عمان – إياد خليفة وبسام العنتري
اعترف قياديون في قوى فلسطينية بأن وتيرة الانتفاضة قد شهدت تراجعا ملموسا في الأيام الأخيرة، التي أعقبت الهجمات على الولايات المتحدة الأميركية ،وفي الوقت نفسه فقد أبدوا تفهمهم للأسباب التي دفعت قيادة السلطة الفلسطينية والرئيس ياسر عرفات لإعلان وقف إطلاق النار والطلب إلى حركاتهم تعليق الهجمات العسكرية التي تستهدف إسرائيل وبخاصة الاستشهادية منها.
وقد تباينت آراء القياديين الذين تحدثوا لـ"البوابة" حول انعكاسات الهجمات على مسار الانتفاضة، ففي الوقت الذي اعترف بعضهم ضمنا بهذه الانعكاسات، إلا أن البعض الآخر رفض ذلك، معتبرا أن الصعود والهبوط في الوتيرة سمة طبيعية من سماتها.
ونفى هؤلاء القياديون أن تكون حركاتهم، وبخاصة الإسلامية منها قد تلقت طلبا مباشرا من السلطة الوطنية الفلسطينية بوقف العمليات العسكرية والاستشهادية التي تستهدف إسرائيل، في إطار إعلان وقف إطلاق النار الذي تبنته السلطة مؤخرا على لسان رئيسها ياسر عرفات.
وفي حين أبدوا تفهما للإعلان ودوافعه، غير أنهم أكدوا عدم إلزاميته لهم، وإن حركاتهم أعلنت مواقفها، وجددت التزامها باستمرار الانتفاضة.
على صعيد آخر، كشف القياديون عن توقعهم أن تلجا حكومة ارئيل شارون إلى استغلال فرصة بدء الضربة العسكرية المرتقبة لأفغانستان بهدف اجتياح المدن الفلسطينية وتوجيه ضربة قوية للانتفاضة، وهو الأمر الذي أكدوا أنهم يأخذونه في الاعتبار ويستعدون له.
مروان البرغوثي
قلل أمين سر حركة فتح في الضفة الغربية مروان البرغوثي من أهمية التراجع الذي تحدثت التقارير الصحفية عن أنه بدأ يعتري وتيرة الانتفاضة، وقال "إن الصعود والهبوط سمتان طبيعيتان" في مسيرتها، معترفاً في الوقت ذاته بأنها تأثرت بمجريات الأحداث التي أعقبت الهجمات في الولايات المتحدة.
وأضاف: من دون أدنى شك أن ما جرى في الولايات المتحدة يلقي بظلاله على كل أنحاء العالم، بما في ذلك على الشعب الفلسطيني وانتفاضته، وقد حاول حكام تل أبيب استغلال هذه الفرصة من أجل تطويق الانتفاضة وضربها، كما أن الولايات المتحدة تستغلها لإغلاق الطريق أمام مواصلة الانتفاضة.
وأردف "ولكننا قلنا دائماً إن القانون الذي يحكم الانتفاضة هو قانون الحرية والعودة والاستقلال، وما لم يتحقق هذا الهدف فإن الانتفاضة ستستمر، وأن شهدت حالة من الهبوط والصعود، وهذه سمة طبيعية في هذه الانتفاضة".
وأعرب البرغوثي عن إيمانه بأن قرار الرئيس ياسر عرفات وقف إطلاق النار والذي قال إنه حظي بتفهم القوى الوطنية والإسلامية "يأتي في إطار التطورات الدولية الراهنة، ويهدف لحماية الشعب الفلسطيني".
وقال "نحن نعتقد أن شارون لديه خطة ستتزامن مع بدء الهجوم الأميركي على أفغانستان، وربما يقوم بحرب شاملة لضرب السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني".
