كشفت صحيفة "يديعوت احرنوت" الإسرائيلية في عددها الصادر أمس عن أن عميلا مصريا مزدوجا اسهم في تضليل المخابرات الإسرائيلية بما يتعلق بتاريخ وتوقيت بدء حرب تشرين عام 1973 .وقالت الصحيفة في تقرير لها نشرته صحيفة "السفير" اللبنانية اليوم أن هذا الادعاء ظهر أول مرة على لسان رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي في حرب تشرين الجنرال إيلي زعيرا، وقد تعززت هذه الأطروحة مؤخرا بكتاب جديد يصدره المؤرخ الإسرائيلي أهرون بريغمان في لندن بعنوان "حروب إسرائيل 47-1993".
وجاء في الكتاب أن "النجاح المباغت المصري السوري في حرب يوم الغفران استند إلى حد كبير على عميل مصري شغل منصبا رفيعا وعمل في خدمة الموساد في سنوات ما قبل الحرب. وقد نقل هذا العميل لإسرائيل معلومات استخبارية بالغة الأهمية، كان بعضها حقيقيا، لكنها في الجانب الأهم ضللت إسرائيل عن وعي وإدراك".
وترفض الموساد هذا الادعاء. ولكن "يديعوت أحرونوت" شرعت بنشر مقاطع من الكتاب الجديد جاء فيها انه بعد وفاة عبد الناصر لم يهتم أحد برئيس مصر الجديد أنور السادات. فالإسرائيليون "كانوا يلقبونه ب(الحمار الأسود) ويرون انه مجرد زعيم مؤقت، فيما اعتبره الأميركيون (نصف مهرج). ولكن السادات بالتعاون مع القيادة السورية خطط للحرب التي فاجأت إسرائيل.
ويتحدث الكتاب عن انه "من أجل فهم كيف وقعت إسرائيل في الفخ، ينبغي العودة إلى عام 1969، حين جنّد الموساد في ذلك الحين موظفا مصريا كبيرا. وعمليا قام هذا الرجل بتجنيد نفسه. إذ طرق باب السفارة الإسرائيلية في لندن وأعلن رغبته في التطوع للعمل لمصلحة الموساد".
وأشار الكتاب إلى أن هذا الرجل كان مقربا جدا من الرئيس عبد الناصر، ثم غدا الساعد الأيمن للرئيس السادات، و"حظي هذا الرجل بتقدير إسرائيل".
وأشار الكتاب إلى أن المعلومات التي كان يسلمها للموساد كانت تصل مباشرة إلى رئيس الحكومة الإسرائيلية ووزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان ورئيس شعبة الاستخبارات و"كان يتقاضى مقابل كل لقاء يعقده مع رجل الاتصال الإسرائيلي مبلغ 300 ألف دولار".
وأوضح أن أهم وثيقة سلمها العميل كانت نسخة عن محضر لقاء عبد الناصر مع الرئيس السوفياتي ليونيد بريجنيف في موسكو عام 1970. وكذلك وثيقة أخرى هي عبارة عن رسالة سرية بعث بها السادات إلى بريجنيف عام 1972. وتحوي الوثيقتان طلبا مصريا لأسلحة متطورة "بحجة أنه من دون مثل هذا السلاح لا يستطيعون شن عملية عسكرية".
وحسب الكتاب فإن العميل المصري المزدوج أضاف منه ملاحظة وهي أن عبد الناصر وبعده السادات توصلا إلى استنتاج بأن توفر طائرات قاصفة وصواريخ سكاد هي الشرط المسبق والضروري لشن حرب. وأنه من دون توفير ذلك لا تستطيع مصر مهاجمة إسرائيل.
ويتحدث الكتاب عن انه على أساس هذه المعلومات الخطية والشفوية بنيت الاستراتيجية الإسرائيلية التي سميت لاحقا ب"المفهوم". وقد افترض "المفهوم" أن المصريين سيشنون الحرب فقط إذا توفرت لهم القاذفات والصواريخ. لذلك شرعت إسرائيل بمراقبة المطارات العسكرية المصرية لرؤية إن كانت هذه الأسلحة قد وصلت أم لا. وافترضت إسرائيل انه بعد وصول هذه الأسلحة لمصر سيحتاج المصريون إلى فترة تدريب لاستيعاب السلاح الجديد، الأمر الذي يزيد من احتمالات اكتشافهم.
ويرى الكتاب أن القيادة الإسرائيلية لم يخطر ببالها أن جاسوس الموساد ليس سوى عميل مزدوج يعمل أيضا لمصلحة القيادة المصرية. ولم تعرف إسرائيل أن المعلومات التي قدمها العميل كانت صحيحة وحقيقية في فترة معينة. ولكنها لم تعرف أن السادات قرر التراجع عن هذا الموقف بعد أن تبين له انه لن يحصل على الأسلحة الاستراتيجية التي طلبها من السوفيات. وأضاف الكتاب انه "لا شك بأن الجاسوس علم بسياسة السادات الجديدة، لأنه كان مساعدا مقربا جدا، ولكنه لم يطلع إسرائيل على هذا التغيير في السياسة المصرية".
وأشار الكتاب إلى حملة التضليل التي قام بها العميل المزدوج. ففي العام 1972 حذر من خطر حرب فورية، لكن هذه الحرب لم تحدث. وفي ربيع عام 1973 أبلغ إسرائيل أن مصر مستعدة للحرب وحدد الخامس عشر من أيار ذلك العام موعدا للحرب. وفعلا وصلت إلى مصر في السابع من نيسان أسراب من طائرات "هوكر هنتر" و"ميراج"العراقية، وقامت مصر باستعدادات للمناورة الكبرى. وهذا ما أقنع إسرائيل بأن تحذيرات العميل حقيقية. وقد استدعت إسرائيل قوات الاحتياطي، وانتهجت حالة التأهب التي ظلت قائمة حتى آب ذلك العام.
وأشار الكتاب الى ان إعلان حالة التأهب أثار خلافا في إسرائيل بين شعبة الاستخبارات ورئاسة الأركان. وكانت الاستعدادات الإسرائيلية باهظة التكلفة من الناحية الاقتصادية.
ويتحدث الكتاب عن الاستنتاج ان العميل المصري لعب دورا حاسما في خطة التضليل المصرية وان القيادة الإسرائيلية تعاملت مع المعلومات التي كان يزودها بها بمنتهى الجدية. وهذا ما جعل الإسرائيليين يعجزون عن رؤية حقيقتين حاسمتين: الأولى هي ان المعلومات التي تقول بأن المصريين لن يخرجوا للحرب قبل حصولهم على طائرات وصواريخ تستطيع اختراق الجبهة الإسرائيلية هي معلومات غير صحيحة. والثانية هي ان الرجل الذي اعتمدوا عليه كثيرا كان يزودهم بمعلومات كاذبة عن النوايا المصرية—(البوابة)