استمرارا لسياسية الاحتواء، أعلنت بريطانيا تقديم مشروع قانون لمجلس الأمن يستبدل العقوبات المفروضة على العراق بما أصبح يعرف بـ "العقوبات الذكية"، وجاء الإعلان البريطاني بعد إعلان أميركي مماثل، وجددت بغداد رفضها أي قرار دولي جديد، مهددة بقطع النفط عن الأردن وتركيا في حال الموافقة على القرار.
قال مسؤول بريطاني للصحافيين "لقد أجرينا والولايات المتحدة على مدى الأشهر الماضية تقييما شاملا على مدى فعاليات العقوبات المفروضة حاليا على النظام العراقي وناقشنا الوسيلة الأكثر فعالية التي يمكن من خلالها احتواء النظام العراقي وردعه عن الاستمرار في تطوير أسلحة الدمار الشامل".
وأضاف إن "الغرض من هذه العقوبات العودة إلى الهدف الرئيسي من تطبيقها وهو التأكد من خلو ترسانة النظام العراقي من السلاح".
وأوضح المسؤول البريطاني الذي رفض الإفصاح عن هويته أن مشروع القرار الذي صاغته بريطانيا سيتم توزيعه خلال الأيام القليلة القادمة على أعضاء مجلس الأمن.
ومن المرجح أن تتم عملية التصويت على المقترح البريطاني أواخر الشهر الحالي عند مناقشة الملف العراقي والتصويت على المرحلة التاسعة من برنامج (النفط مقابل الغذاء).
وذكر المسؤول البريطاني أن حكومته أجرت مشاورات مع أعضاء مجلس الأمن وعدد من الدول ذات الصلة "وقمنا بطرح تصور حول أهمية إجراء تغيير في السياسة الحالية تجاه العراق.. وحتى هذه اللحظة جاءت غالبية الردود إيجابية".
وقال إننا نهدف من خلال إجراء هذا التغيير إلى فرض نظام مراقبة أكثر صرامة على الواردات ذات العلاقة بتصنيع السلاح إضافة إلى الحد من عمليات تهريب النفط وضمان عملية تدفق المواد الغذائية والاستهلاكية الرئيسية إلى الشعب العراقي وتحميل نظامه مسؤولية معاناة شعبه.
وأضاف "حاليا لا يمكن دخول أي سلعة إلى العراق إلا عن طريق العقود التي تقرها لجنة العقوبات التابعة للأمم المتحدة"، مشيرا إلى أنه في ظل التغيير المقترح على نظام العقوبات الحالي "سيفسح المجال بدخول جميع المواد إلى العراق ما عدا المواد الخاصة بالأسلحة التقليدية وأسلحة الدمار الشامل".
وأوضح أن بلاده وواشنطن قامتا بإجراء عدد من الاتصالات مع بعض الدول في الشرق الأوسط لبحث الوسيلة الأفضل التي يمكن من خلالها تحسين نظام المراقبة على النظام الحاكم في بغداد والتأكد من عدم وصول أي مواد محظورة إلى أراضيه وخفض عمليات تهريب النفط.
وأكد أن ردود الأفعال حتى الآن جاءت إيجابية وخاصة من قبل دول المنطقة التي أعربت عن مساندتها التامة لهذا التعديل.
وأوضح أن هذه الدول قلقة على حالة الشعب العراق ولذلك فهم يرون في هذا التعديل خطوة إيجابية لرفع المعاناة عن هذا الشعب إلا انهم في نفس الوقت لا يريدون أن يقوم النظام الحاكم في بغداد بإعادة تسليح نفسه.
ومشروع القرار الذي صاغته بريطانيا هو أول دليل ملموس على السياسات الأميركية الجديدة نحو العراق التي أفصحت عنها في وقت سابق حكومة الرئيس الأميركي جورج بوش.
لكن المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية ريتشارد باوتشر تجنب الحديث عن مشروع القرار وقال "ليس لدينا اقتراح نقدمه في هذه المرحلة".
وكانت واشنطن وزعت ألأسبوع الماضي قائمة "أفكار" على القوى الرئيسية في مجلس الأمن وقال دبلوماسيون إن الولايات المتحدة تعمل مع بريطانيا لصياغة مشروع القرار.
وستبقي مسودة القرار الجديد على القيود المالية الراهنة على عائدات النفط العراقية في حساب مصرفي تشرف عليه الأمم المتحدة ويحصل منه المصدرون للعراق على مستحقاتهم. وستبقى عملية إجازة عقود الواردات العراقية من خلال آلية الأمم المتحدة وإن كان بطريقة أسرع.
وقال رعد القديري من شركة بتروليوم فاينانس في واشنطن "إننا نقول للعراقيين أن يديروا اقتصادهم لكن ليس لهم سيطرة على مواردهم المالية."
ولتخفيف وقع العقوبات على العراقيين العاديين بدا برنامج النفط مقابل الغذاء في أواخر عام 1996. ويسمح البرنامج الذي بدأ تطبيقه أواخر عام 1996 للعراق الآن ببيع النفط بلا حدود على أن توضع عائداته في صندوق تحت إشراف الأمم المتحدة. وتستخدم العائدات بعد ذلك في شراء البضائع التي تطلبها بغداد.
