لندن - أحمد رأفت
الحرص على متابعة الأخبار من مصادر أجنبية غير خاضعة للرقابة
والاهتمام بالعالم الخارجي قد يقودان إلى السجن في إيران، فأطباق استقبال
المحطات التلفزيونية الفضائية وموجات الإذاعة القصيرة محظورة، والصحافة
المطبوعة ذات النبرة الليبرالية أو حتى الإصلاحية تم إسكاتها. ولعل إغلاق جريدة
"بهار" - آخر الصحف الليبرالية في إيران- مؤخرا جاء بمثابة الإعلان الرسمي لوفاة
صوت المعارضة في وسائل الإعلام الإيرانية.
فيما يحكم أتباع الزعيم الديني آية الله سيد علي خامنئي قبضتهم على شبكات
الراديو والتلفزيون المملوكة للدولة، وكذلك على جميع الصحف الرسمية والمحلية
التي أفلتت من قرارات الإغلاق التي تصدرها باستمرار محكمة رجال الدين الخاصة في
إيران. ومن ثم بات على الإيرانيين الراغبين في الحصول على أخبار ومعلومات لم
يشوهها مقص الرقيب الاستماع إلى الخدمات الإذاعية باللغة الفارسية التي تبثها
المحطات الأجنبية.
وإذا كانت السلطة الدينية المتشددة في إيران قد نجحت في إطباق سيطرتها على
الإعلام المحلي، فالمؤكد أن هذه السلطة لا تستطيع فعل الكثير أمام طوفان
المحطات الإذاعية التي تبث من خارج الحدود الإيرانية. إنها الوسيلة الوحيدة
المتبقية للشعب الإيراني كي يتعرف على ما يجري في العالم ويتابع أخبار الجاليات
الإيرانية المشتتة في أنحاء الكرة الأرضية.
في كل يوم، يبث العديد من محطات الراديو الأجنبية ساعات متواصلة من البرامج
الفارسية الموجهة من لندن أو باريس أو واشنطن أو براغ أو طوكيو. وهناك أيضا محطات إيرانية عدة تنطلق من لوس أنجيليس الأميركية أو من الخليج العربي. وبمرور الوقت أصبح أصوات السياسيين (المعارضين) والفنانين والكتاب والصحفيين (الذين فقد الكثير منهم وظيفته بعد إغلاق 30 جريدة ومجلة على الأقل خلال السنوات القليلة الماضية) مألوفة لدى المستمع الإيراني العادي.
مسعود بيهنود هو أحد أبرز كتاب المقالات الذين عملوا مع محطات راديو أجنبية من
طهران حتى تم اعتقاله في آب/ أغسطس الماضي. لكن قبل اعتقاله، أكد مسعود أن في كل
مرة كان يصدر أمر بإغلاق صحيفة أو مجلة إيرانية كانت أسعار أجهزة الراديو ذات
الموجة القصيرة تقفز إلى السماء. وبرغم أن هذه الأجهزة تعتبر غير قانونية على
المستوى الرسمي، فإن الكثير منها ما زال يباع عند ناصية كل شارع من شوارع طهران
تقريبا.
التعطش للمعلومات يدفع الإيرانيين لدفع مبالغ ضخمة من النقود من أجل الحصول على
أجهزة راديو رقمية صغيرة أو أطباق لاستقبال المحطات الفضائية، فثمن جهاز
الراديو الرقمي في السوق السوداء بطهران يعادل حاليا نحو 700 دولار، بينما تصل
تكلفة الحصول على جهاز وطبق لاستقبال قنوات التلفاز الفضائية ثلاثة آلاف دولار.
أما هؤلاء الذين لا يقدرون ماديا على شراء هذه الأجهزة فلا يترددون في الانقضاض
على منازل جيرانهم أو بعض أقربائهم للاستماع إلى برنامج مهم باللغة الفارسية
تبثه إحدى المحطات الأجنبية.
