عراق الغد
الديمقراطية هي الحل
بقلم نجيب الصالحي
أوشك نظام الطاغية صدام حسين على نهايته , ويلوح في الأفق لأول مرة منذ التأسيس الأول للدولة العراقية الحديثة عام 1921 بشائر نظام جديد طالما حلم العراقيون بإشراقته ليقضي على كل مخادع الظلام وبؤر الجريمة ومهاوي الكوارث .
ولكن زوال صدام سوف لن يكون ربيعاً منذ أول وهلة , إذ أنَّ تركة صدام ونظامه ستكون عبئاً ثقيلاً على النظام القادم بما سيخلّفه من آثار ومعالم مشوهة ومُدمّرة لمجمل البُنى التحتية للعراق , جاعلاً إياه بلداً مخرباً تنهش مقوماته كدولة عوامل الخراب والإنهاك والتردي لبناه وأنظمته الإقتصادية والسياسية والإجتماعية والثقافية , فضلاً عن تكبيله بقيود سياسية ومالية وقانونية ثقيلة ,.. تُضاف إلى بيئة إجتماعية شبه مفككة , رجال ونساء أتعبهم قهر الإستبداد , وحكم دولة البوليس السري, وطبول الحرب تُقرع باستمرار , حصار مميت , تركة من التعسف والظلم والفساد , تبحث عن حلول جذرية وعميقة , تأخذ بشتات عناصر التفرقة والتباعد والضغائن التي زرعها نظام منحرف في مجمل تركيبته السلطوية طوال فترة حكمه البغيضة ..
وتبدو خارطة الخراب الإجتماعي والسياسي والإقتصادي قاتمة حقاً , قوميات وعصبيات مهيأة للإنتقام ممن ساهم في اضطهادها وقمعها , عرب , كورد , تركمان , آشوريين , كلدان ,.. أديان ، مسلمين مسحيين وصابئة ويزيديين , كل يبحث عن حق ضائع وهوية مغيبة ،.. طروحات طائفية سياسية لم يألفها المجتمع العراقي الذي اعتاد التسامح والالفة.. تجمعات وأحزاب سياسية اسلامية , يسارية , قومية , ومحيط إقليمي ينظر بحذر وشراهة لذلك البستان العراقي المتخم بالخيرات من جهة , ومصالحه الاقليمية من جهة اخرى ..
وتبرز أكثر وضوحاً مخاطر الإنفلات في الأمن الداخلي ومنذ الآن في مناطق الجنوب وبعض مناطق الوسط بدرجات , فيما تبدو كردستان العراق إقليماً شبه منفصل عن الدولة .. مع احتمالات انهيار عارم للمؤسسة الأمنية الهاربة من غضب الشعب وماضيها المليء بالجرائم . وعسكرياً بدا الجيش أشبه بقوات مترهلة ومتناثرة بين طبقات من التمييز في الولاء وفي القرب من رأس النظام .
شعب يخرج بكامله من سجنه الرهيب , ناشداً حريته دفعة واحدة دون حدود !! ... هذه أهم معالم المشهد العراقي في الأيام والأسابيع التي تلي الإنهيارالشامل لنظام بائد ، وقيام نظام جديد .. الأمر الذي يفرض جملة أسئلة غاية في الأهمية ؛ وهي ما طبيعة النظام الجديد ومستوى تصديه لمثل هذا الواقع ؟ وما هي ستراتيجيته لوضع العراق على الطريق الصحيح ؟ وما مدى سيطرته على عوامل الإنفلات الأمني والتهديد السيادي للبلد ؟ وما مدى امكاناته لتحقيق معالم استقرار نفسي واجتماعي وسياسي بشكل حازم وجاد ؟ سيما وأنَّ الفشل في التعامل المبكر مع هذه التركة الثقيلة سيضع علامة استفهام كبيرة على قدرة العراق على العيش ككيان سياسي موحد ينعم بالإستقرار سواء على الصعيد الداخلي أو الأقليمي أو الدولي ..؟
الديمقراطية هي الحل ..
