محمود أمين العالم يحاضر معاناة طه حسين ونصر حامد أبو زيد

تاريخ النشر: 25 يونيو 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

أقيمت في دار الوثائق المصرية بالقاهرة ندوة موسعة بعنوان" الاحتكام إلى العقل بين طه حسين ونصر حامد أبو زيد" ألقى فيها المفكر محمود أمين العالم محاضرة حول كلا الأديبين. 

وتناولت الندوة طه حسين ونصر حامد أبو زيد على أنهما اثنان ممن طالتهم القوى المتشددة في عصور مختلفة، فقد عانى طه حسين من المتشددين في أواخر عشرينات القرن العشرين، بسبب كتابه" في الشعر الجاهلي "وتم التحقيق معه وتبرئته من قبل النيابة. 

وأثارت كتب الدكتور نصر حامد أبو زيد حفيظة المتشددين أوائل تسعينيات القرن العشرين وتحديدا عام 1993، حينما تقدم بمؤلفاته في نفس العام لنيل درجة الأستاذية في علوم القرآن، وهي "مفهوم النص" و "الإمام الشافعي مؤسس الوسطية في الإسلام"، إلا أن اللجنة المشكلة لمنح درجة الأستاذية في علوم القرآن لم تكن محايدة تجاه الرجل، واعتبرت كتابه "نقد الفكر الديني" تجريحا في الفكر والدين معا، مما أثار قضية حسبة حركها محام ضد الوزير، جعلت القضاء يفصل لصالح المحامي ويقضي بالتفريق بين أبو زيد وزوجته د· ابتهال يونس المدرسة بكلية آداب القاهرة، مما دفعه للهجرة وزوجته خارج مصر.  

وحسب صحيفة "الاتحاد" الإماراتية اليوم، فقد استعرض محمود أمين العالم تاريخ صراع طه حسين، ونصر أبو زيد مع القوى المتشددة، وربط أفق هذا الصراع بما أنتجه كل منهما من كتابات تضيف الى قائمة الفكر الديني المستنير إضافات مهمة.  

وأشار العالم في هذه النقطة إلى الشجاعة الفكرية التي تمتع بها طه حسين، ابن الأزهر الشريف، والجرأة التي تدفع مثله لتقديم طرح مستنير وأسئلة خلافية، وهو يعرف جيدا ان بعض المتشددين لن يتركوه ينعم بأسئلة كهذه، وكان عليه ان يختار إجابات صارمة في بعض الأحيان، وظل طه حسين شجاعا في أطروحاته الفكرية المختلفة عالما ان المستقبل يستدعي توسيعا لرقعة أعمال العقل.  

والمعروف ان محمود أمين العالم هو واحد من الذين انتقدوا كتاب طه حسين "مستقبل الثقافة العربية" عند صدوره وكان لانتقاده هذا دوي هائل في أوساط المثقفين في الستينات. 

وأشار العالم في حديثه عن نصر حامد أبو زيد، الى ان نصر استطاع أن يتفوق على أستاذه طه حسين، ويضيف الى إنجازه الفكري، من خلال قدرته على استخدام المفاهيم الفلسفية التي تطورت كثيرا بعد طه حسين. ومنها استخدامه لإنتاج الدلالة في النصوص الدينية، وأضاف إلى أن تطبيق نصر أبو زيد مفهوم(النص ثابت في منطوقه متحرك في دلالاته) في مقولات مثل المؤلفة قلوبهم أو ملك اليمين، ربما كان سببا مباشرا فيما تعرض له من هجوم عنيف.  

وأوضح العالم ان استخدام نصر أبو زيد للمفاهيم الفلسفية الحديثة مثل "إنتاج الدلالة" يعد قراءة مفيدة لواقع الفكر الديني، لأن القراءة المتجددة للفكر الديني، هي تجديد لقراءة الواقع قراءة لا تستبعد أبدا مقولات الدين، لكنها تشير في ذات الوقت لإمكانية إضافة بعد جديد للدين، وإتاحة فرصة إضافية لتجديده مع العصور. بحيث يمكنه من الاتساع في تفسير وتقديم رؤية عصرية للواقع، فتجديد القراءة الدينية هو تجديد لقراءة الواقع.  

