واشنطن – منير ناصر
تعرض توماس بيكرنغ نائب وزيرة الخارجية للشؤون السياسية للإحراج وصيحات الاستهجان من قبل المشاركين في المؤتمر القومي السابع عشر للجنة العربية لمناهضة التمييز العنصري في واشنطن أثناء إلقائه خطابا حاول فيه إيضاح سياسة الولايات المتحدة تجاه العراق.
وقوطع بيكرنغ بعاصفة من صرخات الاستهجان والدق على المناضد حين قال أن رفع العقوبات عن العراق "لن يقود إلى تحسن كبير في الأوضاع الإنسانية في العراق". متابعا "إن من يدافعون عن هذا المسار يتجاهلون عدداً من العوامل بالغة الأهمية :
أولاً : لا توجد أي قيود على كمية النفط التي يمكن للعراق تصديرها لشراء الأغذية والأدوية والمساعدات الأخرى للشعب العراقي.
ثانياً : لقد أوضح التقرير الأخير لمفوض الأمم المتحدة الخاص بحقوق الإنسان انه لا يوجد مثيل لوضع حقوق الإنسان في العراق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
ثالثاً : العقوبات تجرد صدام حسين من المصادر المالية التي يحتاجها لمتابعة برامجه لانتاج أسلحة الدمار الشامل.
أخيرا : فان رفع العقوبات سيتيح المجال لصدام لاعادة بناء آلته العسكرية وبرامجه لانتاج أسلحة الدمار الشامل، لكن ذلك لن يضمن المزيد من المال أو حياة افضل للعراقي العادي".
واستمرت صيحات الاستهجان لبضع دقائق، بينما وقف بيكرنغ على المنصة منتظراً أن تتاح له فرصة إكمال خطابه.
وقال بيكرنغ أن "صدام حسين يتحمل مسؤولية الأوضاع في العراق، وإن استمرار ذوي النوايا الحسنة في تجاهل هذه الحقيقة يعزز ميله إلى مقايضة معاناة شعبه بمنع الإمدادات عنه".
وفي معرض رده على الأسئلة التي وجهها الحاضرون بعد خطابه، حاول بيكرنغ تبرير سياسة حكومته تجاه العراق. وقد وجه أحد الحضور السؤال التالي إليه: "اي حق يسمح لحكومتك والحكومة البريطانية بقصف شمال العراق بشكل يومي ؟" فرد بيكرنغ : "علينا أن نوضح أن استخدام القوة الجوية من قبل الحكومة العراقية بشكل خاص لقمع العراقيين في جنوب وشمال العراق لن تسمح به الولايات المتحدة ولا بريطانيا. أنا لا اعتقد أن هذا غير مسموح به، ولا اقبل وصفه بأنه عدواني، أنا اقبل حقيقة انه يمثل رد فعل، وأؤكد لكم أن في الإمكان وقفه خلال دقيقة واحدة، إذا توقف العراق عن مهاجمة الطائرات الحربية الأميركية والبريطانية".
وقال بيكرنغ انه يدرك مدى عمق الشعور بالألم الذي يحس به الناس لما حدث لهم في الشرق الأوسط وخارجه. وأضاف، "لا أستطيع التعامل بالماضي، أستطيع فقط أن أساعد بالمستقبل، وأميل إلى الاعتقاد أن سياسة حكومتي في الشرق الأوسط هي السياسة الصحيحة". وقال أيضا "أميل إلى الاعتقاد أننا حققنا تقدماً خلال السنوات الخمس والعشرين أو الثلاثين الماضية. لو قلت لي قبل عشر سنوات أن الرئيس عرفات سيأتي بشكل منتظم إلى الولايات المتحدة وانه سيستقبل في البيت الأبيض كضيف شرف، لقلت لك قبل عشر سنوات انك فقدت عقلك".