وأحد أسباب القواعد الجديدة هو خفض تهريب النفط في ظل نظام العقوبات الحالي إضافة إلى تحميل بغداد مسؤولية معاناة العراقيين العاديين التي ينحى فيها باللائمة على العقوبات في حرب إعلامية تخسرها الولايات المتحدة.
لكن مسودة القرار المبدئية قد لا تشمل إجراءات عما يتوقع أن تفعله الدول المجاورة للعراق مثل الأردن وتركيا وسوريا. واقترح وزير الخارجية الأميركي كولن باول الذي زار المنطقة في أوائل العام الحالي وضع وسائل مراقبة على الحدود للسيطرة على البضائع المهربة.
ويوم الاثنين حذر طارق عزيز نائب رئيس الوزراء العراقي، الذي أكد رفض بغداد أي قرار جديد يبقي العقوبات المفروضة على بلاده، حذر الأردن وتركيا من أن العراق سيوقف صادرات النفط إلى كل منهما إذا تعاونا مع خطط العقوبات الجديدة. وقال عزيز "سنغلق أنابيب البترول وسنوقف الشاحنات ولن يكون هناك تجارة."
ويتوقع أن تخفف مسودة القرار الجديد من القيود على رحلات الطيران المدني من أماكن معينة تخضع لإجراءات يتفق عليها مجلس الأمن.
والهدف الآن هو التصويت على مسودة القرار في مجلس الأمن قبل بداية مرحلة الشهور الستة القادمة من برنامج النفط مقابل الغذاء التابع للأمم المتحدة في الرابع من حزيران/يونيو. وحاليا يسمح للغذاء والدواء إضافة إلى بنود أخرى مثل الطوب والمواد التعليمية بدخول العراق دون أن تقرها لجنة العقوبات بمجلس الأمن.
ووفقا للخطة الجديدة فإن السلع الأخرى من الدراجات وحتى آلات الحياكة يمكن استيرادها بدون إذن اللجنة رغم أن المصدرين للعراق سيحصلون على أموالهم من حسابات تسيطر عليها الأمم المتحدة.
ويتوقع أن يكون الاتفاق على قائمة بالسلع المهربة تعدها حاليا الولايات المتحدة وبريطانيا مثار جدل قد يجعل من الصعب الوفاء بموعد الرابع من يونيو.
والشرط الأساسي لرفع العقوبات هو السماح لمفتشي الأمم المتحدة على برامج الأسلحة النووية والصواريخ الذاتية الدفع والبرامج الكيماوية والبيولوجية وهو ما يرفضه العراق منذ غارات الولايات المتحدة وبريطانيا على العراق في ديسمبر/ كانون الأول عام 1998.
وتختلف الولايات المتحدة وبريطانيا منذ سنوات مع فرنسا وروسيا والصين أعضاء مجلس الأمن التي تطالب بتعليق العقوبات العراقية. ووصفت ردود أفعالهم للخطة الجديدة بأنها "إيجابية بصورة معقولة" لكنهم قد يريدون إجراء تغييرات عليها.
وقال دبلوماسيون إن المقترحات الأميركية الجديدة ستحظر أيضا الاستثمار والقروض الأجنبية للعراق باستثناء تلك التي ووفق عليها بالفعل لتحديث صناعة النفط العراقية.
المعهد الدولي يؤيد استمرار سياسية الاحتواء
وفي نفس الإطار، ذكر المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في تقريره السنوي أمس أن سياسة الاحتواء ما زالت الوسيلة الوحيدة للتعامل مع العراق، مؤكدا تأييده لمشروع "العقوبات الذكية".
وفي تحليل بعنوان "العقوبات على العراق: على طريق سياسة جديدة"، قال المعهد الذي يتخذ من لندن مقرا له إن "الاحتواء هو الوسيلة الوحيدة القابلة للاستمرار".
وأكد المعهد أن "سياسة الاحتواء نجحت إلى حد كبير برغم التعليقات الجديدة التي تقول خلاف ذلك"، في إشارة إلى الانتقادات التي صدرت، بما في ذلك عن الغرب، لنظام العقوبات المفروض على العراق.
وقال التقرير إن "الذي ارتكب سلسلة من الاعتداءات على جيرانه المباشرين وحاربهم حتى 1991 أصبح منذ فرض العقوبات غير قادر على مهاجمة أي جهة".
وأكد المعهد أن "صدام حسين" كان منذ عشرة أعوام على وشك الحصول على قدرات نووية لكن هذا الاحتمال أرجئ إلى أجل غير محدد".
وبعد أن أشار التقرير إلى "أن سقوط صدام حسين أو إعادة تأهيله يشكلان احتمالين غير مرجحين"، حذر من أن احتواءه لن يكون فعالا "ما لم توافق عليه" الأسرة الدولية. أضاف أنه "لتحقيق ذلك (...) يجب تحقيق إعادة التوازن لوسائل الاحتواء".
واقترح المعهد بذلك على الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والدول الثلاث الدائمة العضوية في مجلس الأمن العمل لتحقيق ثلاثة أهداف عبر مراجعة نظام العقوبات:
حرمان صدام حسين من القدرات العسكرية التي يحتاج إليها لمهاجمة جيرانه مجددا.
تجميد قدرته على إنتاج صواريخ بعيدة أو متوسطة المدى وأسلحة الدمار الشامل، في حال تعذرت إزالتها نهائيا.
تأمين دعم إقليمي لهذه الأهداف—(البوابة)—(مصادر متعددة)