وأشار العالم إلى الشجاعة في كتابات نصر حامد أبو زيد، وطه حسين في قضية المرأة، لا في إطار وجودها الهامشي في الثقافة العربية عموما، بل في إطار إعطائها حقها في الحياة، وأكد أن كتابات كل منهما كانت تمثل تأكيدا على شجاعتهما المتساوية، في تناول الجراح الفكرية العربية، والمساهمة في تنظيفها عن طريق النظر إليها، بعين العقل لا بعيون النقل والاتباع.  

خطاب العقل 

واختتم محمود أمين العالم محاضرته بالإشارة الى ان خطاب العقل في الثقافة العربية لم ينقطع منذ مائة وخمسين عاما على الأقل، وأن الفرص القادمة لتوغل الخطاب العقلاني المستنير في المجتمعات العربية متعددة وكثيرة، خصوصا بعد الثورة التي حققها الغرب في الاتصالات السريعة وبعد تطورات لم تكن متاحة في زمن طه حسين، وكانت ضئيلة التأثير في زمن تكون نصر حامد أبو زيد.  

وردا على سؤال حول دور التشكيك التاريخي في فقدان الثقة في النصوص ذات الطابع الديني قال العالم: "هدف طه حسين لم يكن التشكيك المجرد من العلم أو المعرفة العلمية الصحيحة، ودائما هناك من يقدم شكوكه بغرض شخصي، أو برغبة مباشرة في الهدم. لكن طه حسين لم يفعل ذلك، وظلت شكوكه منحصرة في ثوب علمي تاريخي". 

وفرق العالم بين المؤرخ والأراخ الذي كان يستخدمه بعض السلاطين والخلفاء في التأريخ الإسلامي والعربي لكي يكتب فقط ما يرضي هؤلاء السلاطين، واشار إلى ان بعض هؤلاء من مزيفي التاريخ، استطاعوا ان يدخلوا بعض المغالطات التاريخية ويدسوها في سياقات لا يمكن قبولها من العقل، وكان عمل طه حسين منصبا على هذه الأحداث غير السليمة. 

وحول تراجع دور العقل في الفكر الديني، على الرغم من وجود طه حسين ونصر أبو زيد، في القرن العشرين. في حين لم يجابه ما قدمه محمد عبده من فكر ديني مستنير بهذا القدر من العنف الثقافي، قال العالم:" ان تراجع دور العقل في الفكر الديني لا يمكن اعتباره ظاهرة معاصرة او ظاهرة جغرافية في أماكن محددة، أنا اعتبر ان سببا رئيسيا لذلك هو ان الفكر الديني اصبح في فترات عديدة من التاريخ فكرا مؤسساتيا، اي مدعوما ومقوما بمؤسسات تعمل على تقديمه، مما يجعله فكرا مرتبطا باحتياجات هذه المؤسسات"، ويعتقد العالم أن في ذلك خروجا عن السياق الصحيح للفكر، وأن ما نحن فيه من تراجع الآن يمثل حلقة من حلقات ارتباط الفكر الديني بمؤسسة ما، وأكد العالم أنه لابد من أن نعالج هذه القضية بمزيد من التفكير العقلاني. وقد كان نصر حامد ابوزيد ضحية هذا الفكر الديني المؤسساتي، لانه كتب ضد سلطاتها الوهمية كثيرا واخرجها من كونها مؤسسة فكر ديني الى كونها صاحبة مصالح مباشرة في ترويج معارف محددة عن الدين، وما كان إلا ان اخرج من بلده حتى يتسنى لهؤلاء ان يعملوا في هدوء والا من المسؤول عن اعتبار الفراعنة العظام مجرد كفار مثلا أو ان تماثيلهم تمثل أوثانا؟ المسؤول هو مؤسسة دينية ايضا رأت بأفق ضيق ان عمل الفراعنة ضد التدين في معناه العام في حين ان من الفراعنة من كان موحدا مؤمنا بوجود إله واحد ينظم العالم وهؤلاء كانوا متدينين بصورة فطرية فيها جانب كبير من أعمال العقل. والأمثلة على الفراعنة المتدينين بهذا المعنى أكثر من أن تحصى ونحن في حاجة لأمثال هؤلاء الآن، أما المؤسسة الدينية فقد رأت ان هؤلاء كانوا مجرد كفار- -(البوابة)