لابد وأن العراقيين يتطلعون بقوة الى ما يطمئنهم على مستقبلهم , وعلى ما تحملوه من عسف النظام السابق , ولعل أهم ماسيثبت لهم مصداقية النظام الجديد , هو مدى إيمانه وتطبيقاته العاجلة والمباشرة في إرساء أسس وأنظمة وقوانين تمهد للمظاهر التحولية الحضارية الجديدة للنظام السياسي القادم , وبمختلف جوانبها في الحقوق السياسية والاجتماعية والأسس الاقتصادية العامة ..
وستبدو كلمات مثل الديمقراطية وحكم الشعب وإطلاق الحريات السياسية والثقافية وحقوق الأقليات والديمقراطية الاجتماعية والإزدهار الإقتصادي شيئاً أقل من المتوقع لنظام يخلف نظاماً بُنيَ على تغييب قهري لتلك المفاهيم ,.. ولكن ستكون المصداقية لتحقيق كل ذلك تتمثل بإرساء الأسس الدستورية والحقوقية لتلك الحريات والحقوق بما يمهد لتجذّرها على أرض التجربة القادمة في كافة مناحيها .
يبدو لي أنَّ النظام الديمقراطي التعددي الذي يحتكم إلىصناديق الإقتراع طريقاً في التداول السلمي للسلطة , ويحترم حقوق الإنسان في إطار المؤسسات الدستورية وسيادة القانون هو الذي ينـزع فتيل الخطر ويضمن عراقاً موحداً مزدهرا .
غير أنَّ تلك الرغبة لا يمكن أن تكون بضربة عصا وبين ليلة وضحاها , حيث يتوجب الأخذ جديا بنظر الإعتبار إرساء خطوات جادة نحو الديمقراطية الشاملة , تتميز بالشفافية والمصداقية في التعبير عن طموحات المجتمع العراقي , وإعادة تأهيله للحياة الديمقراطية والسياسية السلمية , بعيداً عن مخاوف السلطة وقمعها وإرهابها , مما يتطلب من الآن تحديد ملامح أساسية من دستور البلاد الدائم , بمشاركة جماعية من أطراف المعارضة العراقية ونُخب المجتمع المدني وكادره القيمي والقانوني المتخصص ، واعتبار كل سلطة سياسية ((حكومة )) تسبق وضع الدستور الدائم مؤقتة أو انتقالية , لحين الفراغ من وضع الدستور الدائم , الذي يجب أن يؤكد على عدم التمييز بين مواطن وآخر بسبب الدين أو المذهب أو القومية أو الولاء السياسي أو المنطقة الجغرافية ، ويعتبر جميع العراقيين (( العرب والكورد والتركمان والآشوريين والكلدان وبقية القوميات والطوائف )) مواطنين متساويين في الحقوق والواجبات , وبدرجة مواطنة واحدة , وهي حق أساسي للجميع دون استثناء , وأن يضمن القانون قوة ممارسة هذه الديمقراطية لكي تكون عُرفاً حياتيا وأُسلوباً يتربى عليه الناس بعد عقود القمع والإستبداد .
التعددية تدعم التغيير وليست عثرة في طريقه
ومما يدعم هذه الممارسة هو التنوع القائم في تركيبة المجتمع العراقي والذي يفرض التعددية السياسية والفكرية والثقافية , وهي مقومات أكثرمنها عناصر إحباط , وهي تدعم عملية إرساء المفاهيم الديمقراطية وتقويها كممارسة يومية , وفي الواقع ينبغي أن تصبح مفاهيم مثل حقوق الانسان والعدالة الاجتماعية والفصل بين السلطات التشريعية والتنفذية والقضائية وسلطة المجتمع المدني بأحزابه ونقاباته ومؤسساته والسلطة الإعلامية والصحافية ممارسة وضرورة حياتية لاتختلف عن الخبز والهواء الذَين يحتاجهما الإنسان العراقي الجديد , ولكنها جميعاً بحاجة إلى تطبيق عملي واقعي , وتربية سلوكية ومنهجية تربوية يعتادها الشعب وينتهجها في تطبيقاته كافة .
