عرفات وباراك خصمان عنيدان

تاريخ النشر: 10 يوليو 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

يتوجه الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات إلى قمة كامب ديفيد الثلاثاء مسلحا بما جسده من كفاح طوال أربعين عاما للدفاع عن المصالح الفلسطينية وعن قيام الدولة الفلسطينية، وفي الوقت نفسه يبدي رئيس الحكومة الإسرائيلية ايهود باراك إصرارا لا يتزعزع على ان يدخل التاريخ بطلا للسلام مع العرب بعد ان كان طوال ثلاثين عاما أبرز رجالات العسكر في دولة إسرائيل. 

 

فقد تميز عرفات دائما بصلابته وعناده، وهو يقبض اليوم بيد من حديد على مناطق فلسطينية مجزاة ومفككة في الضفة الغربية وقطاع غزة يأمل بأن يحولها إلى دولة معترف بها بحلول الثالث عشر من أيلول المقبل. 

ولد محمد عبد الرؤوف عرفات القدوة الحسيني في الرابع من آب 1929 في القاهرة وأمضى طفولته بين القدس والقاهرة، إلا ان الموقع التابع له على الانترنت يؤكد انه ولد "في القدس في فلسطين". 

وعندما بلغ ال 18 من العمر كان شاهدا على النكبة مع قيام دولة إسرائيل عام 1948 على قسم كبير من أراضي فلسطين ونزوح اللاجئين والهزيمة المهينة التي واجهتها الجيوش العربية. 

وقرر عندها العودة إلى القاهرة حيث درس الهندسة المدنية وانخرط في أوساط الناشطين الفلسطينيين في جامعة القاهرة. 

وأسس عرفات في نهاية الخمسينات عندما كان يعمل كمهندس في الكويت حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، وتولى عام 1969 رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية داعيا إلى الكفاح المسلح من دون رحمة ضد "الكيان الصهيوني" بعد هزيمة الدول العربية وإحتلال إسرائيل المزيد من الأراضي في حرب 1967. 

عزز عرفات سيطرته على رأس منظمة التحرير الفلسطينية مستندا إلى شخصيته القوية وإلى حدس اتاح له الإفلات من أشد المواقف حرجا. 

وبعد ان طردته القوات المسلحة الأردنية من الأردن عام 1970 اثر معارك شرسة إنتقل عرفات إلى لبنان ليجد نفسه عام 1982 محاصرا في قلب العاصمة اللبنانية من الجيش الإسرائيلي نفسه، فكان نزوحه الجديد إلى تونس عام 1982 التي بقي فيها حتى العام 1994. 

استفاد عرفات من إندلاع الإنتفاضة في خريف 1988 لتعزيز موقعه التفاوضي مع إسرائيل وصولا إلى إتفاق الحكم الذاتي الذي وقعه في حديقة البيت الأبيض في ايلول 1993 مع رئيس الحكومة الإسرائيلية اسحق رابين. 

ونال عرفات مع رابين وشيمون بيريز جائزة نوبل للسلام عام 1994. 

وفي تموز1994 عاد عرفات مظفرا إلى الأراضي الفلسطينية وانتخب رئيسا للسلطة الفلسطينية بأكثرية كبيرة عام 1996. 

إلا ان حلمه الكبير يبقى الصلاة في المسجد الأقصى وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية. 

وتسيطر السلطة الفلسطينية حاليا كليا أو جزئيا على 65% من قطاع غزة وعلى 40% من الضفة الغربية إلا ان نفوذها يبقى مرتبطا كثيرا بالسلطات الإسرائيلية. 

ولا يزال عرفات الذي سيحتفل بعيد ميلاده ال71 في آب المقبل يعمل لساعات طويلة يوميا من دون إنقطاع ويكثر من سفره حول العالم باحثا عن دعم سياسي ومادي لدولته المقبلة رغم بعض المتاعب الصحية التي بدأ يعاني منها.وتزوج عرفات عام 1992 من سهى الطويل الفلسطينية المسيحية ورزق منها إبنة اسمها زهوه. 

 

من ناحيته، يبدي ايهود باراك إصرارا لا يتزعزع على ان يدخل التاريخ بطلا للسلام مع العرب بعد ان كان طوال ثلاثين عاما أبرز رجالات العسكر في دولة إسرائيل. 

وقد نجح قبل أيام في إقناع الرئيس الأميركي بيل كلينتون بالدعوة إلى قمة كامب ديفيد إبتداء من الثلاثاء مع عرفات رغم إحتمالات الفشل الكبيرة بسبب الهوة العميقة التي تفصل بين الطرفين. 

