دمشق – نبيل الملحم
مسيحيو سوريا يرون فيه كنيسة سورية قديمة، ويدللون على ذلك برأس يوحنا المعمدان المدفون في باحته، ومسلموها يعتبرونه رمز الدولة الأموية العتيدة، الأكثر امتداداً وسطوة والأكثر " دولة"، فعلى البوابة الشرقية منه يافطة رخامية كتب فوقها " بناه عبد الملك بن مروان عام 350 للهجرة"، وحتى الدروز يعتبرنه لهم فيوحنا المعمدان هو النبي يحيى الذي تقمص عن أحد الحدود الخمسة فارتدى الباطن لان الظاهر لا يظهر إلا حين يظهر ولي الزمان وينبئ بما حصل من أسرار الزمان الغابر، وعلى البوابة الشرقية منه " والحديث عن الجامع الأموي بطبيعة الحال"، تسع درجات تقودك إلى مقهى النوفرة الأكثر شهرة في دمشق، بل وآخر المقاهي التي حافظت على نسيجها المعماري والعقائدي.
عام 1956 كان في دمشق 56 مقهى ، و 56 صحيفة يومية، معظمها يحرر من المقاهي ، وبعض هذه المقاهي كان ناديا سياسيا، ففي الهافانا كان حوار خالد بكداش ابرز زعماء الحركة الشيوعية في الكومنتيرن، مع خال العظم ابرز زعماء البورجوازية السورية وابرز برلمانييها، وفي الهافانا تأسس حزب الشعب، وحزب البعث، وفي الهافانا تشكلت وزارات وأقيلت وزارات، وحيكت مؤامرات وعقدت صفقات بين نساء طالما خرجن من الحرملك إلى العاب السياسات العليا التي طالما كانت اكثر بهجة حين تكون الضحكات مجلجلة كما الزفرات.
وصار الهافانا مهجوراً سوى من عاشقين يلتقيان خلسة فوق نارجيلة بطيئة الاحتراق.
ولم يتبق سوى النوفرة.
النوفرة ما زال محصناً.. وإذا ما تساءلت عن السر فثمة أسرار أولها أن سياح الغرب (الإمبريالي) يستهويهم المكان، بتفاصيله ومقاعده الخيزران، وبنادله السيد بلال الذي يعرف من اللغة الإنكليزية كلمة واحدة هي (ويل كوم) فيرددها للقادم كما للمغادر ثم يضحك مزهوا لانه تعلم "كل" هذه الكلمة في مدرسة الحياة.
ثانيها أن النوفرة بمحاذاة الجامع الاموي، والكحول ممنوعة فيه، ولقد ثبت بالملموس أن اليانسون والكركديه والبابونج والزهورات، لا تقل تأثيراً عن الكحول، إن شئنا استبد بنا الخيال، وبالنتيجة فليس من مصلحة أصحاب المقهى تحويله إلى ناد ليلي بلا نجوم.
وثالث الأسباب أن الحكواتي مازال في النوفرة، وهو آخر حكواتي في دمشق، مع انه بات ضجراً من بشر ضجرين.
حكواتي النوفرة الحالي هو رشيد حلاق .. يحكي قصة الزير سالم وخصمه العنيد جساس، ويخلط بين دراما الحكاية، وبين التهريج، وقد يذهب بعيداً في الخروج على النص لمرحلة يغني بها لفهد بلان.
رشيد الحلاق يقول لنا انه قادر على أن يحكي حكاية ساخنة، ولكن السميعة باردون ، ويضيف " سمعية لا يغضبون من خيانات جساس ولا يهتفون لبطولات الزير"، ويقول " تصوروا إنني احكي حكاية حرب دامت أربعين سنة بين داحس والغبراء".
قبل رشيد الحلاق كان الحكواتي المفش (هكذا اسمه) .. اسمه المفش.. اسماً مفرداً لم يبحث أحد عن كنيته، ولم يتخبط أحد في معنى هذا الاسم أو الحكمة منه، ولكن الجميع اتفق على أن الليلة التي كان يحكي فيها المفش حكاية الزير سالم، لا بد وان تكون ليلة عامرة بكل صنوف الانفعال بدءاً من الزغاريد وصولاً إلى حوار التراشق بالكراسي الذي غاب عن أعمال البرلمان، وغاب المفش، فما الذي تغير؟.
المخطوطة هي ذات المخطوطة .. والزير هو ذات الزير وجساس مازال جساس وكليب أيضا وجميع أصول الحكاية ما زالت ، ومع ذلك فثمة اختلاف .
ما الذي اختلف ما دامت الحكاية هي الحكاية؟
لا بد أن الحكواتي اختلف أو ربما الجمهور.
الحكواتي الجديد ضجر ، والجمهور ربما يكون ضجراً أيضا ، والضجرون يعوزهم الكثير من الحماس وإذا ما تحمسوا فقد يأكلون بعضهم بعضاً.
أحيانا يختلف الجمهور، فثمة مجموعة سياحية فرنسية دخلت المكان.. شيء ما تغير وأمام المجموعة ، يبدو رجل ينتمي إلى فرسان بونابرت.. تسأله:
- - هل أنت من آل بوربون؟ .. يضحك الفرنسي ويجيب:
- لا .. أنا لقيط .. واللقيط يضحك بإمعان، فيما الحكواتي يتابع الحكاية ، وعندما نقول له متى ستنتهي حرب داحس والغبراء؟ يجيب : " السلام خيارنا الاستراتيجي".. ويتابع ضاحكا ولا يضحك الفرنسي اللقيط ولسبب واحد هو أن المترجم لم يترجم ما قاله الحكواتي الضجر ، من السمعية الضجرين—(البوابة)