المرأة والطفل
يبرز في هذا السياق أيضاً عملية تحرير المرأة العراقية , وإعادة دورة الحياة إلى التفكير بنيل حقوقها المشروعة وصيانة قيمها الفاضلة بعد الرّدة الرهيبة في امتهان وقمع المرأة العراقية المضاعف الذي عاشته خلال فترة حكم نظام الجريمة والعبث الصدامي , وعليه وبمساعدتها يسلك المجتمع سبل التقدم بالقدر الذي ينجح في تشريع قوانين حماية وخدمة الأم والطفل واعطاءها دورها وموقعها الطبيعي في الحياة الإجتماعية والأسرية , مضافاً إليه العديد من الحلول العاجلة المترتبة على سوء الممارسة الاجتماعية والموقف الردىء من قضايا الأمومة والطفولة التي حُكم بها الشعب العراقي طوال عقود الحكم العفلقي , حيث تبرز الأسبقية في معالجة مشاكل تعثر الزواج وتفشي الطلاق وارتفاع نسبة العزوبية التي نتجت من تداعيات الحروب والكوارث السياسية والاقتصادية , وهجرة كثير من الشباب العراقي وما أدى ذلك من إخلال بالتركيبة الإجتماعية والقيمية والثقافية .
ولابد من التأكيد هنا على حق المرأة الدستوري في التكافؤ والتعليم والعمل والثقافة وممارسة دورها السياسي , وإزالة القوانين القسرية المتخلفة التي تحول دون أن تأخذ المرأة دورها الطبيعي في المجتمع , فمن الخرافة والعبث تنمية بلد مخرّب كالعراق ونصف شعبه مشلول أو معطل !!
ولابد أيضاً من أن ينال الطفل حقوقه كاملة غير منقوصة , ضمن مناخ أسري قيمي صالح وسليم باعتباره جيل النهضة والبناء القادم , وذلك بتنمية القناعة التامة على أنَّ عملية البناء القادمة تحتاج الى سنوات من الجد والنشاط المُبرمج القائم على تكاتف جهود المجتمع لإيجاد طفولة متميزة وتصاعدية يمكن المراهنة عليها , إذ أنَّ مهام البناء الوطني تقوم على تبادل دور الأجيال في مهامهم التأريخية لبناء وطنهم , والطفل هنا هو اللبنة الأساسية لتوليد هذه الحركة التعاقبية للمجتمع الكلي , ومن دون خلق مناخات تربوية وتعليمية وصحية راقية وأصيلة وصالحة تغاير في أدواتها وغاياتها منظومات التخلف والقمع والخوف التي أرسى قواعدها نظام الجريمة الصّدامي , من دون ذلك فلا يمكن عندها المراهنة على قوة وسلامة ومنعة الوطن , وهذا مما يُوجب ويدعو الدولة والنظام القادم الى سن تشريعات شاملة تلغي الظروف غير الطبيعية التي أجبرت الطفل على ترك مدرسته والخروج من جوّ البيت ودفئ الأسرة اللذَين يمنحانه كل مقومات التربية الصحيحة , وتأهيله كعضو ايجابي سليم في المجتمع , وهذ ما يستدعي بدوره إلى إعادة وتطوير أسس التربية والتأهيل لإيجاد أسرة إيجابية سليمة لا يعتريها الخوف والقلق من نظام أمني بقدر ما تشعر أن النظام هو مناخ ايجابي يساعدها في تنشئة أطفالها ويوفر لها دور الرعاية والعناية والأرشاد ، وذلك كله يتعاضد ضمن مظلة قيمية وأخلاقية رفيعة ، ومنهجٍ ديمقراطي في الأسرة والمدرسة كأحد الأركان الأساسية في عملية البناء المستقبلي للوطن .