ورغم الصفعة الكبيرة التي وجهت إليه اثر إنسحاب ثلاثة أحزاب من الائتلاف الحكومي وفقدانه بالتالي الغالبية داخل الكنيست الإسرائيلي، أصر باراك في كلمة متلفزة مساء الأحد على التوجه إلى واشنطن مستندا إلى دعم الشعب له وليس إلى دعم الأحزاب كما قال. 

ويبدو ان هذا الرجل العسكري البالغ من العمر 58 عاما يحب التحديات وهو واثق من أنه سيتمكن من الإنتصار في معركة السلام كما إنتصر قبلا في معاركه العسكرية وعمليات الكوماندوس التي شارك فيها. 

وفي هذا الإطار يقتفي باراك آثار اسحق رابين رجل الحرب الذي تحول إلى داعية سلام وصافح عرفات في واشنطن عام 1993 مطلقا عملية السلام على المسار الفلسطيني وعلى كافة المسارات الأخرى، إلا ان رصاصات متطرف يميني قتلت رابين لتتعثر عملية السلام مع اليميني بنيامين نتانياهو طوال ثلاث سنوات قبل ان تتحرك مجددا مع باراك إبتداء من العام 1999. 

وقال باراك بعيد إنتخابه رئيسا للحكومة العام الماضي "سنتوصل إلى إتفاق يتقرر فيه مصير إسرائيل ويتيح إقامة علاقات حسن جوار مع جيراننا العرب ويضع حدا للنزاع مع الفلسطينيين مع تعزيز الأمن لإسرائيل". 

وتابع باراك "ان اتفاقا من هذا النوع سيلقى تأييد غالبية الإسرائيليين لأن الشعب يريد السلام". 

ويبدي باراك ثقة بتاييد الرأي العام له خصوصا وأنه حقق فوزا كبيرا العام الماضي على منافسة اليميني بنيامين نتانياهو. 

ولما واجهته المشاكل داخل ائتلافه الحكومي أعلن مساء الأحد في تحد واضح للأحزاب السياسية التي تخلت عنه "أنا لم ينتخبني السياسيون ولا الأحزاب بل الشعب الذي فوضني المضي قدما نحو مستقبل أفضل". 

ولم ينس ان يذكر الإسرائيليين انه الرجل الذي يحمل أكبر عدد من الأوسمة العسكرية عندما قال في كلمته نفسها "لن يعلمني أحد ما هو الأمن (...) في معركة السلام كما في معركة السلاح يبقى هدفي ضمان أمن المواطنين في إسرائيل". 

وجاء في إستطلاع للرأي اليوم الإثنين ان غالبية الإسرائيليين تؤيد موقفه بالتوجه إلى قمة كامب ديفيد رغم المشاكل الداخلية التي يعاني منها. 

ولد باراك الذي يحمل شهادة في الفيزياء والرياضيات في إحدى المزارع الجماعية (كيبوتز) وهو اب لثلاث بنات. 

تسلق الهرمية العسكرية في إسرائيل ليتسلم رئاسة الأركان قبل ان ينتقل إلى العمل السياسي، وشارك في عمليات كوماندوس شهيرة مثل إغتيال قادة فلسطينيين في بيروت عام 1973 أو المشاركة في عملية إنهاء خطف طائرة عام 1972 في تل أبيب. 

بعد خروجه من السلك العسكري تسلم وزارة الداخلية ثم الخارجية وصنف بين الصقور في حزب العمل حتى أنه رفض الموافقة في ايلول 1995 على إتفاق وقع مع الفلسطينيين بتوسيع نطاق الحكم الذاتي الفلسطيني. 

ويعتبر الكثير من الفلسطينيين ان باراك لم يتغير كثيرا ولا يزال من الصقور والدليل على ذلك تعثر المفاوضات على المسار الفلسطيني والجمود المميت الذي أصابها على المسار السوري. 

ولا يستطيع الفلسطينيون المتوجهون إلى كامب ديفيد ان ينسوا نقاط باراك الخمس التي إعتبرها من "الخطوط الحمراء". فهو قال وكرر القول ان القدس ستبقى موحدة تحت السيادة الإسرائيلية، وان إسرائيل لن تنسحب أبدا من جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، وانه سيتم ضم المستوطنات الرئيسية التي يعيش فيها نحو 80% من المستوطنين، وانه لن يسمح أبدا للاجئين بالعودة إلى إسرائيل، ولن يسمح لجيش أجنبي بالإنتشار غربي نهر الأردن.—(أ.ف.ب)