وقال "هذا الاحتمال قد تم أخذه في الاعتبار الفلسطيني"، مشيراً إلى "أن خطة شارون هذه تفسر محاولاته الدؤوبة لتعطيل أي لقاءات مع الفلسطينيين مع أننا لا نعول على مثل هذه اللقاءات".
حماس
من جهتها اتهمت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" وسائل الإعلام بمحاولة إظهار الانتفاضة على أنها بدأت تشهد انحساراً أو تراجعاً في وتيرتها.
وقال حسن يوسف أحد قياديي "حماس" في الضفة الغربية "إن مثل هذه المحاولة تصب بالدرجة الأولى في مصلحة الولايات المتحدة التي تسعى لإظهار الساحة الفلسطينية على أنها تشهد حالة من الهدوء، وذلك حتى يتسنى لها ضم الدول العربية والإسلامية للائتلاف الذي تهدف لتشكيله من أجل مكافحة ما يسمى بالإرهاب، وأميركا تدرك تماماً أنها لن تنجح في تجنيد مثل هذه الدول في ائتلافها الذي تنشده دون أن تكون هناك تهدئة في الساحة الفلسطينية".
وفي هذا السياق، فقد أكد قيادي حماس أن الانتفاضة مستمرة، وقال "في كل يوم هناك قتل وتنكيل وتضييق وحصار وتجويع للشعب الفلسطيني، وهناك أيضاً اشتباكات يومية مع قوات الاحتلال الإسرائيلي لكن وسائل الإعلام بشكل عام سواء كانت الفضائيات العربية مع شديد الأسف أو الإعلام الآخر لا تضع ما يحدث على الساحة الفلسطينية ضمن أولوياتها، وتنشغل عن ذلك بتغطية ما تقوم به أميركا وتسلط الأضواء على الساحة الأفغانية".
إلى هنا، فقد تحاشى يوسف الإجابة بشكل صريح على سؤال حول دقة المعلومات التي تحدثت عن طلب السلطة الوطنية من حماس وقوى المقاومة الفلسطينية وقف العمليات العسكرية والاستشهادية داخل إسرائيل في الوقت الراهن، وذلك كاستجابة لأحد شروط رئيس الوزراء الإسرائيلي آرئيل شارون للسماح بعقد لقاء وزير خارجيته شمعون بيريس والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات.
وقال "طالما ظل الاحتلال موجوداً فوق الأرض الفلسطينية وما دام الاستيطان قائماً والقتل مستمراً وكذلك كافة الممارسات الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني، فإن على شعبنا أن يظل مستمراً في الانتفاضة والمقاومة بكل الوسائل المتاحة".
وأضاف: "وبالنسبة لنا كقوى وطنية فلسطينية، وكحركة "حماس" فإننا نقراً المعادلة بشكل جيد، وبالتالي فإننا ننطلق في مقاومتنا إلى ما يصب في مصلحة الشعب الفلسطيني وبخاصة في ظل الظروف والمستجدات والمتغيرات الأخيرة على الساحة الدولية… ولكن وبشكل أساسي فإن الانتفاضة والمقاومة مستمرتان لأنهما طريقنا الوحيد للوصول إلى حقوقنا".
وحول ما إذا كان يرى أن المصلحة الفلسطينية راهناً تقتضي وقف العمليات الاستشهادية، قال قيادي "حماس" إن الأمر منوط في هذه المسألة تحديداً بالجناح العسكري للحركة، لافتاً إلى أن الجناح السياسي الذي ينتمي إليه لا علاقة له بمسار مثل هذه العمليات.
لكنه استدرك بالقول "إن مسألة تحديد المصلحة الفلسطينية في هذا السياق يجب أن تأخذ في الاعتبار الظروف المحلية والإقليمية والدولية، وبما لا يؤدي إلى وقف الانتفاضة ووقف المقاومة.