من زاويةٍ أخرى ، فإنَّ التأكيد على مبدأ سيادة القانون وتقوية مؤسساته المختلفة هو ما يجمع الكثير من الأحزاب والقوى السياسية , ولا تقتصر الحاجة في عراق ما بعد صدام على إعداد منظومة للقوانين سياسية واقتصادية حديثة التي تلائم النظام الديمقراطي الجديد وحسب , بل إنَّ المهم هو الإقرار والإيمان بتشريع دستوري للقنون كسلطة عُليا , وسوف لن يكون للعراق أي شأن في الحديث عن تطور قادم إذا لم يسارع ومنذ بواكير عهد التغيير إلى إقرار كامل التشريعات التي تمنح القانون سلطة فوق الأفراد والجماعات السياسية , ولا تفرق بين كبير وصغير , قريب أو بعيد من ذلك الرأس أو ذلك الذنب , إنَّ إقرار القوانين التي تنظم حياة العراقيين وتوطد قواعد وأسس المجتمع المدني , وإحياء الطبقة الوسطى والفئات المنتجة والقادرة على خلق عملية التغيير الحضاري ينبغي أن تترافق مع تشريعات قانونية للتعليم بكل مراحله , والتدريب والتأهيل والبحث العلمي ، والعمل والضمان الاجتماعي وقوانين أخرى مكمّلة , بحيث تصب جميعها في خلق منظومة من طراز حضاري يلغي كل أسس القهر والتمييز والإرهاب وخنق الحريات والخوف من السلطة , ويجعل منها وسيلة محببة ومحترمة بنظر الأفراد , يدركون دورها في قيادة وتوجيه عملية التحول نحو مجتمع جديد يُغاير كلياً عهوده السابقة .
لا يمكن تحقيق تقدم اجتماعي دون تحرر إقتصادي
وفي المجال الاقتصادي ينبغي تحقيق إنقلاب في المفهوم والمنهج الذي أوجده نظام صدام وعصابته التي تفتقر للأسس العلمية للعملية الإقتصادية , والتي في سعيها المتخلف لتحقيق مصادر ثروة غير طبيعية دمرت الكثير من مقومات الإقتصاد الوطني ,فألغت الطبقة الوسطى والطبقة المنتجة , وحرّفت الإقتصاد المدني عن سكته الطبيعية لإرضاء شهوات عدوانية عسكرية ومخابراتية ضيّعت موارده بطريقة مسرفة وغير إقتصادية ، وأعاقت تطوير منابع الثروات الأخرى وبناء إقتصاد موازي لإقتصاد النفط في بلد يستطيع أن يضاهي بثرواته الأخرى ما يجلبه النفط وربما أكثر , ولذا تدعو الحاجة إلى تعبئة جميع الموارد الطبيعية والإمكانيات المادية والبشرية لترشيد التوظيف الأمثل لمصادر الثروات الطبيعية والمياه , ومضاعفة الإنتاج من السلع والخدمات وتوفيرها بجودة ونوعية تتسابق مع المستويات الدولية الى الخبرة العراقية والقاعدة الفنيّة والتكنولوجية وخبرات التعاون الإقتصادي الإيجابي المدني لدول العالم , وبما يشجع على الإستثمار المشترك القائم على الإقرار بالحقوق المتساوية والمتكافئة للشعوب .
إنَّ ذات الطريق ينبغي أن تعم جوانب الإقتصاد المختلفة والقائمة على أساس التفكير المنتج والمرشّد لجوانب الحياة الإقتصادية ونبذ النزوع الإستهلاكي المستنفذ لموارد العراق ، وبهذا الصدد يجب زيادة صادرات العراق من منتجاته النفطية والمعادن والفائض الزراعي ، والتفكير والتخطيط الدائم بتوفير موارد مالية بديلة وذلك بتشجيع الإنتاج البديل وتوفير أسس الحماية القانونية والتجارية له محلياً ودولياً , غير أنَّ ذلك ينبغي أن يسبق بخطة يسهم فيها المجتمع الدولي وتقوم على أساس السعي الجدي من أجل رفع الحصار الإقتصادي وآثاره وإلغاء الديون المترتبة على العراق وفوائدها من جرّاء سياسيات نظام صدام الذي يتحملها وحده دون أن يدفع ضريبتها الشعب العراقي وأجياله القادمة .
