عدنان مسلم.. مؤلف مسيحي يؤرخ لحياة سيد قطب

تاريخ النشر: 11 يوليو 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

استعرض د.عدنان مسلم المحاضر في التاريخ والحضارة الثقافية في جامعة بيت لحم أمام حضور من الأكاديميين مؤخرا ، كتابه الذي أصدره تحت عنوان:" البحث عن الذات في عالم مضطرب" مع عنوان فرعي "قراءة في حياة الداعية الإسلامي سيد قطب وأعماله واتجاهاته الفكرية" . 

وبدأ مسلم محاضرته بالقول:"عندما اكتب عن سيد قطب، فأنا لا أكتب عن شخص غريب عني.. إن إيماني بالتعددية وبالأدوات العلمية في البحث وبقوميتي، جعلني أكرس جزءا من حياتي لسيد قطب كي أكتب عن فكره، رغم اختلافي مع هذا الفكر .. عندما اكتب عن شخص انتمي إليه وينتمي إلي ، عن ابن فلسطين مثلا". 

وحسب صحيفة "الشرق" القطريةأمس الاثنين، فقد غلب على مسلم الحماس العاطفي ، بينما عكست الكلمات التعقيبية "تعصبا" لأفكار قطب لدى اتجاه من المتحدثين و "جهلا" لدى آخرين بأفكار قطب، وكانت كل معلوماتهم عن هذا المفكر الذي ترك علامات فارقة ما زالت مؤثرة وبقوة في المشهد العربي مستقاة من ثقافة سمعية متناقلة. 

وأشار مسلم إلى أن البعض لا يفهم سبب حماسه الكبير تجاه قطب، وقد يتصور افتقاده للموضوعية بسبب الاختلاف الفكري، أو لكونه ينتمي لعائلة من مدينة بيت لحم، تختلف في دينها عن دين سيد قطب، خصوصا أن قطب ليس فقط مفكرا إسلاميا كبيرا بل انه أيضا داعية وحزبي كبير قرن الفكر بالعمل على تطبيق هذا الفكر الأمر الذي أدى إلى نهاية مأساوية للمفكر الكبير.  

يقول مسلم:" الكتاب أصلا رسالة جامعية، كتبت قبل عدة سنوات، عدت إليها مؤخرا، وقمت بترجمتها من اللغة الإنجليزية، ونقحتها مضيفا إليها الكثير، وكنت نشرت العديد من الدراسات عن سيد قطب في مجلات عالمية، وهدفي إنصاف سيد قطب الإنسان".  

وقد طغت على الندوة العلاقة بين سيد قطب والزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر، التي انتهت بإعدام سيد قطب، مما دفع الكثيرين من مؤيدي قطب ومن المختلفين معه إلى تسمية قطب شهيد الكلمة، وحتى غير المطلعين على فكر قطب أشاروا إلى النهاية المأساوية التي انتهت بها العلاقة بين الرجلين ناصر وقطب، كأهم فصل عند ذكر سيد قطب.  

وأكد مسلم أنه لهذا السبب جاء الغلاف حاملا صورتين واحدة لسيد قطب والثانية لعبد الناصر، وأنه أشرف على تصميم وتنفيذ الغلاف بنفسه، وأولاه عناية فائقة وعن ذلك يقول "كان من الصعب أن أفكر في غلاف الكتاب عن سيد قطب دون أن يكون هناك حيز فيه لعبد الناصر، دائما كان هناك سيد قطب، وكان عبد الناصر وبين الرجلين عقدة، كان الرجلان صديقين ثم أصبح عبد الناصر عقدة سيد قطب، وسيد قطب أصبح عقدة عبد الناصر، لقد ألقى عبد الناصر بظلاله على سيد قطب، أما لماذا نفذ حكم الإعدام بسيد قطب في آب 1966 فهو الأمر الذي لا أجد له أي مبرر" ويؤكد:" كان نظام عبد الناصر في تلك السنوات واقفا على أرض صلبة، ولم يكن يحتاج لتنفيذ حكم الإعدام، وربما كان تنفيذ الإعدام هو الذي جعل مثقفا مثلي يقرأ سيد قطب" ويضيف بمرارة واضحة وكأن الإعدام حدث للتو:" لقد هدر دم سيد قطب بدون سبب، عمل سيد قطب مع عبد الناصر قبل تموز 1952 وكان سيد مقربا من الضباط الأحرار، وكان تصوره بما أن العناصر الأساسية التي دعمت ثورة "يوليو" كانت من الإخوان المسلمين، فان اتجاه الثورة سيكون قريبا من فكرهم، ولكن تبين أن لبعد الناصر خططا أخرى، لهذا افترقا".  

