قصف بغداد: عودة الأميركي البشع

تاريخ النشر: 17 فبراير 2001 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

أمجد بكر 

لم تجد الولايات المتحدة الأميركية عذرا تبرر فيه قصفها الوحشي لبغداد غير الادعاء بأنه جاء دفاعا عن النفس. ولو التزمت واشنطن الصمت لكان أفضل لها من الدفع بمبرر ينطبق عليه المثل القائل "عذر أقبح من ذنب". 

لقد برر البنتاجون الغارات المفاجئة التي قامت بها طائراتها وطائرات حليفتها، بريطانيا، بأنه دفاع عن النفس من أجل تأمين ما وصفته بسلامة دوريات التحالف فوق الأجواء العراقية. 

والمعروف أن الدفاع عن النفس يكون في حالة اعتداء إحدى الدول على دولة أخرى، فكيف يمكن تفسير هذا العذر ؟؟. فالعراق وباعتراف وزير خارجية واشنطن كولن باول قبل أيام لم يعد يشكل خطرا أو تهديدا لا للقوات الأميركية الموجودة في الخليج أو للدول المجاورة له، فكيف يشكل خطرا على الولايات المتحدة التي تبعد عنا آلاف الأميال. 

الكلام الذي قاله الرئيس الأميركي بوش الابن أمس في المكسيك عندما سئل عن دوافع القصف الأخير، "نحن متواجدون هناك، وسنبقى"، ويقصد بالطبع التواجد العسكري المكثف في الخليج، يفصح تماما عن السبب، وهو الإبقاء على التوتر مع العراق لتبرير هذا التواجد وكذلك لتبرير زيادة مبيعات الأسلحة الأميركية للخليج خاصة وأن الإدارة الجديدة تمثل التجمع الصناعي العسكري الأميركي الأشد تطرفا. 

ولكنْ ثمة أسباب أخرى دفعت بالإدارة الجديدة للبيت الأبيض لشن هذا العدوان، فإدارة بوش الابن التي ورثت كل سياسة بوش الأب لا تبدو مرتاحة لما أصاب التحالف المناهض لبغداد، والتفكك الجزئي للحصار الذي أصبح مؤخرا قرار أميركيا وحسب، خاصة بعد نجاح العراق في تحسين علاقاته بالدول العربية وتحديدا القاهرة ودمشق، وقد أعلن باول عن أن أهم أولويات البيت الأبيض في المنطقة هي إعادة تجميع التحالف وتشديد الحصار المفروض على العراق منذ 11 عاما، رغم اعترافه بأن الجيش العراقي لم يعد يشكل تهديدا لأحد. 

ويبدو واضحا أن واشنطن افتعلت القصف الذي قال عنه بوش إنه "روتيني"، لتمهيد الطريق أمام مهمة كولن باول القادم إلى المنطقة نهاية الشهر الحالي وليس في جعبته أكثر من قضية العراق. 

القصف الأميركي الجديد على بغداد قد لا يكون مفاجئا تماما، وربما المفاجأة جاءت في سرعة توقيت العملية، وهي بالتالي رسالة لدول التحالف بأن واشنطن لن تبقى متهاونة مع التفكك الذي أصاب الحصار وأصاب التحالف، ويبدو أن الرسالة وصلت، فقد التزمت الدول العربية الصمت إزاء القصف وأول الغيث قطر، والدول العربية التي استغلت التهاون النسبي للإدارة الأميركية السابقة لإبرام اتفاقات مع بغداد ستجد نفسها الآن أمام سياسة أميركية جديدة عنوانها التصعيد المتواصل، ورسالة بوش بأن القصف عمل "روتيني" تعني أن ما قامت به الطائرات الأميركية والبريطانية أمس ليس سوى رسالة أولى ستتبعها رسائل أخرى لن تتوقف قبل إعادة تجميع ما تفكك. 

وللإدارة الأميركية الجديدة التي لا تبدو في عجلة من أمرها إزاء عملية السلام والتطورات الجارية في إسرائيل والأراضي الفلسطينية والتي باتت تهدد باندلاع حرب إقليمية، لها أسباب أخرى، فقد أرادت بضرب العراق المفاجئ وغير المبرر أن تعطي رئيس الوزراء الإسرائيلي المنتخب أرييل شارون فرصة التقاط الأنفاس وترتيب البيت الداخلي الإسرائيلي عبر توجيه الأنظار إلى العراق وسحب الأضواء عن الانتفاضة الفلسطينية والحرب العدوانية الشرسة التي تشنها إسرائيل على الشعب الفلسطيني الأعزل والتي كان آخرها قصف المدنيين الفلسطينيين بغازات غير معروفة أدت إلى إصابة المئات بحالات اختناق وشلل مؤقت. 

وواشنطن بضربها لبغداد كأنما تريد أن تمنح باراك وشارون المزيد من الوقت والفرصة الكافية لتصعيد هذه الحرب دونما ضجيج إعلامي. 

واشنطن لم تكتف بسياسة الحصار والتجويع التي أودت بحياة ملايين العراقيين وخاصة الأطفال، ولم تكتف بما خلفته عمليات القصف الأولى وبإعادة العراق إلى عصور ما قبل التاريخ، لم تكتف بكل هذا وتريد المزيد.. تريد تصعيد التوتر وتسخين الأجواء حربيا، إنها عودة الأميركي القبيح.