إنَّ البحث عن موارد إضافية للإقتصاد العراقي يدعو الى تنشيط السياحة بأنواعها المختلفة على نحوٍ خاص ويتطلب إنتقال الإقتصاد العراقي من إقتصاد مغلق يسيطر عليه القطاع العام والبيروقراطية الحكومية الى إقتصاد حر يتمتع فيه القطاع الخاصة بحريات واسعة ومشاركة جادة في تنمية وتطوير الإقتصاد الوطني وهو ما سيطلق سوق العمل ويوفر قدراً هائلاً من السيولة المالية التي سيتعامل معها المجتمع الدولي ومنظماته المانحة بإسلوب إيجابي مؤسس على قاعدة شعب يسعى لتعويض مراحل تخلف أجبر عليها إقتصاده في السابق .
إنَّ توفير سوق العمل للعاطلين والأرض للفلاحين ورأس مال لصاحب العمل وإنشاء المصارف والجمعيات التي تدعم وتُسهّل الحصول على الأجهزة والمعدات والمواد الأولية والسلع الوسيطة لجميع الرواد الجدد في النشاطات الزراعية والخدمية والصناعية والسياحية يكتسب أهمية فائقة في إنعاش الحالة الإقتصادية والسياسية في البلاد ويعزز من الأمن ويؤمّن الحريات الإقتصادية والإستقرار وهو الأمر الذي يشجع الإستثمارات الأجنبية على إيجاد فرصها في عراق ما بعد التغيير والذي سيكون زاخراً حقاً في إستثماراتٍ بأرقام فلكية لم يتمكن نظام صدام المفتقر للإستقرار الإقتصادي والثقة التجارية أن يحققها .
علاقات العراق مع المحيط الإقليمي والعالم
إنَّ ما يجب التأكيد عليه هنا ؛ أنَّ السيادة والوحدة الوطنية والأمن العراقي خطوط حمراء على الدول الإقليمية عدم الإقتراب من تخومها سواء باستغلال مرحلة التغيير أو التدخل في المراحل القادمة من عمر الدولة العراقية , وعليها إحترام القرار والإرادة العراقية وعدم التدخل في الشأن العراقي تحت أي مسمّى ديني أو قومي أو سياسي أو اقتصادي كان , وسياسة العراق على الصعيد الخارجي يجب أن تُبنى على أساس إحترام الشرعية الدولية وهيئاتها المعترف بها , ومترافقة بالإنفتاح على العالم بدءاً من المحيط الإقليمي وعلى أساس المصالح المشتركة وتحري فرص التكامل الإقتصادي والثقافي ضمن مباديء التكافؤ والتعاون المثمر والإحترام المتبادل .
كذلك فإنَّ كافة القضايا الخلافية بين العراق والدول الإقليمية يجب أن تُحل بالطرق السلمية واستناداً إلى المواثيق والإتفاقات الثنائية الرسمية , ووفق الأنظمة والقوانين والأعراف الدولية , مع وجوب أن تلحظ الدول كافة الوضع الكارثي الذي سيخلفه نظام صدام , لذا نأمل من كافة الدول الإقليمية والدولية النهوض بمسؤولياتها لمساعدة الشعب العراقي في تجاوز أزماته الإقتصادية والسياسية والأمنية .. وذلك من خلال إعادة النظر بما ترتب على العراق من قيود اقتصادية وسياسية نيجة الحماقات الصدامية .
