غالبية الفلسطينيين: قمة كامب ديفيد مصيرها الفشل

تاريخ النشر: 19 يوليو 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

أفاد استطلاع للرأي نشر اليوم الأربعاء أن غالبية الفلسطينيين يعتقدون أن قمة كامب ديفيد بين الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود باراك في الولايات المتحدة لن تؤدي إلى توقيع اتفاق. 

واظهر الاستطلاع الذي آجراه مركز القدس للاتصال والإعلام أن 53% من الفلسطينيين ال1200 الذين شملهم الاستطلاع في 16 و17 تموز/يوليو الحالي يعتقدون أن القمة لن "تؤدي إلى اتفاق نهائي مقبول". 

وحدهم 37% اعتبروا أن القمة ستؤدي إلى توقيع اتفاق نهائي حول الملفات الأساسية وهي القدس والمستوطنات اليهودية ومصير اللاجئين الفلسطينيين ال7،3 مليون وحدود الدولة الفلسطينية العتيدة. 

وعلى الرغم من شكوكهم إزاء نجاح القمة، أعرب 56% عن ثقتهم في الوفد المفاوض في مقابل 35% ابدوا بعض التحفظ. 

من جهة اخرى، اعلن 49% انهم سيقررون ما إذا كانوا سيؤيدون اتفاقا مستقبليا بين الجانبين بعد الاطلاع على بنوده. 

وكان هامش الخطأ في الاستطلاع 3%. 

 

القدس في حالة ترقب لكامب ديفيد 

كان الفلسطيني فيصل، وهو في الأربعينات من عمره، جالسا على كرسي يتحدث مع أصدقائه اليوم الأربعاء أمام متجره لبيع التذكارت الواقع قرب كنيسة القيامة في المدينة القديمة في القدس واضعا الراديو على الأرض. 

وكان هؤلاء يهزون برؤوسهم مطلقين تعليقات مفعمة بالانفعالات. وقال فيصل الذي رفض ذكر اسم عائلته أن "الأمر لا يبدو جيدا أبدا بالنسبة للفلسطينيين". 

واضاف بعصبية "أن الحل الوحيد يكمن في اعتراف الإسرائيليين بان القدس مدينة عربية وهذا كل شيء". 

وبدا أحد أصدقائه بالمزايدة عليه قائلا أن رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات الذي يجري مفاوضات منذ اكثر من أسبوع مع رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود باراك في كامب ديفيد "لا يمكن أن يسمح لنفسه بالقيام بتنازلات حول السيادة على القدس لانه يجري مفاوضات باسم الأمة العربية بأجمعها". 

وكما بالنسبة للآخرين، تعكس مشاعر الأمل والقلق الناجمين عن قمة كامب ديفيد الانقسام في المدينة القديمة حيث يتعايش اليهود والمسيحيون والمسلمون ويرى كل منهم المستقبل طبقا لانتمائه الديني أو الأيديولوجي. 

إلا أن هناك نقطة مشتركة بين الجميع وهي إحساسهم الغامض بان الوضع الراهن القائم منذ الاستيلاء على الجزء العربي في القدس عام 1967 قد يخضع لاعادة النظر بموجب القواعد الجديدة للعبة. 

وعلى بعد أمتار من متجر فيصل، لا يخفي الراهب الفرنسيسكاني بول لوك روش المتحدر من ولاية نبراسكا (الولايات المتحدة) قلقه هو أيضا. 

وقال بآسي "يتعين على الرئيس الأميركي بيل كلينتون تعلم دروس في التاريخ لكي يفهم وضع المسيحيين في الأراضي المقدسة وهذا ما لم يحصل بسبب غياب ممثلين عن المسيحيين في قمة كامب ديفيد". 

ورأى أن الأماكن المقدسة مثل "كنيسة القيامة يجب إلا تكون خاضعة لسيطرة إسرائيل أو دولة فلسطينية ولكن للجنة دولية من المسيحيين". 

وكان الأب روش يشير إلى معلومات نشرت اليوم في الصحف الإسرائيلية فحواها أن باراك على استعداد لنقل الأحياء المسيحية والمسلمة في المدينة القديمة إلى سيطرة كيان فلسطيني بينما ستبقى الأحياء اليهودية والأرمنية في عهدة الدولة العبرية. 

واضاف الأب روش أن "الأمور كانت دائما معقدة مع وصاية واحدة على القدس إن كانت بيزنطية أو إسلامية أو تركية أو بريطانية أو إسرائيلية منذ قرون عديدة فبإمكانك أن تتخيل كيف سيكون الأمر مع دولتين". 

وطلب بطاركة القدس للطوائف الأرثوذكسية والكاثوليكية والأرمنية اليوم أن تكون كنائسهم ممثلة في قمة كامب ديفيد وبعدم الفصل بين الأحياء المسيحية في المدينة القديمة في حال التوصل إلى اتفاق سلام. 

وحاولت مريم العاملة مع منظمة عتيريت كوهانيم اليهودية المتطرفة التي شيدت عددا من المباني في الحي المسلم أن تبدي اطمئنانا. 

وقالت مريم وهي في الثلاثينات من العمر "لا يمكن لباراك التخلي عن سيادة إسرائيل على المدينة القديمة في القدس وإلا سيفشل الاستفتاء على الاتفاق الذي سيتوصل إليه في كامب ديفيد". 