وفي سؤال آخر لبيكرنغ حول معاداته للعرب قال أحد الحضور "اثبت سجلك انك معادٍ للعرب ومعادٍ للمسلمين"، واضاف موجه السؤال" أتذكر حين كنت سفيراً في إسرائيل وكانت أبواب سفارتك مغلقة في وجه الأميركيين من اصل فلسطيني، الذين كان يجري إبعادهم عن السفارة دون الاهتمام بهم بوصفهم مواطنين أميركيين"، رد بيكرنغ بالقول انه "حسبما اعلم، لم ارفض قط مقابلة عربي أميركي في إسرائيل أو الولايات المتحدة، لكن يمكنك السؤال عن سجلي في مقابلة الجالية العربية الإسرائيلية في إسرائيل، الذي ليس هناك ما يضاهيه. علاوة على ذلك، كان من ضمن أهدافي مقابلة رؤساء البلديات وغيرهم من كبار المسؤولين في الضفة الغربية وغزة حين كنت هناك، ويمكنك أن تسألهم. وأود أن أذكرك انني قبل سبعة اشهر من الانتفاضة القيت خطاباً في القدس أشرت فيه مرة اخرى الى انني اعتقد ان على الاسرائيليين ان يغيروا طريقة تعاملهم مع الفلسطينيين. بعض الاسرائيليين رحبوا بالخطاب، الا ان احد اعضاء البرلمان الاسرائيلي المحافظين وصفني "بالسفير غير الصديق لاسرائيل من دولة صديقة لها، اعتقد على الاقل انني كنت منصفاً".
وفي اطار رد فعلها على تعليقات بيكرنغ، اعربت هالة مقصود رئيسة اللجنة عن رضاها عن موقف الحضور، حيث صرحت ل "البوابة" "أسعدني انه تمكن من سماع عمق مشاعر جاليتنا تجاه هذه القضية. وكنا نحاول إيصال هذا الشعور لوزارة الخارجية وصناع القرار منذ زمن طويل، واعتقد انه لم يصلهم، لكن رؤية مزاج الناس الذين يمثلون الجالية وهم من المفكرين والاختصاصيين من مختلف المستويات، وطريقتهم في التعبير عن مشاعرهم بقوة بصيحات الاعتراض والاستهجان بسبب تحسسهم الشديد لهذه القضية. اعتقد ان هذا جيد وكان من الواجب اسماعه له. الرسالة التي تلقتها وزارة الخارجية تبين مدى غضب جاليتنا والعرب بشكل عام من سياسة الولايات المتحدة تجاه العراق الخالية من اي معنى وكذلك تجاه الضغط الذي تمارسه الادارة على عرفات لتقديم المزيد من التنازلات باسم السلام."
وقال نصير عاروري استاذ العلوم السياسية في جامعة ماساشوسيتس ل"البوابة" "ما حدث اليوم يعكس بالفعل مشاعر الجالية العربية الأميركية الممثلة بهذا الحضور".
واضاف، " قد لا نوافق على الطريقة التي تم التعبير بها اليوم، لكن ذلك يمثل مشاعر الجالية التي تقول للولايات المتحدة كفى. لا يكفيهم انهم يقترفون عملية إبادة ضد العراق من خلال العقوبات التي أدانها العالم اجمع، لكنه [بيكرنغ] يطالب ايضا امام حشد من العرب بمواصلة ادانة صدام حسين." ويعتقد عاروري ان الرسالة التي تلقتها وزارة الخارجية هي ان العرب الاميركيين لا يخشون الاعراب عن وجهة نظرهم، وهي شهادة على حقيقة ان على الاميركيين التنبه الى ان هذه سياسة افلاس وابادة." وأضاف، "كنت اعتقد ان لديه من الذكاء ما يمنعه من الحديث عن هذا الموضوع امام مستمعين عرب." واردف، "اعتقد ان من الصعب علي تصور قيام اي شخص بالحديث امام لجنة الشؤون الخارجية الاميركية – الإسرائيلية "AIPAC "، مثلاً، وان يقول ان على اسرائيل احترام حق العودة للفلسطينيين، اتصور انه لن يتمكن من البقاء في منصبه طويلاً".
اما كلوفيس مقصود ممثل الجامعة العربية السابق في واشنطن فيعتقد ان الإحباط الذي يشعر به الكثيرون بسبب العقوبات ضد العراق يؤذي اعمق مشاعرهم. وقال ل "البوابة" انه "كان على بيكرنغ ان يصيغ بيانه بشكل مقنع اكثر".
وقال "للأسف، أصبحت سياسة الولايات المتحدة تجاه العراق خلال السنوات العشر الماضية جريمة ضد الإنسانية، إلى حدّ ما".
الا ان مقصود يعتقد انه كان على الحضور ان يتصرفوا بطريقة افضل. "اعتقد ان تفجر الغضب كان حقيقياً، لكن كان من الواجب ابراز رد الفعل بطريقة افضل، واقوى وصراخ اقل."
وأشار "اعتقد ان الغضب يكون مفيداً ومنتجاً افضل، في بعض الأحيان اذا ما عبر عنه بطريقة اكثر اتزانا وهدوءاً …تفجر الاحباطات يمكن تفهمه، لكنه ليس وسيلة لإيصال المشاعر الحقيقية للناس."- -(البوابة)