عمان-بسام العنتري
تناضل قناة "الجزيرة" التي تخسر سنويا نحو ثلاثين مليون دولار، من اجل خلق مصادر تمويل جديدة، بعد ان شح دخلها من الاعلانات التجارية، نتيجة سحب الشركات اعلاناتها منها بفعل ضغوط مارستها دول تقف السعودية في مقدمتها.
وبينما يجهد القائمون على الجزيرة في التقليل من شان هذه المقاطعة، الناجمة اصلا عن السياسة الاعلامية التي تنتهجها، الا ان المراقبين يؤكدون ان المحطة التي تبدي ارتياحا لوصفها بـ "سي ان ان" العرب، قد اصبح مستقبلها في دائرة الخطر.
وقد تسلطت الاضواء على قضية المقاطعة المفروضة على المحطة اثر الاجتماع الاخير لوزراء اعلام دول مجلس التعاون الخليجي، والذي اوصى بمقاطعة الجزيرة والشركات التي تتعامل معها.
ولكن توصية هذا المؤتمر لم تضف جديدا الى واقع المقاطعة التي تحاصر المحطة منذ فترة طويلة، كما يؤكد ابراهيم هلال، رئيس غرفة تحرير الأخبار في الجزيرة.
وعن هذا يقول هلال لـ"البوابة" انه "لم يحدث أي جديد على حد علمي في ما يتعلق بحجم الإعلانات التي تتلقاها الجزيرة، فالمقاطعة مستمرة منذ فترة بعيدة، وليست فقط نتيجة للمؤتمر الأخير" لوزراء إعلام دول مجلس التعاون.
وكان واضحا خلال الاجتماع الذي انعقد في مسقط مطالع الشهر الماضي، ان السعودية، الدولة الاقوى في مجلس التعاون، هي من كان يتصدر الدعوة الى اتخاذ توصية بمقاطعة الجزيرة.
وكانت الرياض التي اعربت عن غضبها بسبب "الاساءات المبرمجة والمقصودة" من قبل الجزيرة لسياسات السعودية وقادتها، سحبت سفيرها من قطر، في خطوة ترجمت تحميلها الحكومة القطرية مسؤولية ما تبثه القناة.
وقد وقفت السعودية في مقدمة الدول التي فرضت المقاطعة على الجزيرة، ومارست ضغوطا على شركاتها التي تعد مصدر الاعلان الرئيس للمحطة.
وفي هذا السياق، يؤكد هلال ان الشركات السعودية خضعت مطولا "لضغوط من أجل تغيير وجهة إعلاناتها"، ويضيف ان هذه الشركات استجابت بالفعل للضغوط "وسحبت إعلاناتها الموجودة في الجزيرة".
ولكن المسؤول في الجزيرة يؤكد ان المحطة "واصلت العمل رغم هذه الضغوط، ورغم سحب الكثير من الإعلانات" وذلك في اشارة الى انتفاء تاثير هذه المقاطعة في سياسة المحطة تجاه السعودية وغيرها من الدول التي تؤكد انها مستهدفة من قبل الجزيرة.
وبعد السعودية، انتقلت الازمات السياسية الى علاقات قطر مع دول عربية اخرى من بينها الكويت والبحرين والاردن ومصر، وهذه الدول حملت الحكومة القطرية المسؤولية عما تبثه الجزيرة، وبعضها سحب سفراءه "للتشاور" كما هي الحال مع الاردن.
واستتبعت هذه الازمات بالضرورة، ضغوط مورست على شركات معظمها خليجية من اجل سحب اعلاناتها من الجزيرة.
المقاطعة تنتقل الى الولايات المتحدة
ومما يؤكده رئيس غرفة تحرير الاخبار في الجزيرة، فان المقاطعة لم تقتصر على الشركات الموجودة في المنطقة، بل انتقلت الى الولايات المتحدة ايضا.
وعن هذا يقول "بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، وبعدما بثت القناة الكثير من تصريحات تنظيم القاعدة، وبعد بداية الحرب في أفغانستان، انتقلت هذه المقاطعة أيضاً إلى السوق الأميركية".