وحول إمكانية أن تنفذ "حماس: عمليات استشهادية جديدة في المستقبل وبما يتخطى مطلب السلطة الوطنية الفلسطينية التي دعتها لوقف هذه العمليات ضمن برنامج إعلان وقف إطلاق النار، فقد أبدى رفضاً لتقديم إجابة على ذلك مكتفياً بالقول: مثل هذه العمليات ليست من اختصاصنا في الجناح السياسي للحركة بل من اختصاص الجناح العسكري، وكذلك الأجنحة العسكرية لمختلف القوى المجاهدة والمناضلة في فلسطين، والتي بدورها تقرأ الواقع بشكل دقيق ثم تتصرف وفق ما تراه مناسباً في الزمان والمكان المناسبين.
وفي ما يتعلق بلقاء عرفات – بيريس الذي تم إلغاؤه ، فقد أكد يوسف أن "حماس" أبدت رفضها من حيث المبدأ لأي لقاء أو حوار مع حكومة الاحتلال الإسرائيلي سواء كان اللقاء يحمل طابعاً أمنياً أم سياسياً.
وقال إن الرفض لمثل هذا اللقاء يأتي من منطلق أنه سيشكل بصورة أو أخرى مخرجاً لحكومة الاحتلال من المأزق الذي تعيشه إقليميا ودولياً.
وأضاف "لقد عقدت لقاءات عديدة مماثلة في السابق ولكن الشعب الفلسطيني لم يجن منها شيئاً، ونحن نطمع أن يستجيب الموقف الرسمي الفلسطيني لنداءات القوى الوطنية والإسلامية وأن لا يتعاطى مع حكومة الاحتلال، وذلك حتى يتسنى عزلها في ظل المجازر والجرائم التي ترتكبها بحق الشعب الفلسطيني"
الجهاد الإسلامي
من جهتها أعربت حركة الجهاد الإسلامي عن رفضها لمشروع اللقاء بين عرفات وبيريس والذي ألغي في الساعات الأخيرة بقرار من شارون
وجددت الحركة موقفها من اللقاء الذي قالت على لسان ناطق الرسمي محمد هنيدي إنها رفضته منذ البداية واعتبرته محاولة للالتفاف على الانتفاضة.
وفي إطار هذه الرؤية، لفت الهنيدي إلى ما وصفه من "تحركات حثيثة من قبل بعض الجهات الأميركية وكذلك إسرائيل لمحاولة استغلال الظرف الدولي الذي تشكل عقب التفجيرات الأخيرة في الولايات المتحدة من أجل إسكات صوت الانتفاضة" ثم قال إن "لقاء عرفات بيريس كان في هذا السياق، ولذلك فقد قلنا أنه ستكون له أثار سلبية على الانتفاضة، وكنا نتوقع أن يحاول شارون ابتزاز موقف فلسطيني قبل اللقاء".
إلى ذلك، فقد اعترف الهنيدي "أن المجريات الأخيرة في الولايات المتحدة قد تركت أثرها على الأوضاع في العالم وبخاصة في منطقة الشرق الأوسط"، وذلك في إشارة إلى امتداد أثرها الذي طال الانتفاضة أيضاً.
سوى أنه قال "إن الانتفاضة لها أهداف وهذه الأهداف لم تتحقق بعد، ولذلك فإنها متواصلة".
ولفت في هذا المعرض إلى أن الأسبوع الحالي سيشهد فعاليات كثيرة، خاصة وأنه يوافق ذكرى مرور عام على انطلاق الانتفاضة، وأعرب عن أمله بأن تكون هذه الفعاليات "بداية تجدد الانتفاضة".
وفي تعقيب على المعلومات التي تحدثت عن طلب السلطة من الحركة والقوى الفلسطينية الأخرى وقف عملياتها العسكرية وبخاصة الاستشهادية منها قال الهنيدي "إن السلطة أعلنت وقف إطلاق النار على لسان الرئيس عرفات، ولكنها لم تبلغ أحداً بقرارات واضحة ومحددة، ومن جهتها أعلنت الفصائل الفلسطينية مواقفها كل على حدة وفي بيان منفصل، وبالنسبة لفصيلنا (الجهاد الإسلامي) فقد أعلن أنه سيواصل مقاومته للاحتلال الصهيوني".