ويستخلص مسلم من النهاية المأساوية للمفكر الكبير سيد قطب ، بأنه لا بديل عن النظام التعددي الذي يعطي الفرصة للجميع، ولو طبق هذا في مصر في تلك الفترة، لما حدثت كارثة سيد قطب. 

وجاء غلاف الكتاب الذي أشار إليه مسلم باهتمام يحمل صورة لسيد قطب وهو شاب، تغطي صورته على معظم أجزاء صورة الزعيم الراحل عبد الناصر، للإيحاء بتك العقدة التي ربطت بين الاثنين.  

مقدمتان 

ويدلل مسلم على إيمانه الكبير بحرية الفكر بأنه طلب من اثنين مختلفي الفكر كتابة مقدمتين لكتابه عن سيد قطب، أحدهما الدكتور محمود أبو كتة الذي وصفه مسلم بأن اتجاهه (ديني) وأكاديمي، وآخر صاحب اتجاه (مختلف)، وكان يقصد المسؤول الشيوعي السابق الدكتور وليد مصطفى.  

فيعقب أحد الحضور بأن المقدمتين جاءتا في اتجاه غير الذي كان يقصده مسلم أو يتمناه القارئ "فمقدمة أبو كتة، وإن جاءت أمينة لاتجاه صاحبها السلفي، فإنها كانت مقدمة تقليدية لم تضف شيئا لما يعرفه القارئ عن قطب، بينما كتب مصطفى مجاملا بمسوح موضوعية لم تكتمل دون الإشارة إلى فكر قطب الإشكالي، ودون الإشارة إلى المصدر يقرر مصطفى "بالرغم من أن سيد قطب كتب وعارض الأفكار الاشتراكية والشيوعية، إلا انه دافع عن حرية الشيوعيين المصريين، وطالب قادة الثورة بإطلاق سراحهم، بل رأينا أن الاضطهاد والقمع المشترك للشيوعيين والإسلاميين، من قبل قادة الثورة المصرية دفعا بالقوتين للعمل على تشكيل جبهة مصرية ترد الظلم وتدافع عن حرية الرأي والتعبير وتطالب بسيادة المجتمع المدني الديمقراطي".  

ويقول مسلم: "أريد أن أتحدث عن تجربة الكتابة في سيرة شخص، أحيانا كنت أتخيل أن سيد قطب يقف أمامي، أو أنه يجلس في زاوية ينظر الي، كنت أشعر به حقيقة واقعة، أشعر معه في بداياته في طموحاته وآلامه، ويصبح بالرغم من اختلافي الفكري معه، بطلي، إن شهيد الكلمة هو بطلي". وبعد هذا الاعتراف من مسلم طرح أحد الحضور تساؤلا حول مدى الموضوعية التي يمكن ان ترافق الباحث إذا وقع في هوى بحوثه؟  

فرد مسلم :"الإجابة تكون لدى قارئي الكتاب بالطبع، ثم شرح كيف كتب الكتاب والمصادر التي اعتمدها في كتابته، فيقول:"اعتمدت على ما كتبه قطب نفسه بالأساس، مثل مجلة" الرسالة" الشهيرة التي كانت أهم مجلة صدرت ما بين عامي 1935-1953م ومن خلالها يستطيع الباحث متابعة التطورات والتحولات التي حدثت لسيد قطب".  

وعلى هامش ذكر مجلة الرسالة قال مسلم انه عندما كان يعد رسالته هذه عن سيد قطب طلب من جامعته الأميركية أن توفر له أعداد مجلة "الرسالة"، فتم له ذلك عن طريق الميكروفيلم، وقال متحسرا أين ذلك من جامعاتنا العربية؟ وتساءل ان كانت توجد الأعداد الكاملة لمجلة "الرسالة" أو لغيرها في جامعتنا العربية، فأبدى جميل حمامي، وهو شخصية إسلامية معروفة ملاحظة ان مجموعات كهذه متوافرة للباحثين في الجامعة العربية بالقدس، ويكمل مسلم :"هناك أيضا مجلة "دار العلوم"، التي نشر سيد قطب فيها عام 1939 ما يدحض كتاب طه حسين "مستقبل الثقافة في مصر" ومجلة "العالم العربي" التي نشر فيها عام 1947 وبدأت تظهر فيها ميوله الإسلامية، وشارك قطب في تحرير هذه المجلة، ولكن إذا أردنا رصد تحولات قطب، فيمكن ذلك من خلال مجلة "الفكر الجديد" التي صدرت عام 1948 وهناك أيضا مجلات كـ"الكاتب المصري" و"المقتطف"".  

