غاز مسيل للدموع وتصريحات مسيلة للدموع

تاريخ النشر: 13 أبريل 2002 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

د.عزمي بشارة 

بقدرة قادر تحول قادة ديكتاتوريات فردية الطابع الى "مواطنين" مجرد مواطنين. بالضبط في اللحظة التي تحولت فيها الجماهير العربية الى مجموعات مواطنين فاعلين خرجوا الى الشارع من اجل التأثير على صنع القرار، اي لممارسة مواطنتهم او جانب منها على الاقل، في اللحظة التي ارادت فيها الجماهير من زعماء الدول ان يتصرفوا كقيادة تتخذ قرارات ضد السياسة الامريكية وضد السياسة الاسرائيلية تحول قادة يحكمون فوق القانون بناء على رؤيتهم الفردية بل وبناء على مزاجهم الفردي في حالات عديدة، تحولوا الى "مواطنين"، مجرد مواطنين. لقد تحول الديكتاتور العربي الى "مواطن قلق". 

ازاء تراكم الاحتجاج الجماهيري وتوسع الحركة الجماهيرية بشكل غير مسبوق عبر قناة التعبير الشرعية، القضية الفلسطينية، يسترجع قادة عرب مفهوم "المواطنة" لدى الحديث مع الناس كرديف لكلمة "العجز". 

لا تعني عبارة "انا مواطن قلق متلكم" الا "لا تتوقعوا مني شيئا فانا عاجز متلكم". القائد الكلي القدرة طيلة ايام العام والذي يمنح السلطة لمقربيه، بل لأقاربه، والذي تسعى الحركة الديموقراطية وحركات حقوق الانسان الى تحديد قدرته الكلية ببعض الضوابط القانونية حتى لو كانت غي ديموقراطية، اصبح عاجزاً واعلن عجزه امام الجماهير. ولأنه لم يصبح ديموقراطياً بنفس قدرة القادر فان خياله السياسي لم يتجاوز ان يستخدم "المواطنة" كرديف "للعجز". لا يوجد مواطنون في الوطن العربي طيلة ايام السنة، وفي اللحظة التي اراد مئات الاف البشر ان يمارسوا بعداً واحداً من ابعاد المواطنة: التأثير السياسي دون الابعاد الاخرى الحقوق القانونية، الحريات الفردية…، عندما ارادوا ممارسة بعد واحد فقط، حسدتهم الزعامات عليه واختطفت منهم "المواطنة" ليس قبل ان تجعلها مساوية لكلمة العجز. "كلنا مواطنون قلقون وعاجزون". 

 

لقد فجرت فلسطين كعادتها بركان الالم والاحباط العربي من انعدام العدالة والضمانات الاجتماعية وحتى انعدام حقوق الانسان ناهيك عن انعدام المواطنة وغياب المواطن، لأن اللغة الفلسطينية هي لغة الالام العربية الرسمية اليها تترجم الام الفقراء المحلية وتضرعات العجائز واحباطات المثقفين. ولكن جولة الإحتجاج الحالية اختلفت حجماً واتساعاً واستمرارية، ويبدو انه قد بلغ السيل الزبى. وحتى معاصرو الاحتجاج العربي عام 1956 تضامناً مع مصر وجمال عبد الناصر يؤكدون ان الاحتجاج هذه الجولة اقوى واكثر اتساعاً. ولكن الاحتجاج في حينه بدا عظيم الاهمية لانه ارتبط بمشروع سياسي ذي افاق عربية شاملة، لأن الجماهير رأت بقرارات جمال عبد الناصر التي يحاربها الغرب ويواجهها البريطانيون والفرنسيون نموذجاً للدول العربية ولذلك لم تكن حركة السويس الجماهيرية تضامنية بل سياسية، تقودها تيارات سياسية ذات اجندة. 

 

الحركة الشعبية العربية الحالية هي الظاهرة السياسية الاكثر اهمية مقابل العدوان الاسرائيلي، وهي تؤكد ان الشارع السياسي العربي ينبض بالحياة. ولكنها شعبية بكل ما في الكلمة من معنى "غير سياسي ايضاً". 

ماذا حصل؟ لقد خرج الشعب الى الشوارع. هكذا تبدو حركة الاحتجاج الحالية. ولم يجد قيادات سياسية ديموقراطية تطرح نفسها على المستوى الوطني العام كبديل للنظام القائم. ولذلك تفاوتت ردود فعل الانظمة على هذه الحركة من اطلاق النار والغاز المسيل للدموع الى اطلاق التصريحات المسيلة للدموع من نوع "انا مواطن متلكم" لاحتواء الحركة الجماهيرية. فخلافاً للبرنامج الديموقراطي لا تفرق قضية فلسطين بين الشعوب والانظمة فحسب، وانما هي ايضاً تجمع بينها اذا توفرت صياغات سياسية معينة. وباستطاعة اي نظام عندما يؤكد على ضرورة تنفيذ القرارات الدولية وتينت وميتشل التي قبلتها القيادة الفلسطينية ايضاً ان يستوعب النقمة الجماهيرية وان يتظاهر مع الجماهير ضد شارون وممارساته. فقضية فلسطين هي الرمز والنبض والروح والقناة الشرعية للشارع السياسي العربي، ولكنها لا تستطيع ان تكون بديلاً للبرنامج السياسي. 

