أثيرت قضية الوجود السوري في لبنان لأول مرة في البرلمان اللبناني منذ انتهاء الحرب الأهلية عام 1990، خلال المناقشات حول بيان حكومة رفيق الحريري الجديدة.
وتطرق النائب المسيحي المستقل البير مخيبر المعروف بصراحته المعلنة إلى هذا الموضوع المصنف لبنانيا ضمن "الممنوعات" عندما طالب لدى بدء مناقشات البرلمان الخميس للبيان الوزاري بانسحاب 35 ألف جندي سوري دون قيد أو شرط من لبنان وبتبادل السفراء بين البلدين.
ولم يتبادل البلدان في اي وقت البعثات الدبلوماسية لان سوريا اعتبرت إنشاء الكيان اللبناني عام 1920 من قبل سلطة الانتداب الفرنسية بمثابة اقتطاع لجزء من أراضيها.
ويرجع التواجد العسكري السوري في لبنان إلى 1976 في ذورة الحرب الأهلية اللبنانية وتم تكريس هذا التواجد بمقتضى اتفاق الطائف للمصالحة الوطنية اللبنانية عام 1989.
ولم ينتظر الحريري انتهاء مناقشات البرلمان لكي يقوم بالرد على ما أثاره مخيبر كما تقضي الأعراف البرلمانية وإنما بادر بالتعقيب على هذه القضية بالغة الحساسية قائلا انه لولا سوريا لكان الوضع "كارثيا".
وفي اليوم نفسه، وجه الكاردينال نصر الله صفير بطريرك الطائفة المارونية، والذي كان حتى ذلك التطور الجهة اللبنانية الوحيدة التي عبرت عن رفضها للوجود السوري، نداء إلى دمشق من اجل انسحاب "مشرف" من لبنان.
ورأي الكاردينال الذي يرأس اكبر طائفة مسيحية في لبنان ان "وجود السوريين في لبنان اصبح في غير محله، فإما ان يكون بلد يحكم نفسه بنفسه أو لا يكون".
غير ان وقع المفاجأة على الصحف اللبنانية الصادرة اليوم كان مصدره التصريحات التي أدلي بها الجمعة الزعيم الدرزي النائب وليد جنبلاط، الحليف التقليدي لدمشق والذي عاد بقوة للبرلمان على راس 17 نائبا من جبهته.
وطالب جنبلاط في تصريحاته بتخفيف التواجد العسكري السوري قائلا "أتفهم موجبات تمركز وحدات سورية لأهداف استراتيجية دفاعا عن الخاصرة السورية في لبنان، لكني أتمنى على القيادة السورية إعادة النظر في بعض النقاط التي لا علاقة لها بحسب رأيي بهذه الضرورات".
وتطرق جنبلاط كذلك إلى الثقل الذي تمثله الأيدي العاملة السورية في لبنان وشدد على ضرورة صياغة "علاقات متوازنة" كما انتقد جنبلاط البيان الوزاري لوصفه وجود الجيش السوري في لبنان بأنه "ضروري وشرعي ومؤقت" ورأى في هذا "إبهام وتناقض وخوف وغموض".
كما تحدث جنبلاط أيضا عن قيام الشرطة بمنع تظاهرة احتجاج أمام مبنى البرلمان لأهالي المعتقلين اللبنانيين في سوريا ضمت ما بين 50 إلى عدة مئات وفقا لتقديرات متباينة.
ورأت صحيفة "النهار" الواسعة الانتشار ان كلمة جنبلاط "اكتسبت أهمية خاصة" من حيث تناولها لل"ممنوعات" ومن حيث إعطائها لقضية الوجود السوري "بعدا وطنيا عاما خلافا لما أريد إسباغه من طابع طائفي وتحديدا مسيحي على المطالبين بالانسحاب السوري".
وبينما كانت تتواصل اليوم مناقشة البيان الوزاري لحكومة الحريري، تحدث نائبان مسيحيان آخران، فارس سعيد وغطاس خوري، عن الوجود السوري في لبنان.
ورأى سعيد ان رأي مجلس الأساقفة الكاثوليك حول تلك القضية "يجب ان يؤخذ في الاعتبار" ولا ان ينظر إليه كأنه رجس من عمل الشيطان.
وفي 20 أيلول/سبتمبر، وجه الأساقفة دعوة من اجل وضع جدول زمني لانسحاب القوات السورية من لبنان.
وفي المقابل، تصدى اثنان من كبار شخصيات الطائفة الشيعية منذ يوم الجمعة للأصوات المطالبة بانسحاب القوات السورية وطالبا بإسكاتها.
واكد المفتي الجعفري الممتاز الشيخ عبد الأمير قبلان في خطبته ان موضوع "الوجود السوري الذي يثار باستمرار ينبغي ان يوضع له حد لأنه لا يجوز ان يبقى هذا الموضوع مادة جدلية بل يجب ان يحسم موضوع التعاطي فيه وفي أسرع وقت ممكن".
واعتبر من جانبه العلامة الشيخ محمد حسين فضل الله انه "يجب ان تسكت كل الأصوات النشاز التي لا تتحدث عن الخطر الإسرائيلي وعن بقاء الاحتلال بل تتحدث عن الوجود السوري الذي لا يزال حاجة لبنانية لمواجهة الأخطار الأمنية الداخلية والخارجية ولحماية الموقف العربي الرافض أمام تحديات العدو"—(ا.ف.ب)