كما لابد هنا من التأكيد على ضرورة إعادة التأهيل للدبلوماسية العراقية التي شوهتها سياسات قامت على شبكات المخابرات والتجسس والإغتيالات ، وذلك من خلال فئات طفيلية على هذا السلك الوظيفي كل تأهيلها الولاء لشخص الطاغية دون أن تمتلك الخبرة والممارسة أو أن تنتمي مهنياً إلى الدبلوماسية وتحترم أعرافها مما خلقت العديد من المآزق للوجود العراقي خارج الوطن وللعديد من الدول الشقيقة والصديقة ، وهو ما يمكن تلافيه فيما إذا بُنيت الدبلوماسية القادمة على المهنية والقانون الدولي والأعراف السياسية السائدة ، وذلك مما سيؤدي حتماً إلى تحسين علاقات العراق مع مختلف دول العالم وهيئة الأمم المتحدة ومنظاماتها المختلفة وبما يجعل من العراق بلداً رائداً من خلال المساهمة الفاعلة لتحقيق الأمن والسلام العالمي وإعادته الى وضعه الدبلوماسي والسياسي الطبيعي , وسيُمكّن العراق من خلال سلكه السياسي والدبلوماسي الرائد إلى إيجاد أفضل الحلول للمشاكل العالقة مع العديد من الدول كالجارة الشمالية تركيا حول مشكلة المياه والمشاكل الأمنية وتطوير التعاون الاقتصادي وغيرها .. , ومع إيران بمعالجة تداعيات الحرب والحدود المشتركة وتطوير التعاون الإقتصادي والتجاري والسياحي وإحترام الخصوصية الدينية والثقافية للمجتمعين العراقي والإيراني , أو مع الكويت التي ينبغي أن تتعدى الحلول المطلوبة تسوية مشاكل الحدود وفقاً لقرارات الأمم المتحدة إلى تنفيذ سلسلة إجراءات سياسية واقتصادية وثقافية تلغي آثار الغزو الشنيع من ذاكرة الأجيال وتجعل من الكويتي أخاً وشريكاً مهماً في بناء العراق مع الاحترام الكامل المتبادل للسيادة الوطنية لكلا البلدين .
وهذا ما ينطبق على إيجاد علاقات الإنفتاح والتعاون الإيجابي وعلى كافة الأصعدة ، السياسية والاقتصادية والثقافية مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج وسوريا والأردن .. وفقا لروابط الأخوة العربية وقاعدة المصالح المشتركة والدخول في أنظمة إقتصادية وإتفاقيات تعود بالنفع على شعوب تلك البلدان وبما يجعلها عنصراً من عناصر الإنشداد والجذب بينها .
إنَّ علاقة العراق مع كافة دول العالم يجب أن تقوم على الإحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام إرادة واختيار الشعوب والدول ، وسيأخذ العراق بنظر الإعتبار مواقف كافة الدول التي ساهمت في تحرره وانقاذه من براثن النظام الصّامي ، وستكون لها الأولوية في التعاون السياسي والإقتصادي والتكنولوجي بما يتسق ويتناغم مع سيادة العراق واستقلالية قراره السياسي الوطني .
إعادة صياغة المؤسسات الأمنية والعسكرية
إنَّ تغيير السيكولوجية الحالية المبنية على الخوف والرهبة من النظام القمعي خلقت آثاراً لا يمكن لأية جهة سياسية أن تدعي أنها ستتغلب عليها بقرار حكومي أو سياسي .
من هنا فإنَّ الحديث عن هذه القضية يستدعي التطرق إلى التركيبة الإجتماعية والديموغرافية التي عمل صدام على تغييرها للمحافظة عليه وعلى نظامه , وينبغي التطرق إلى المتغييرات التي أحدثها في الجيش والمؤسسات الأمنية الأخرى وبما يثير سؤالاً غاية في الأهمية ، وهو ؛ هل بالإمكان الإعتماد على هذه المؤسسات لخلق أداة منظّمة تساعد في إرساء النظام لمرحلة ما بعد التغيير ؟ .. وهنا ينبغي تناول كل مؤسسة (( جيش ، شرطة ، أمن … )) على أساس علمي وعملي ينقض الأساس الذي بناه نظام صدام كلياً ، إلى جانب ذلك تسير بانتظام وتكامل عملية البناء الداخلي لمؤسسات القضاء والأمن والتربية وتنشيط الرقابة الجماهيرية العامة .. أما المؤسسة العسكرية فستأخذ إهتماماً خاصاً في إعادة تنظيمها على أسس الحياة الوطنية الديمقراطية الجديدة .. وفي طليعتها العودة إلى الثكنات بعيداً عن الأنشطة السياسية والتكتلات الحزبية والقيادات الفكرية المختلفة .. وأيضاً تقليص حجمها إلى ما يؤمّن الإحتياجات الدفاعية الفعلية ,فيما يتحقق الأمن القومي بتنمية وتفاعل القدرات الشاملة للعراق إقتصادياً وإجتماعياً وبالتنمية الديمقراطية التي تؤدي إلى تماسك النسيج الوطني والقومي .