 

ولا نستطيع أن ننهي هذه العجالة حول اشرف ظاهرة جماهيرية عربية دون ان نقول جدلياً انه حتى مع قضية فلسطين المعقدة ذاتها لا يمكن ان نتعامل بشكل ناجح يتجاوز كتابة "اللعنات" و"الاحجبة" على اليافطات دون وعي سياسي ديموقراطي متنور بطبيعة المواجهة بين الحركة الوطنية الفلسطسينية والقومية العربية من جهة والصهيونية كفكر ونظام وممارسة كولنيالية من جهة اخرى. 

 

بماذا اثرت الحركة الجماهيرية العربية؟ 

 

حتى في هذه الفترة القصيرة بامكاننا التلخيص ان اثر هذه الحركة كان عظيماً. نقول ذلك لكل من قطع الامل من العرب ولعن القومية العربية وتبرأ منها( ويدعي حالياً لاخفاء تراجعه انه لعن الانظمة فقط).  

فهذه الحركة الجماهيرية العفوية الشعبية، رغم عفويتها وليس بسببها، هي التي ادت بالولايات المتحدة واوروبا وروسيا وبقية اذناب وزعانف السياسة الامريكية الى محاولة امتصاص النقمة واحتوائها. ومحاولة الاحتواء لا بد ان تشمل تغيراً سياسياً. لا يمكن ان تحتوى هذه الحركة السياسية العربية العظيمة دون تغيير سياسي، ولم تعد الجماهير ترضى بمجرد تصريحات امريكية من نوع "على اسرائيل ان…" وانما ترغب برؤية نتائج. ولأن الجماهير العربية مقتنعة بشكل لا يطاله الشك باهمية العلاقة الاسرائيلية الامريكية فأنها واثقة من قدرة الامريكان على الضغط على اسرائيل. ومطالبة شارون الولايات المتحدة الا تضغط عليه تعني امرين: 1) انها لم تضغط عليه حتى الان 2) انه يخشى هذا الضغط. 

 

هنالك ائتلافات عديدة تحكم اسرائيل: حزب الليكود والعمل، الجيش والنخب الاقتصادية، النخب السياسية من الطبقات الوسطى وقيادات الاقليات الاثنية الجديدة،… وغيرها من الائتلافات الاجتماعية والحزبية، ولكن الائتلاف الاكثر اهمية الذي يحكم اسرائيل هو الائتلاف الامريكي الاسرائيلي. 

 

ومهما تكبرت اسرائيل وتنافخت فخرا باللوبي الصهيوني الامريكي فإن امريكا هي الحزب الاقوى في هذا الائتلاف. وهي قادرة على فرض ارادتها لو ارادت، ولكنها لا تريد ذلك حتى الان، ولا ارادتها التي ستفرضها شبيهة او تقترب من الارادة العربية. ولكن وإلى ان تتبلور حركة قادرة على التأثير مباشرة على الرأي العام الأمريكي فإن الاسلوب الوحيد للتأثير في هذا السياق هو هذه الحركة الجماهيرية العربية التي تؤثر مباشرة على القرار السياسي الامريكي المتعلق بالمنطقة "والحفاظ على الاستقرار" فيها، قبل ان تؤثر حتى على القرار السياسي العربي. فالانظمة العربية لم تحاول حتى الآن ان تؤثر حتى دبلوماسياً بشكل فعال على الولايات المتحدة، وتم التراجع عملياً حتى عن قرار وزراء الخارجية العرب بطلب فرض عقوبات من مجلس الامن على اسرائيل اذا لم تنفذ قراراته حسب البند رقم 7 الملزم. ويبدو انه لكي لا تحرج امريكا باستخدام الفيتو اكتفت الدول العربية ببيان من الامين العام ورئيس مجلس الامن، الشيطان وحده يعلم ما هي المعادلات التي يتفقون عليها لتجنب الادوات الناجعة والتي استخدمت بشكل فعال ومؤثر للغاية في مناطق اخرى في العالم. 