ويشير مسلم إلى تأثر قطب بعباس محمود العقاد قائلا "كان سيد قطب إنسانا متكاملا، وصعبا جدا، ومتطلباته كثيرة، يريد أن يكتب في كل المجالات، وهو بذلك من مدرسة العقاد، ولكيلا تطغى شخصية العقاد عليه، وليحرر نفسه من سطوة العقاد ،كان توجهه نحو الدراسات الإسلامية". 

الشاعر والمفكر  

واستعرض مسلم الكتب التي أصدرها قطب ابتداء من كتابه الاول عن "مهمة الشاعر في الحياة وشعر الجيل الحاضر" الذي صدرت طبعته الأولى في القاهرة عام 1938 ثم ديوانه الشعري الوحيد "الشاطئ المجهول" الصادر عام 1935 في القاهرة. مشيرا إلى كتاب "الأطياف الأربعة" الذي صدر عام 1945 والذي كتبه سيد قطب بالاشتراك مع أخوته حميدة وأمينة ومحمد القطب، وأهدوه إلى والدتهم، وقال مسلم عن هذه التجربة التي اشترك فيها الأخوة الأربعة بأنها كانت مصدرا عاطفيا وكبيرا لسيد قطب، الذي أمضى سنوات طويلة من عمره عازبا.  

وأضاف مسلم:"بعد هذا الكتاب جاء كتابه المعروف والهام "التصوير الفني في القرآن" عام 1945 وكان هذا الكتاب باكورة أعمال قطب القرآنية، التي مهدت لموسوعته الكبيرة "في ظلال القرآن" الذي صدر في أجزاء متلاحقة ما بين عام 1952-1959م".  

ووصف مسلم كتاب قطب "طفل في القرية" بأنه من أجمل ما كتب سيد قطب أو كتب غيره، وبأنه يذكره بسيرة طه حسين "الأيام" ، وقال عن الكتاب:" لقد كتبه سيد بأسلوب عذب وكان في هذا الكتاب يتحدث عن نفسه وعن طفولته، ومن الكتب التي يمكن الإشارة إليها في هذا الجانب أيضا روايته "أشواك" التي صدرت طبعتها الأولى عام 1947 وهي تصور تجربة حب بين شاب وفتاة تنتهي بالافتراق، ويسود الاعتقاد ان سيد كان يتحدث فيها عن تجربة شخصية له وهي تعبر عن شعوره الداخلي".  

ويقول مسلم عن كتاب قطب "مشاهد القيامة في القرآن" 1947:" كنت أدرس في الخارج عندما تم إعدام سيد قطب عام 1966 ولم اعرف عن الإعدام بسبب البعد أو عدم الاهتمام، ولكن صادف في تلك الفترة أن نظمت جمعية طلابية إسلامية معرضا للكتاب، وذهبت واشتريت هذا الكتاب، ولسبب ربما قدري بقي هذا الكتاب معي في كل الأمكنة التي تنقلت فيها وكان مرافقي الدائم، انه كتاب جميل جدا، وما زال معي حتى هذه اللحظة وربما كان أمرا قدريا أن ارتبط بسيد قطب لحظة اشتريت ذلك الكتاب" كما يشير مسلم إلى كتاب قطب "النقد الأدبي: أصوله ومناهجه" مؤكدا ما اتفق عليه دارسو قطب بأنه لو لم يشتهر قطب كداعية إسلامي لكان اشتهر كناقد أدبي.  

وختم مسلم محاضرته موجها كلامه إلى الحضور بقوله:"أتعرفون أن سيد قطب صنع نجيب محفوظ؟ وكان بينهما ود كبير" وهنا علق أحد الحضور بأن هذه المبالغة لا يقدم عليها إلا محب لسيد قطب، لكنها تحمل نصف الحقيقة، فصحيح ان سيد قطب وآخرين كالناقد أنور المعداوي بشرا بنجيب محفوظ إلا أن السبل بين الرجلين تفرقت خصوصا، وأن اتجاه قطب للدراسات الدينية كان يحتم على الأقل بمنظور معين مثل ذلك الافتراق، وإذا كان مؤرخو الأدب يحفظون موقف سيد قطب من خلال ما كتبه مبكرا عن روايات نجيب محفوظ الأولى، فإن وجهة نظر مختلفة لنجيب محفوظ في سيد قطب ضمنها روايته "المرايا" التي خصص أحد فصولها للكتابة عن شخصية استوحاها من سيد قطب - - (البوابة)