ويضيف "لقد عانت الجزيرة من سحب الكثير من الإعلانات من الشركات الأميركية"، ثم يعود للتاكيد على ان المقاطعة هنا ايضا لم تؤثر في "مسيرة الجزيرة".
ويتابع "وعلى العموم، فأن دخل الجزيرة من الإعلانات محدود للغاية، وحتى لو توقفت الإعلانات بالكامل، فلن يؤثر ذلك في مسيرة المحطة".
ويفسر هلال الثقة التي يبديها حيال قدرة الجزيرة على تخطي ازمة شح الاعلان، ويقول ان اعتماد المحطة "الأساسي مالياً، ليس على الإعلانات، بقدر ما هو على الدخل من تأجير الكاميرات، والمكاتب الخارجية، وبيع الصور وتشفير القناة في الكثير من المناطق والاتفاقات الخاصة ببيع صور الجزيرة.
ويشير في هذا السياق الى اتفاق مع الشبكة التليفزيونية اليابانية (NHK) والذي قال ان الشبكة ستدفع بوجبه "مبلغاً مالياً ضخماً للجزيرة".
واضاف ان "كثيرا من الاتفاقات من مثل هذا النوع، تعد مصدراً رئيسياً للدخل، وهو دخل مضمون لا يخضع لأي نوع من الابتزاز أو التدخل. وهو يعتمد على نجاح الجزيرة في الحصول على اللقطات والأخبار العاجلة بشكل أفضل من الكثير من المحطات في العالم".
ويبدي هلال اعتقاده ان "مستقبل الجزيرة سيعتمد كثيراً على هذه الدخل الذي يحولها تدريجياً من قناة أخبارية، إلى ما يشبه وكالة أبناء تخدم العالم كله في ما يتعلق بالمنطقة التي نتخصص فيها، وهي الشرق الأوسط.
وكانت الجزيرة تاسست عام 1996 براسمال قدره 150 مليون دولار، على ان تصبح قادرة على تمويل نفسها بحلول العام 2001.
لكن هذا الهدف لم يتحقق، واضطر امير قطر الشيخ حمد بن خليفة ال ثاني الى ضخ 30 مليون دولار اضافية من ماله الخاص في صندوق الجزيرة التي باتت تعمل الان على اساس موازنة تقر سنة بسنة.
اصرار على الخط
ويبدو ان الافاق التي تحدث عنها المسؤول في قناة الجزيرة، حول مصادر الدخل الجديدة للمحطة، هي ما يدفع القائمين عليها للاصرار على السياسة الاعلامية التي ينتهجونها، بصرف النظر عن الانتقادات التي تجرها على القناة، وكذلك عن الازمات السياسية التي تخلقها للحكومة القطرية.
وفي هذا الاطار يقول هلال ان "سياسية الجزيرة واحدة، سواء في ما يتعلق بتغطيه أخبار البحرين أو السعودية أو مصر أو الأردن، أو أية دولة. ولم تتغير هذه السياسية منذ عام 1996 ولن تتغير مهما كانت هناك ضغوط".
ويضيف "نحن نتقد يومياً من قبل الحكومة الأميركية والحكومة الإسرائيلية، والكثير من الحكومات العربية ومن السلطة الفلسطينية. ولكن هذا لا يعني أننا يجب أن نراجع أنفسنا دائماً في ما يتعلق بسياستنا تجاه هذه المناطق".
ثم يعود هلال ويخفف من النبرة، متحدثا عما يصفه حرص القناة على الحياد الاعلامي والموضوعية في برامجها. ويقول " نحن نراجع أنفسنا دائما بغض النظر عما إذا تلقينا اتهامات أو انتقادات، وسنعدل الأخطاء، وسنراجع الأخطاء إذا كانت هناك أخطاء".
جدير بالذكر ان الحياد والموضوعية، اللتان تحدث عنهما هلال، كانتا بابا سمح للعديدين بشن هجمات عبر الجزيرة ضد دول عربية بعينها، و"لم تكن هذه الهجمات تتحلى باي حياد او موضوعية" وفقا للعديد من المتابعين.