إلى جانب ذلك ، ينبغي إعادة تشكيل مؤسسة الأمن الداخلي على أسس عصرية تعكس فلسفة النظام الجديد ومفاهيمه الإنسانية والديمقراطية والإستعانة بخبرات وتجارب الدول ذات النهج الديمقراطي المتميز , فالموروث الأمني العراقي لا يصلح كقاعدة للتطور ويتناقض في تكوينه وكينونته مع المسيرة الحضارية التي ينشدها العراقيون ، فحاجتهم المسقبلية تتلخص بإنشاء جهاز أمن وطني يخضع لسلطة القانون ويحترم المؤسسات الدستورية ويلتزم جانب حقوق الإنسان .
كما لابد من الإشارة إلى التأهيل النفسي والإجتماعي والثقافي للعناصر المسرّحة من الأجهزة الأمنية تمهيداً لإعادة دمجهم في المجتمع دون مؤثرات سلبية , فكثيراً من الأمراض والإنحرافات قد لحقت بهم جرّاء عملهم فترات زمنية ليست بالقصيرة اتسمت بالعنف والإضطهاد ،.. وسوف يواجه النظام القادم الثأر والرغبة بالإنتقام من العناصر التي ارتكبت جرائم تمس حقوق الإنسان في العراق , وهنا يجب أن يكون النظام الجديد حاسماً في تأكيد سلطة القانون بتشكيل المحاكم المدنية قبل أن تتسع الفوضى , وإحالة المتهمين أُصولياً ووفقاً للقانون إلى المحاكم , وينبغي تقليص حدود المسؤولية الجنائية الى الحد الأدنى وتجنب الرغبة في توسيع دائرة المتهمين لتشمل جماعة أو مؤسسة بكامل منتسبيها , وتحديد المسؤولية الجنائية على الفعل المرتكب والفاعل شخصياً بغض النظر عن إنتمائه , فلا يجوز اتهام شخص ما لمجرد انتسابه إلى حزب البعث مثلاً , فالإنتساب إلى حزب أو جهاز حكومي ما لا يشكل جرماً بحد ذاته , وكل شخص متهم يعتبر بريئاً حتى تثبت إدانته قانونياً بموجب محاكمة علنية تؤمّن الأساسات القانونية للدفاع عنه ومراعاة حقوقه كإنسان , كما وأنَّ التساهل والعفو مطلوباً أيضاً ، ولكن وفقاً للقانون الذي يجب تغيير العديد من بنوده بما يوافق الوضع الجديد للبلاد .
إن َّجهداً يُبذل بإتجاه المصالحة الوطنية الشاملة ، وترسيخ الوحدة الإجتماعية على أساس الولاء الوطني بعيداً عن الولاء الفرعي والسياسي الضيّق ، واستدعاء وتوظيف منظومة القيم الدينية الراقية في الفضيلة والإستقامة والتسامح والإعتدال ، وتأكيد النهج الإسلامي على تقديم أنماط العفو والرحمة والتّواد والسلام ، والسلوك الحضاري الراقي ، إلى جانب الحياة الديمقراطية والإنفتاح على الآخر والإعلام الهاديء وتقديم الخدمات العامة والترفيهية للشعب ،.. كل ذلك سيُسهم في تخفيف التوترات ويساعد على تلاشي الرغبة في الثأر والإنتقام .
من جهةٍ أُخرى ، تأتي الإدارة الحديثة كجهاز تنفيذي كفوء ، في مقدمة أهداف النظام الجديد ، فهي أداة التنفيذ لأخطر القرارات والبرامج السياسية والإجتماعية والإقتصادية ، وهيكلها العملي المترجم قراراتها إلى واقع يلمسه المواطن وينعم به الوطن ،.. فكان لابد وأن تُؤسس كافة الأجهزة التنفيذية على معيار الكفاءة والروح الوطنية وتقدم الخدمات للشعب دون أدنى تمييز بين المواطنين بسبب الإنتماء أو العِرق أو الثقافة أو الطائفة ، وأن تغطي خدماتها كامل الرقعة الجغرافية للعراق بمستوى واحد من الكفاءة في الأداء والنـزاهة في العمل .
