أشار الكاتب الصحفي محمد حافظ إلى أن أحدث تقارير الحالة الدينية الصادرة عن مركز دراسات الأهرام كشفت أنه في عام واحد تمت مصادرة 70 كتاباً من قبل مجمع البحوث الإسلامية بدعوى أن هذه الكتب تحمل أفكاراً هدامة تسيء للدين وأضاف بأن تلك الأحكام لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة.
ويرى حافظ في تقرير موسع نشرته صحيفة "الراية" القطرية بأن قضية المصادرة للأفكار والأعمال الفنية والإبداعية قديمة قدم أطروحات وأفكار جاليليو حول كروية الأرض، ويضيف بأن المعارك التي جرت بين الأدباء والمفكرين وبين رجال الدين أو حتى أصحاب السلطة عموماً لم تنته ، ففي السابق لم يسلم منها عميد الأدب العربي د. طه حسين عندما أصدر دراسة أدبية في الشعر الجاهلي دفعت عبد الحميد البنان، عضو مجلس النواب، للتقدم ببلاغ للنيابة العامة يتهم فيه د. طه حسين بأنه نشر، ووزع، وعرض للبيع في المحافل والمحلات العمومية، كتابا طعن وتعدى فيه على الدين وعلى قدسية القرآن، وارتفعت أصوات أعدائه تطالب بالقصاص منه، ولقبوه عدواً للإسلام، على الرغم من العديد المقالات التي نشرها ليدافع فيها عن وجهة نظره مما اضطره في النهاية لحذف بعض الفقرات من الكتاب وتغيير اسم الدراسة من "الشعر الجاهلي" إلى "الأدب الجاهلي".
ويذكر حافظ أن كتاب د. زكي نجيب محمود "خرافة الميتافيزيقا" تعرض أيضا للمصادرة، واتهمه معارضوه بأنه يستهزئ بالمبادئ المعروفة ويشكك فيها.
ويشير حافظ إلى أن العقد الأخير تميز بارتفاع صيحات التكفير والمصادرة، وبدأت المجلات العلمية تعرف طريقها للتراشق باتهامات التكفير والإلحاد، وانتقلت معاركهم إلى ساحات القضاء، وعرف المجتمع ما يسمى بقضايا الحسبة التي كان من أشهرها قضية د. نصر حامد أبو زيد، عندما رفضت جامعة القاهرة منحه درجة علمية على إنتاجه الأدبي، الذي لم تعتبره لجنة التحكيم فكراً، واعتبرت مؤلفاته ضد العقيدة الإسلامية ونصوصها المقدسة، فحكمت المحكمة بردة الدكتور نصر أبو زيد وتفريقه عن زوجته أيضاً.
كما يشير إلى ما حدث مع أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة القاهرة د. حسن حنفي في حملة قادها الأمين العام لجبهة علماء الأزهر د. يحيى إسماعيل حبلوش، الذي حكم بردة الدكتور حنفي، ووصف مشروعه الفكري بأنه مشروع تدميري للإسلام وقواعده، على الرغم من أن ضمن كتب د. حنفي كتاب مقرر على طلبة كلية الآداب قسم الفلسفة بجامعة القاهرة، وأضاف بأنه ما كان من د. حنفي إلا أن عرض قضيته في الخارج.
ويذكر حافظ أن المصادرة أخذت بعداً آخر، هو العنف والإرهاب الفكري مثلما حدث في واقعة الاعتداء على الأديب الكبير نجيب محفوظ بسبب روايته "أولاد حارتنا" التي قيل في أسباب مصادرتها إنها تهزأ بالدين والأنبياء، في حين أكد نجيب محفوظ أن روايته على عكس ما قيل عنها،" فهي رواية إيمانية تدعو للإيمان بالله والأنبياء وليس فيها ما أثير حولها"، وأضاف حافظ بأن مسرحية د. مصطفى محمود "زيارة للجنة والنار" تعرضت للمصادرة من مجمع البحوث الإسلامية لولا تدخل شيخ الأزهر الذي سبب تدخله اختلافاً بين أعضاء المجمع بين مؤيدين ومعارضين لموقف شيخ الأزهر، الأمر الذي أغضب الرقابة على المصنفات الفنية، فرفضت المسرحية باعتبارها تتعرض للغيبيات ووصف الجنة والنار بتخيل بشري، ومن قرارات المصادرة اتفاق الأعضاء في اللجنة على نشرها في كتاب، واختلافهم على تحويلها إلى عمل مسرحي.
