعه بين المرأة الوطن والام الولادة الجديدة والمراهقة الشقية في العلاقة معها وتجدد العلاقة في كل هذه المستويات حيث "الحب الاخير/هو أيضا حب أول". 

ويتراجع عدد القصائد في المقطع الرابع "عزف مرتجل" الى سبع تحمل في إطارها رؤية مقاومة توصيفية تهيئ جيلا للمقاومة عبر قراءة التاريخ والسخرية من الفكر الغيبي وثبات الوضع العفن ورغم ذلك فإن الإنسان يحتفظ بسلاحه الأخير الأمل "توجع، فان الأمل/ذاته/ موجع/حين لا يتبقى سواه". 

يتأمل الشاعر في المقطع الأخير الوطن، و يذوب فيه الوطن ويذوب هو في داخله، في خمس قصائد فيقدمه من خلال بيتهم العتيق "هل علمت أن الدور أهلها/إن غادروها غادرت"... "فمن هنا يحتاج من؟/هل يرجع الغريب حيث كان؟/وهل يعود نفسه إلى المكان؟" خاصة وأن العودة بدون أحلام الشهداء الذين ضحوا بحياتهم لأجلها تمت في عودة الشاعر إلى الوطن المنفى و"فتحت لنا بوابة المنفى من الجهة العجيبة/لم أقل عدنا". فكأنه لم يعد للحلم الذي رعاه مع الآخرين. 

صدر الديوان عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر مطلع العام الحالي ويقع في 150 صفحة من القطع المتوسط- -(أ.ف.ب)