إنَّ تشكّل الوحدة الوطنية وتماسك النسيج الإجتماعي للشعب العراقي يعتبر هاجساً دائماً للمعنيين بالشأن الوطني ،.. وهنا نقول ؛ أنَّ تحقيق هذه الوحدة يعتبر مشروع النظام السياسي والشعب معاً ، فهو مهمة وطنية عامة ومشتركة ، مع التأكيد على أنَّ هذه الوحدة لا تعني بالضرورة الاتفاق المطلق بين جميع مكونات الشعب ، بقدر ما تعني التناغم والوفاق على ثقافة وطنية مشتركة ، وإطار جامع من التفاعل السياسي والإقتصادي والإجتماعي سواء بين النظام السياسي للدولة والفئات المختلفة داخل الشعب الواحد , أو بين شرائح ومكونات المجتمع ذاته ،.. من هنا كان من حق المكونات القومية والطائفية والدينية الاحتفاظ بثقافتها وتقاليدها وأنماط حياتها الخاصة ضمن الجامع القيمي والسياسي والثقافي للبلاد ، ومن البديهي أن تحقيق مثل هذا التفاعل لن يتحقق ما لم يسبقه اقتناع عام بشرعية النظام السياسي وتأكيد أولوية الولاء للوطن على أي ولاء آخر , هذا الولاء الذي يرتب للجميع حقوقاً متساوية بغض النظر عن أي انتماء فرعي , مما يعني تشريع قوانين جديدة تعزز هذا الإتجاه ، منها قانون عصري جديد للجنسية العراقية وآخر يحرم التمييز بين العراقيين كلياً .
الشباب
لابد من التركيز على أهمية الشباب ( ذكوراً واناث ) كرأس مال وطني وثروة غير قابلة للهدر والإهمال تحت أي ظرف , لذا فمن أولى وأهم البرامج الوطنية القادمة ؛ برامج البناء والتطوير لقطاعات الشباب كأساس يجب أن تعتمده خطط التنمية الإنسانية والقيمية والعلمية والثقافية الشاملة , وتسخير كافة إمكانات الدولة لرقيها وتقدمها وتكاملها ، وتوفير مطلق المستلزمات للنهوض بها من واقعها الكارثي الحالي ، ومحاولة تأسيس ثقافة ونهج وطني جديد يُغاير كلياً التجربة الصّدامية التي قدّمت شبابنا قرابين لبراكين الحرب ومنحدرات الضياع !!
أولوية الاعلام
إنَّ الواقع العراقي القادم يستدعي قيام إعلام عراقي هادف ومتميز ومتطور ومتحرر من القيود المتخلفة , فالواقع القادم يستدعي بروز حياة إعلامية حقيقية تمتاز بالحرية المسؤولة والمصداقية الكاملة والمهنية الرفيعة ، وبالإلتزام الوطني الهادف والمنسجم مع العمق التأريخي والثقافي والقيمي للمجتمع العراقي , وبضرورة أن يكون للإعلام (( المقروء والمشاهد والمسموع )) سلطة نافذة تعكس واقع البلاد وآمال الشعب العراقي وتطلعات النخب واتجاهات الرأي العام كي يُساعد في خلق حركية مجتمعية تمتاز بالشفافية والمراقبة والمحاسبة إنطلاقاً من أهمية الرسالة الإعلامية التي تستهدف الرقي بالخبر والتحليل والتوعية المجتمعية على تنوعها , كما يجب أن تمتاز الحركة الإعلامية بحماية دستورية واضحة , و أن تعمل ضمن إطار ثوابت الشعب الأساسية وقوانين البلاد السارية , كي لا تقع فريسة اللامسؤولية القيمية أو أن تكون أداةً للتخريب المجتمعي أو أن تُلحق الضرر بعلاقات وسياسات البلد العامة .
* * *