ويتساءل حافظ هل للإبداع حدود؟ وهل لابد أن يكون للأفكار قضبان أو خطوط حمراء لا نتخطاها؟.
ويجيب المفكر الإسلامي د. عبد الصبور شاهين على هذا التساؤل قائلا:" في البداية أنا لست مع مصادرة الحريات والأفكار أما عن الإبداع فإن قضية الإبداع مبالغ فيها، لأن كتابة الرواية أو القصة هو نوع من التأليف فهل نسمي ما يصنعه العابثون الذين يكتبون أي شيء على المقهى إبداعا ؟ لقد أهينت هذه الكلمة. ويتساءل عبد الصبور: هل نطلق وصف الإبداع على رواية قذرة بمضمون تافه تتعرض بلغة رثة وألفاظ بذيئة لثوابتنا الإيمانية ؟ ويضيف د. عبد الصبور:" هناك فرق بين أن يكون أمر المصادرة من هيئة رسمية كالدولة أو الأزهر، وبين أن يكون من فرد إلى المحكمة، فحين يظهر من العمل ما يستدعي المصادرة، فإن المصادرة تتم لهدف اجتماعي، ولكن حين يكون صادرا من فرد فربما يكون الهدف هو إثارة البلبلة في المجتمع لأسباب شخصية تجاه المبدع أو صاحب الفكرة، وفي هذه الحالة لابد من التصدي بكل حزم لأصحاب هذه الاتجاهات الهدامة التي تقف في وجه الإبداع".
ويؤيد عبد الصبور المصادرة حين يكون العمل الفكري داعيا الى الفساد والانحلال مشيرا إلى أن مصادرته تكون لمصلحة المجتمع وليس لتحقيق هوى فردي، لأن حماية المجتمع أهم من حماية الأفراد، وحتى لا يأتي من ينصب نفسه ضمير الأمة والمسلم الوحيد، ويكفر الباقي طبقا لأهوائه، ويذكّر عبد الصبور بتجربته، عندما حاول يوسف البدري تكفيره وتكفير كتابه أبي آدم.
ويرفض الروائي إبراهيم أصلان عضو اتحاد الكتاب بشدة مصادرة الكتب، لأن فيها مصادرة للحريات قائلا:" لا مصادرة لكتاب إلا بحكم قضائي فلا الأزهر، ولا مؤسساته تملك حق مصادرة كتاب إلا بأحكام قضائية لأننا جميعا نخضع للدستور والقانون هو الفيصل، وعصر الحريات لا يفرض وجود حدود على الفكر" ويضيف بأنه إذا تضمنت الروايات أفكارا أو ألفاظا على لسان أبطالها، فهي تعبر عن رأي البطل، أما إذا عبرت عن رأي مؤلفها فهو ليس مؤلفا، وروايته ضعيفة".
ويقول د.محمد عمارة أستاذ التاريخ الإسلامي بأنه لا بد من التفريق بين الحرية المطلقة، والحرية المسؤولة، وعلى الكاتب حين يقدم على عمل أدبي، أو كتاب فكري أن ينظر إلى من سيتأثر به، إذ لابد أن تكون حريته مسؤولة ويضيف:"أنا ككاتب لست مع مصادرة الأفكار، ولكنني ضد التعدي على الثوابت الدينية والأخلاقية" - -(البوابة)