وأضافت "يجب أن تبقى القدس عاصمة موحدة لإسرائيل إنها المكان الوحيد المقدس بالنسبة لليهود منذ أيام الملك داوود". 

وتابعت إن "اليهود اظهروا كرما بالغا عبر السماح للمسلمين بالسيطرة على جبل الهيكل (الحرم القدسي)" الذي يعتبر إحدى ابرز نقاط النزاع حول القدس. 

 

مسالة القدس صدمة لمنطقين متناقضين  

منذ البداية، اعتبرت مسالة القدس من بين كل المسائل الأخرى الشائكة التي يحاول الإسرائيليون والفلسطينيون إيجاد تسوية لها في قمة كامب ديفيد، بمثابة المسالة الأكثر قدرة على التسبب بفشل أعمال القمة، طالما بقيت مواقف الطرفين متناقضة إزاءها. 

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود باراك حذر من أن كل حديث عن سيادة إسرائيل على مجمل أجزاء المدينة المقدسة -- بما فيها الجزء الشرقي (العربي) الذي احتلته وضمته في 1967 -- أمر مستبعد، لان القدس ستبقى إلى الأبد "العاصمة الموحدة وغير القابلة للتقسيم" للدولة اليهودية. 

ولكن الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات جاء إلى كامب ديفيد بمطلب لا يمكن أيضا تجاوزه، وهو أن على إسرائيل أن تخلي الأراضي المحتلة في حزيران/يونيو 1967 بدءا من القدس الشرقية التي يريد الفلسطينيون جعلها عاصمة دولتهم العتيدة. 

أن تعلق إسرائيل العميق بالمدينة المقدسة يعود إلى أن القدس هي العاصمة التاريخية و"قلب" الشعب اليهودي، ولان حائط المبكى، أهم الأماكن المقدسة اليهودية، موجود في المدينة القديمة (القائمة في القسم الشرقي). 

أما الجانب الفلسطيني فيستند في موقفه المتصلب إلى كون المدينة القديمة تضم أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين بالنسبة للطوائف الاسلامية، حيث باحة المسجد الأقصى الذي يطلق عليه المسلمون اسم الحرم الشريف، وقبة الصخرة. ويؤكد التقليد الإسلامي انه انطلاقا من هذه الصخرة التي تعلوها قبة ذهبية انطلق النبي محمد، ليلة الإسراء والمعراج، إلى السماء على متن حصانه المجنح "البراق". 

وفي مواجهة مثل هذا الحقل من الألغام، أعلن الإسرائيليون قبل انعقاد القمة انه من الممكن إيجاد حل للمسالة شرط أن يكون حلا "خلاقا". 

وإذا ما انطلقنا من المعلومات التي نشرتها الصحافة الإسرائيلية اليوم الأربعاء، سنرى أن باراك اظهر فعلا الكثير من المهارة للتخفيف من مطالبه من دون أن يؤدي ذلك إلى طرح مسالة السيادة الإسرائيلية على المدينة على بساط البحث. 

فقد اقترح على عرفات "السيطرة" على الأحياء العربية في القدس الشرقية في مقابل قيام إسرائيل بضم عدد من المستوطنات اليهودية القريبة من حدود المدينة المقدسة. 

واقترح باراك أيضا منح معبر خاص -- نوع من ممر يتمتع بنوع من الحصانة السياسية تقريبا -- لربط قرية ابو ديس المحاذية لحدود القدس الشرقية بساحة المسجد الأقصى. 

وإذا ما رأى هذا المشروع النور، فسيكون بالفعل بمثابة تقسيم "أمر واقع" للقدس يصبح من الصعب جدا ولا شك حمل الإسرائيليين على القبول به حتى ولو لم يتخلف باراك عن الإشارة إلى أن إسرائيل تحتفظ بالسيادة على مجمل أجزاء المدينة وان تبقى هذه الأخيرة إذن تقنيا "العاصمة الموحدة وغير القابلة للتقسيم" للدولة اليهودية. 

ولكن يبدو من باب أولى انه من غير الوارد تمكن عرفات من الاكتفاء بمجرد الحصول على "السيطرة" على الأحياء العربية في القدس الشرقية. 

واكد خليل الشقاقي مدير مركز الأبحاث والدراسات حول فلسطين لوكالة فرانس برس أن "التفكير في أن عرفات سيقبل اي شيء لا يشتمل على السيادة على القدس الشرقية، هو امر، بنظري، مستبعد". 

ويجمع كل الخبراء الفلسطينيين على القول أن عرفات لا يريد أن يسجل اسمه في التاريخ على انه الزعيم العربي الذي تنكر للقدس، وان مثل هذا التنازل قد يشكل انتحارا سياسيا حقيقيا. 

ويعتبر الشقاقي أن الوسيلة الوحيدة لقبول عرفات بتسوية لا تعطي الفلسطينيين السيادة على القدس الشرقية، تكمن في اطار "اتفاق جزئي" نقيض لاتفاق شامل يقضي بإنهاء النزاع الإسرائيلي الفلسطيني الذي يشكل هدف باراك. 

وتابع يقول "في مثل هذا التصور، قد يقبل عرفات ببعض الترتيبات حول القدس الشرقية في حدود اتفاق جزئي مؤقت وانتقالي"—(أ.ف.ب)