الطيبي
وفي تحليله لتأثير الهجمات التي تعرضت لها الولايات المتحدة على مسار الانتفاضة الفلسطينية ، قال العضو العربي في الكنيست الإسرائيلي، ورئيس حزب الحركة العربية للتغيير، الدكتور أحمد الطيبي "إن الفلسطينيين كقيادة وشعب ليسوا منفصلين عما يجري في العالم، وما حدث من هجمات أدى إلى ردة فعل في كافة أنحاء العالم، ومن ضمن ذلك فلسطين والمسار الإسرائيلي الفلسطيني".
وأضاف: "وبالتالي فإنه لم يكن محض صدفة أن بدأ يشهد الحديث عما يسمى بوقف إطلاق النار تسارعاً، وكذلك لم يكن صدفة أن تبدأ الفصائل المعارضة بالحديث وبشكل استثنائي عن وقف العمليات داخل إسرائيل، وكل ذلك جاء نابعاً من الوضع الجيوسياسي الجديد الذي نشأ في أعقاب الهجمات في أميركا".
وفي السياق، فقد لفت الدكتور الطيبي إلى أن "الهجمات تبعتها محاولات إعلامية رخيصة من جانب الحكومة الإسرائيلية وشارون تحديدا لتأليب الشعب الأميركي ضد كل ما هو عربي ومسلم وفلسطيني، كما كانت هناك محاولة عسكرية لقمع الانتفاضة عبر جس نبض العالم فيما يتعلق باجتياح أريحا وجنين ورام الله، ولكن شارون شعر أو أشعر أنه ليس طليق اليد في قمع الانتفاضة تحت مظلة الصدمة العالمية والاهتمام العالمي، بما يجري على المسار الأميركي الأفغاني".
وأكد الطيبي ضمن هذا الإطار "أن شارون وقيادات الجيش الإسرائيلي يبحثون عن لحظة مناسبة لاقتناصها بهدف توجيه ضربة أكبر ضد الانتفاضة"، وتساءل في السياق عما إذا كانت هذه اللحظة ستترافق مع بدء القصف لأفغانستان، وانشغال العالم بمتابعتها على الشاشات التلفزة التي ستبثها، وعما إذا كان شارون سيشعر في ذلك الحين أنه طليق اليد، أم أن العالم سيحذره من مغبة الولوغ في هذا المنحى الخطير".
ثم قال: "لا توجد لدي إجابة، ولكنني على قناعة أكيدة أن شارون يريد ويصبو إلى مثل هذه اللحظة".
وتعقيباً على إلغاء شارون لقاء بيريس- عرفات، فقد أكد الطيبي "أن شارون عملياً ليس معنياً اليوم بوقف إطلاق النار مع الشعب الفلسطيني لا بل هو منزعج جداً من الحوار الإيجابي الذي شهدته الأيام الأخيرة بين الإدارة الأميركية والرئيس عرفات، وكذلك من الخطوات الدبلوماسية التكتيكية الصحية التي قام بها عرفات".
وقال إن شارون كان يريد أن يقدم الفلسطينيون بتصعيد الانتفاضة وتصعيد العمليات ولربما داخل إسرائيل أيضاً، وذلك حتى يتسنى له الانقضاض على الانتفاضة واجتياح بعض المدن الفلسطينية وأكثر من ذلك فيما يتعلق بالقيادة الفلسطينية وتحديداً ياسر عرفات".
وعلى هذا الصعيد، أعرب الطيبي عن اعتقاده أن ياسر عرفات قد "أحسن صنعاً عندما تصرف بحكمة وبذكاء كبيرين" في إزاء مخططات شارون. --(البوابة)