ويؤكد ستيف فيربانكس مدير الخدمة الفارسية في راديو أوروبا الحر (راديو
ليبرتي) - الذي تملكه الولايات المتحدة الأميركية ويبث إرساله من العاصمة
التشيكية براغ- أن محطته وغيرها من المحطات الفارسية المشابهة شهدت قفزة غير
مسبوقة في عدد المستمعين الذين يواظبون على متابعة برامجها من الجمهورية
الإسلامية، خاصة بعد إغلاق الصحف الإصلاحية هناك، فيقول "إن هذا يوضح بكل تأكيد
أهمية دورنا كمصدر للأخبار وللمعلومات، وكمنبر للمناقشة المفتوحة. المستمعون
يبلغوننا أن إغلاق الصحف (الليبرالية) أدى إلى زيادة جمهورنا في إيران. إنهم
ينظرون إلينا اليوم كوسيلة أساسية لضمان استمرار التدفق الحر للمعلومات، ونحن
نعلم أن الإقبال على اقتناء أجهزة الراديو التي تبث على الموجة القصيرة قد زاد
بصورة درامية في الآونة الأخيرة، وهو ما يعكس بالتأكيد تضخم جمهور المستمعين".
وبالمثل يؤكد ميناش عامر رئيس البرامج الفارسية في إذاعة كول بإسرائيل، والتي
تحظى بشعبية كبيرة في إيران، أن لمحطته دورا بالغ الأهمية فيقول "إننا ونظراءنا
نمثل مصدر المعلومات المحايد الوحيد المتاح لستين مليون إيراني يعيشون داخل
إيران وخارجها. إنها مسؤولية ضخمة، وشرف كبير في الوقت ذاته، إذ ندرك أن علينا
أن نكون أمناء في أداء رسالتنا، وأن ننتقي الأخبار والمعلومات بغض النظر عن مدى
تقبل حكوماتنا لها. إن استقلاليتنا ومهنيتنا هما الضمان الوحيد لنجاحنا في المهمة".
في الوقت الراهن يزيد عدد المحطات الإذاعية التي تبث بالفارسية - عبر الموجة
القصيرة أو القمر الصناعي- عن مائة محطة يمكن التقاطها في طول الجمهورية
الإيرانية وعرضها دون صعوبة. وأغلب هذه المحطات تابع لإذاعات في الشرق الأوسط
وآسيا وأوروبا وأميركا، وتعد تلك الموجودة في أذربيجان أقدمها على الإطلاق، فيما يعتبر راديو ليبرتي أحدثها.
يقول فيربانكس "لقد بدأ إرسال الخدمة الفارسية في راديو أوروبا الحرة- راديو
ليبرتي في تشرين الأول/أكتوبر 1998، حين أسست هذه الخدمة انطلاقا من قناعتنا بوجود مساحة لمزيد من المحطات الإذاعية الموجهة إلى إيران، حيث يفرض النظام الديني قيودا
مشددة على الإعلام الإذاعي. إننا نؤمن بأن الحصول على معلومات دقيقة وغير محرفة
من قبل السلطة حق أساسي من حقوق الإنسان وضرورة لا غنى عنها لتطوير مؤسسات
المجتمع المدني. كما أننا ندرك تماما الحاجة إلى تيسير الحوار حول القضايا السياسية والثقافية بين الإيرانيين في أنحاء العالم ".
وتبقى الخدمة الفارسية التي تبثها هيئة الإذاعة البريطاني بي بي سي أكثر المحطات الأجنبية شعبية لدى الإيرانيين منذ تدشينها عام 1940. وتنتج البي بي سي حاليا 36 ساعة أسبوعيا من البرامج الفارسية الموجهة ليس فقط إلى المستمعين داخل إيران، وإنما أيضا إلى كل من يتحدث الفارسية في آسيا الوسطى. لكن وكما يحدث عادة في أي مجال، تحتدم المنافسة بين المحطات لاستقطاب المستمعين وتندلع الحروب بين الشبكات الإذاعية عبر الموجات الدولية.
وبرغم صعوبة الحصول على أرقام دقيقة بشأن نسب المستمعين، تشير التقديرات إلى أن البي بي سي تحتفظ بالنصيب الأكبر من الجمهور الفارسي يليها راديو إسرائيل، بينما يتنافس كل من راديو ليبرتي الأميركي وصوت أميركا على المرتبة الثالثة، وبعد هؤلاء يأتي راديو فرنسا
الدولي ثم الإذاعة الألمانية.
