قنادر العيد - علي السوداني

تاريخ النشر: 22 أكتوبر 2007 - 10:49 GMT

خرجت يوم العيد.... بملبسي الجديد

اقول يا اخواني.... هيا الي الدكان

فيومنا سعيد.... وعندنا نقود

نلعب طول اليوم.... الي زمان النوم

تلك كانت طقطوقة من طقاطيق الصف الاول الابتدائي كان رتلها وموسقها علي مسامعنا قبل اربعين سنة من تاريخ البارحة، استاذ القراءة مكي عبد الكريم. استاذ مكي كان يعلمنا الحساب ايضا وهو مرشد الصف. كان رحيما وطيبا ومن رحماته التي ما زال طعمها يتبختر فوق اللسان، توزيعه كيك الحانوت البائر على معداتنا الخاويات قبل انفناء زمن الاياب الي الدار بربع ساعة. الكيكة وقتها تكون قد ذبلت وتثلمت وتضعضعت ونشفت وتلطخت بنمش ذباب لكن استعادتها في هذه الانعطافة الحياتية المباغتة قد يعطيك سلة طعوم كلها تصب في خانة ما قبل اختراع الفراولة.

من الطقطوقة التي جئتكم عليها في فاتحة الحكي ثمة بيت بصدر وعجز يقول :

فواجب الانسان.... الرفق بالحيوان!

لكنني لم ار رابطا بين هذا البيت وبين مقدمات القصيدة، ثم انني رأيت فيما رأيت ان زج هكذا معنى ملتبس في جسد القصيدة الحلوة قد يصيرها انشودة وطنية تتغني بزفة اطفال ابالسة يطاردون بزونة شاردة من حائط الى مسطح ولن يتركوها حتي يسيح الدم من كلها وقد اقسمت الليلة ان لا اوسخ عيدكم وافسد عطلتكم بمرأى دموي حتى لو كانت الدماء الزكية عائدة الي تسع نساء وستة اولاد اغضاض هرستهم طيارات امريكا الثملة غرب الثرثار وقالت لقد كان بين حشد الاجساد المنثورة كما "واهلية" العيد، قائد عظيم ينام فوق سر اسرار تنظيم قاعدة الجهاد في بلد الرافدين!

قبل يوم او يومين من عيد الصف الاول الابتدائي، كان ابي يسحلنا خلفه الى السوق فيشتري لنا ملبوسات وقندرات لا نستخدمها وفق العرف الشعبي السائد حتى مجيء تنهيدة العيد السعيد ومن تورط فلبس قميصه الجديد قبل اوان السعد، قالت له الناس، لقد بال عليك العيد ايها الرعديد. هذه امقولة لم تكن مقصورة على الصغار بل بمقدوري الان وبأريحية عالية ان اخبركم بأنني كنت سمعتها وهي تنطش عليّ ساخنة من رجل جار وقور له لحية بيضاء كأنها راية هزيمة، يومها قال الجار البار "ها ولك، العيد بال عليك، موت الكرفك".

الحقيقة هو لم يستعمل الفعل بال، بل استلطف فعل ماض مبين رائحته لا تتمناها حتى لعدوك. ليس بالمقدور الان استحضار شكل القندرة التي حزتها قبل مرحلة الاول الابتدائي واغلب الظن انني كنت اسير حافيا وسندي في هذا القول هو انوجاد ساقية بائدة بين ابهام رجلي اليمين والسبابة وانبعاج الخنصر وانشتاله في خاصرة البنصر ما ادي تاليا الي استثماره في مطلع الجندية عند اعتاب مجموعة شرحبيل ابن حسنة، اذ كان ربعي ينامون كلهم في شقوق النار الامامية وكنت لهم تركة ثقيلة في الخيام الخلفية التي تسمع انباء الحرب من الراديون.

لم اشعر بالعار لهذه البشاعة التي آلت اليها رجلي وكانت خساراتي النفسية والفكرية بسبب هذا العوق المستحدث تكاد لا تذكر حتي ان ايمان البديعة لم تر اصابعي تلك الا في ليلة الدخلة!

في باب قنادر المعوزين، كانت القندرة الاشهر والابهي هي تلك الجوزية المحببة ام القيطان والمصنوعة من نايلون خالص قبل ان تعرف البلاد شغلة النايلون المعاد الذي حول كومة نعل الي صوندة تستعمل في سقاية الحديقة وتهذيب الطفولة. المعلومة الطبية تفيد بأن قنادر النايلون تجعل القدم طرية ملساء شريطة غسل الجواريب ثلاث مرات في كل ساعة ونصف واظن ان الحكومة ساعتها منعت احتذاء هذا الصنف من القنادر ترشيدا لتبذير المياه واندغاما في معمعة ان الزراعة نفط دائم! سأتم الحكاية عليكم الاسبوع القادم. لا تذهبوا بعيدا ابوسكم!

[email protected]