ستحاول الولايات المتحدة ومعها اوروبا الرسمية وروسيا ان تخلق معركة وهمية: "انسحاب اسرائيل من المدن الفلسطينية". هذا ليس مطلباً فلسطينياً، هذا مطلب مجلس الامن والولايات المتحدة من اسرائيل بعد عدوانها، فليطبقوه. او فلتطبقه اسرائيل لأنها لا تريد ان تبقى في المدن لتدير حياة السكان من الدياليزا لمن يحتاج غسل دم وحتى تزويد المدن بالماء والكهرباء وفرص العمل والمؤن، ولأنها تخشى نموذج جنين… لن تبقى اسرائيل في المدن. وعجز مجلس الامن عن تنفيذ فوري لانسحاب اسرائيل هو عجز مجلس الامن. ولكن اسرائيل سوف تنسحب في النهاية من المدن ومن المفترض الا يقايض الفلسطينيون هذا الانسحاب، ولا حتى الانسحاب الى خطوط ايلول 2000، اي ماقبل الانتفاضة، بشيء. لا يفاوض الطرف الفلسطيني، ولا ينبغي ان يفاوض سياسياً على هذه المواضيع. 

تخطط حكومة شارون ان تعلن لشعبها عما قريب عن انجاز المهمة العسكرية وبدء الانسحاب، ليس بسبب الضغط الدولي بل لأن المهم المستمرة من مدينة وبلدة لأخرى قد انتهت برأي الجيش الاسرائيلي، و"الدليل" الذي سيقدمونه لشعبهم هو قائمة المطلوبين الذين اعتقلتهم اسرائيل او قتلتهم. ولا ينبغي ان تشمل هذه القائمة اي تنازل سياسي فلسطيني، وهي لن تشمل، لأن موقف القيادة الفلسطينية والشعب الفلسطيني يبدو متماسكاً للغاية. 

والامر الاهم ان يكون واضحاً انه مع اعلان نهاية "المشروع العسكري"(مفتساع بالعبرية) لا ينتهي مشروع المقاومة الوطني الفلسطيني. فالفلسطينيون شعباً ومقاومة (وعن قريب لن يكون هنالك فرق بين الكلمتين) يعلنون انهم سيواصلون المقاومة بعد نهاية هذه الحرب العدوانية، وبذلك يعلنون فشلها السياسي. وهم يعلنون مواصلة المقاومة لان شارون يعلن مواصلة الاحتلال على شكل نظام فصل عنصري، خلف اسلاك شائكة ومناطق عازلة، الى ان يوافق الفلسطينيون على التفاوض على قضايا غير القدس واللاجئين والحدود والاستيطان. يريد شارون ان يفرز الفلسطينيون قيادة بعد نهاية العمليات العسكرية لتفاوضه على اعادة بناء ما هدمه وعلى الكهرباء والهاتف والمؤن، وعلى شروط العبور والمرور الى الاردن وعلى شروط التحويلات البنكية وغيره…. انه يرغب بتفاوض لفترة طويلة على شروط الحياة في ظل نظام الابارتهايد. 

وحتى لو لم يرغب الفلسطينيون بذلك فأنهم مضطرون الى ذلك برأيه من اجل مواصلة الحياة، وهو مستعد مقابل استعدادهم للتفاوض لاضافة اجندة سياسية محدودة متعلقة بشروط حياة وعلاقات للكيان السياسي الفلسطيني القائم لفترة انتقالية طويلة، ولكن باستطاعة الفلسطينيين ان يفرضوا اجندتهم، وبالامكان المراهنة على العوامل الثلاثة التالية:1) استمرار المقاومة الفلسطينية 2) استمرار حركة الاحتجاج والتضامن العربي 3) تماسك موقف القيادة الفلسطينية. 

 

ولكن استمرار المقاومة الفلسطينية يتطلب استرتيجية موحدة وقيادة موحدة واهداف سياسية موحدة تخدمها المقاومة، والا وقعت في نفس اخطاء الماضي بحيث لا يعرف العالم(اصدقاؤنا وخصومنا) ماذا نريد. لا معنى لاستمرار المقاومة دون استنتاج هذه النتائج، ويحمل استمرار المقاومة كل المعاني لو استنتجت النتائج. ويجب ان توضع اجندة سياسية ترشيدية لحركة التضامن العربية بحيث تلتزم الممكن ولا تلجأ الى ما هو غير ممكن او الى المبالغة والتضخيم، وبحيث لا يتحول التظاهر الى عملية ندب ونواح جماعي بدل وضع برامج سياسية محددة للضغط على الحكومات العربية لفعل اكثر نجاعة ضد اسرائيل مع توضيح الثمن السياسي الداخلي الذي تدفعه هذه الحكومات في حالة عدم استجابتها للضغط الجماهيري. اما بالنسبة لتماسك موقف القيادة الفلسطينية فمن الواضح ان هذا لن يتم بالوسائل القديمة، وان السلطة الفلسطينية لا يمكن ان تعود الى ما كانت عليه في تعاملها مع الشعب الفلسطيني ومؤسساته. لقد التف هذا الشعب حول السلطة باعتبارها سلطته الوطنية وباعتبار اهانة اسرائيل لها اهانة للشعب الفلسطيني كله ، وهي لن تستطيع ان تلتف على الشعب الذي التف حولها في المستقبل القريب.