وغالبا ما تسيطر جماعات المعارضة في المنفى على الإذاعات الموجهة ذات الجمهور
الصغير. والحقيقة أن قصور الخدمة المعلوماتية وسطوة المصالح السياسية على
الحياد الإعلامي في هذه المحطات لا يشجع أغلب الناس على المخاطرة بالتعرض للسجن
أو الغرامة من أجل امتلاك جهاز راديو يستقبل الموجة القصيرة. وفي المقابل يفضل
جمهور المستمعين في إيران الخدمة الإذاعية ذات المعايير المهنية والنظرة الشاملة المحايدة للأحداث.
ويبدو أن تأثير هذه المحطات الموجهة بلغ من القوة حدا دفع المرشد الروحي للجمهورية الإسلامية آية الله خامنئي إلى مهاجمتها علنا في آب/أغسطس الماضي متهما إياها بأنها "جزء من مؤامرة دولية يقودها الصهاينة، وتستهدف إضعاف إيران وتشويه الإسلام".
ويرد فيربانكس مسؤول راديو ليبتري الموجه بالفارسية على تصريحات خامنئي بقوله
"إنها مثال آخر للاتهامات الوحشية غير المنطقية التي ترددها الحكومة الإيرانية
في محاولة لتحطيم جهودنا. لكنه يعكس من جهة أخرى مدى الخوف الذي يعتري هذه
الجهات من تزايد شعبية الإذاعات الأجنبية في إيران. إننا لا نشارك بعض الجماعات
المعارضة المقيمة في الخارج رغبتها في قلب نظام الحكم في طهران، لكننا نهدف إلى
معالجة الشؤون السياسية الإيرانية بأسلوب محايد متوازن .. إننا لا نؤيد الرئيس
خاتمي ضد أي جماعة أخرى أو العكس".
ثم يضيف فيربانكس بنبرة تظهر فيها محاولته الاحتفاظ بهدوئه "برغم كل الانتقادات
التي توجهها السلطة الإيرانية إلينا، فإن تتبع التصريحات والتعليقات الرسمية
على برامجنا يؤكد أن جميع المسؤولين في مختلف المستويات يستمعون إلينا ..
وبتقييم الاتصالات الهاتفية العديدة التي نتلقاها والخطابات التي يرسلها
المستمعون، نستطيع أن نجزم بأن جمهورنا يمتد عبر أنحاء إيران علاوة على العاصمة
طهران".
بث تلفزيون حي إلى طهران
التلفزيون الإيراني الوطني أو INTV هو اسم أحدث محطة تلفزيونية تنطلق عبر الأثير من لوس أنجيليس حيث يعيش نحو مليون مغترب إيراني. لكن الفرق بين هذه المحطة الجديدة وغيرها من المحطات التي تبث من كاليفورنيا باللغة الفارسية هو أنها لا تستخدم الكيبل، وإنما تبث خدمتها مباشرة عبر القمر الصناعي على مدار الساعة.
وحين انطلق إرسالها أول مرة في أيار/ مايو الماضي، نجحت المحطة التلفزيونية الجديدة
في اجتذاب اهتمام وسائل الإعلام العالمية. ويتشكل جمهورها جزئيا من الإيرانيين
المقيمين في الولايات المتحدة، بينما تعيش النسبة الكبرى من مشاهديها في أوروبا.
وتعد البرامج الحوارية والأفلام القديمة والأغاني المصورة - وجميعها من المواد
المحظور بثها في الجمهورية الإسلامية- أكثر برامج التلفزيون الإيراني الوطني
شعبية. ويبدو أن لهذه البرامج المحظورة في إيران شعبية لا تقل بأي حال عن شعبية
مباريات كرة القدم، ويكفي أن نعلم أن مجرد إشاعة عن وجود مطرب إيراني شهير في
استوديوهات المحطة تتسبب في خلو شوارع طهران من المارة لساعات عديدة.
وبالنظر إلى الكم الهائل من الفاكسات والاتصالات الهاتفية التي تنهال على مقر التلفزيون الوطني الإيراني في لوس انجيليس يبدو من المتوقع جدا ألا يمضي وقت طويل قبل أن تكتسح المحطة الجديدة القنوات التلفزيونية الرسمية الست التي تتسم بطابع جامد غير قادر على منافسة أي تلفزيون حديث. - (و.ن. ل)
