إن العمل في القصور الملكية السعودية لا يعتبر أمراً مجدياً للمواطنين الغربيين من الناحية المادية وحسب، ولكنه يشكل فرصة لهم أيضاً ليؤلفوا كتباً وتحقيق مكاسب مادية عن طريق جذب القراء إلى " ليالي الجزيرة العربية " والأسرار المدفونة، أو على الأقل ما يلجأ إليه الناس لترويج هذه الكتب.
وفي كتاب نشر حديثاً تحت عنوان "مربية أطفال في الصحراء" تشبه فيليس إيليس وهي أرملة بريطانية نفسها بـ أنّا ليونوونس، المربية البريطانية التي أصبحت مدرسة لأطفال الملك سيام في منتصف القرن التاسع عشر.
تقول إيليس الرشيقة القوام والشقراء والعصبية المزاج " أنّا كانت أرملة مثلي" . وتعيش إيليس حالياً في منزل صغير يطل على نهر التايمز في مقاطعة إيسكس التي تبعد مسافة 35 ميلاً شرقي لندن، حسبما أورد تقرير نشرته صحيفة شيكاغو تريبيون يوم الخميس الماضي.
وتضيف الصحيفة أن إيليس قالت " إن أنّا كانت مدينة ولها ولد واحد أما أنا فلدي اثنان . وكانت ملهمة وكذلك أنا. كانت أنّا تحب الرقص والمغامرة.
أما أنا فأعشق الرقص".
توفي زوجها جون فرانكس فبل أربع سنوات وكان قد تزوجها حين كانت في السابعة عشرة من عمرها مخلفاً لها ولدين بالغين ومثقلين بالديون. وكان عمر إيليس حينما مات زوجها 57 عاما.
استجابت إيليس لإعلان في إحدى الصحف يطلب "مربية أطفال إنجليزية" لأمير وأميرة سعودية من العائلة المالكة " .
تقول إيليس " على الرغم من أنني كنت خائفة ، إلا أن الأمر سحرني وامتلأت نفسي بالشعور بالمغامرة .
لقد كنت دوماً تواقة للعيش في الشرق الأوسط وبحاجة ماسة إلى المال" .
بعد أسابيع قليلة استقلت الأرملة الطائرة المتوجهة إلى "منزلها " الجديد وهو قصر فخم من الرخام في مدينة حائل بالسعودية بالقرب من الحدود العراقية في أقصى شمال البلاد، وإلى حياتها الجديدة كمربية لأطفال الأمير مقرن بن عبدالعزيز شقيق الملك فهد، عاهل السعودية وزوجته الأميرة عبطة.
لم تكن رحلة السعودية الفصل الأول في حياة إيليس فقط سبق لها حينما كانت في أوائل الخمسينات ممثلة فكاهية ومغنية وراقصة. آن عاشت في اليونان وإيطاليا وإسبانيا تدرس اللغة الإنجليزية وتمثل المسرحيات بينما كان زوجها مصوراً صحفياً يبحر حول العالم.
ولكن سفرها إلى السعودية جعل الأحوال تتبدل تماماً. فبعد وفاة زوجها مباشرة وتوجهها إلى السعودية وهي لا تزال في فترة الحداد، تغيرت حياة إيليس تماماً حيث أصبحت تعيش في قصر عليه حراسة مشددة.
وتقول إيليس وهي تضحك عالياً " أخذت معي قاموساً للغة العربية وبعض الأشرطة الخاصة باللغات، ولكنني لم أكن أعلم شيئاً عن الشرق الأوسط باستثناء الجمال والصحراء والرجال ذوي الرغبات الجنسية القوية " .
وكمربية للأطفال كان إلى إيليس أن تعتني بثلاثة أطفال من العائلة المالكة تبلغ أعمارهم التاسعة والرابعة عشرة والسابعة عشرة وتعلمهم اللغة الإنجليزية وتكون خلاقة بدرجة كافية تستطيع تحفيزهم .
وذكر تقرير الصحيفة أن الأمر الصعب على إيليس كان في كيفية تكييف نفسها مع المعايير الأخلاقية والأمور الممنوعة في السعودية. وأضاف " إن أصعب شيء عليها كان الطلب بالسماح لها لعمل كل شيء. لم يكن بوسعي الظهور خارج القصر. لقد كنت أعلم أنني مراقبة طوال الوقت".
كانت المربية الملكية تعيش في عالم سري للإناث بصورة مطلقة. وبصفتها امرأة فلم يكن مسموحاً لها بقيادة السيارة أو الانفراد برجل أم شرب الخمر أو الخروج من القصر دون إذن. وكان يسمح لها فلقط بالخروج من القصر مع مرافقين وهي تلبس عباءة تغطي جسمها من رأسها حتى أخمص قدميها بالإضافة إلى غطاء وجهها.
ونشرت الصحيفة مقتطفات من الكتاب تشير إلى أن الحياة في بعض الأوقات كانت لا تطاق بالنسبة لإيليس. وقالت إيليس " كمربية ، لم أكن خادمة ولا إحدى أفراد العائلة. لم يكن أحد يتكلم الإنجليزية ولم أستطع إيصال شكواي لأحد " .
وتضيف قائلة: ومع ذلك ، فإن الحضارة العربية مريحة ودافئة، ولذا فكان ذلك عزائي الوحيد".
ووفقاً للموقع www.desert governess . com الذي يدور حول الكتاب فإن فيليس "على الرغم من الممنوعات التي واجهتها والقوانين الأخلاقية التي لم تكن تتوقعها" أنشأت علاقة مع نساء القصر ومع الأمير بندر( 17 عاماً )، والأميرة جواهر ( 14 عاماً) والأميرة سارة ( 9 أعوام).
وتسرد في كتابها رحلتها الشخصية في اكتشاف التراث الديني والحضاري والاجتماعي في البلاد، وكذلك المعتقدات والعادات الإسلامية والملابس السعودية وأسلوب الطبخ والموقف من المرأة والطلاق".
شهدت في القصر الخيال الشعري والموسيقى والأسرار الأسطورية لرجلين عربيين سحرت وفتنت بهما وهما الأمير مقرن بن عبدالعزيز والبروفيسور محمد. وكانت هناك حفلات الزفاف الخرافية والحدائق الشذية وسحر الصحراء والرحلات بالطائرة النفاثة الخاصة التي تحتوي على مرحاض مغطى بالذهب .
كانت إيليس تمضي ساعات فراغها بالسباحة في بركة القصر واليوغا والتأمل وتقول
" إن ذلك ساعدها على الحياة والتأقلم مع نفسها وموت زوجها جون ".
وكانت إيليس تدون ملاحظاتها خلال الساعات التي تكون فيها وحيدة. وقالت "إن كل شيء هنا مدرسة اجتماعية وحضارية ودينية. شعرت بأنني مضطرة لكتابة ملاحظات".
لذا كتبت إيليس عن انطباعها عن البلد وحياة القصر والحياة السرية للنساء والمعتقدات والعادات الإسلامية والملابس السعودية والعادات والتقاليد. وقد احتفظت بملاحظاتها مخبأة في حقيبتها. قالت "كنت على علم بأني سأواجه المتاعب لو عثروا على ملاحظاتي. السعوديون متكتمون جداّ ويحبون حماية تراثهم ".
وبعد عامين، عادت إيليس إلى إنجلترا. وحينما وصلت هناك أصابتها صدمة أخرى وهي التكيف من جديد مع جو الحرية في بلادها.
وتقول ضاحكة بصوت عال " لم أكن أتوقع أن يكون بوسعي الخروج من المنزل ومشاهدة البحر بمفردي والاتصال بصديق والخروج معه لتناول كأس من الخم ".
ولكي تتمكن إيليس من إعادة تكييف نفسها، قامت بقراءة وإعادة كتابة ملاحظاتها وذلك بمساعدة ولديها وقررت تحويل هذه الملاحظات إلى كتاب، مما جعلها تنحو منحى جديداً في حياتها العملية.
تقول إيليس إن الكتاب " أعطاها الثقة بنفسها ". وهي تكتب حالياً قصصاً قصيرة وتروج لكتبها في المملكة المتحدة والولايات المتحدة وتضيف "إن هذا عمل مجز وخاصة لمن هي في مثل عمري.
أشعر أنني نجحت طيلة هذه السنين حيث بذلت ما بوسعي وأنا الآن أجني الثمار.
بعد الستين أخذت حياتي منحنى جديداً ".- (البوابة )