عابر.. خالد ابو الخير

تاريخ النشر: 20 ديسمبر 2008 - 06:07 GMT

 

يعبر ظله خفيفا في الطرقات المبتلة باخر مطر.

 

يعبر.. كوجع طاريء، يمسح باطراف ظله الأرصفة واعتاب البيوت والنوافذ التي تراكم الأصفر على حوافها، ووجوه نسوة  انهمكن لتوهن في محادثة عابرة.. على الباب، وفتيات يانعات، بردائهن المدرسي، وبائع الكعك الصباحي، ورهط من العمال يتأهبون ككل يوم.. ليوم كدح اخر.

 

يعبر.. بخفة الهواء.. كشيء مألوف.. او كناي شارد من طرقات الرعاة.

يمر..دون ان يثير اهتمام احد.. دون ان يحدث جلبة تليق بالمشهد الصباحي الشهي. فلا تطير العصافير صوب زرقة سماء.

 

  لا احد يعرف من اين يجيء؟.

 لا احد يعلم الى اين يمضي..؟

 

مرات.. خالت نسوة وفتيات طرقت العنوسة ابوابهن انه يستهدفهن بمجيئه.

 

حاكت ثلة منهن، من اولئك اللواتي نام الصبا والشغف في غير مخادعهن، حكايا مثيرة عن الغريب الذي يمر دون موعد: وسيما.. وكئيبا، كشمعة تتنقل على ارجل.

اخرى.. تنازعت فيها مراهقات محبته، وأصبن بالخيبة..!

 

عامل ادعى مرة انه يعرفه.. درسا في صف واحد قبل ان تفرق بينهما الدنيا.. قبل ان يجن.

 

الا أن ذلك الادعاء كان سهلا دحضه، فلم تبد عليه ابدا اية علائم لجنون، عدا عبوره في كل الاحوال.. في هذا الحي وذاك.. وذاك.. كانه يدور في دائرة لا تنكسر.

 

 

.. يقبل شاحبا كخريف، بخطى متأنية.. خصلة شعر غجرية تتناثر على جبهته، وغالبا ما تحجب، الق عينيه الدافئتين. ودوما.. وردة تتدلى من عروة سترته، يلوح انها ذابلة..! يرتدي ملابسا تتغير، غير انها داكنة الالوان في كل الفصول. اذا صادفه احد وحياه، يرمقه بنظرة حنونة.. وتنفرج شفتاه عن ابتسامة عرفان.

لم تنجح مساعي احد في اجراء محادثة معه.. حتى عندما اعتدى عليه رهط من شقاوات الحي.. لم يفلحوا .. رغم انهم أدموه، في ان يجعلوه ينبس ببنت شفة.

 

بعد يوم.. عاد يعبر يسكب البسمة من شفته الجريحة ووجنتيه.

 

 

..يعبر خفيفا في الطرقات المبتلة.. تحرك مشاعره بسمة طفل، دمعة كهل، رف عصافير،او هفهفة ثوب مدرسي لفتاة تضرب الحجارة في طريقها.. يضحك بجذل، كطفل، او يبكي بألم. يكتفي باستراق النظر الى الاشياء.. لعله ليس منها.. لعله ببساطة لا ينتمي اليها. قال متفلسف عض وجودية سارتر لتوه.

 أخر،قال يفرك كفا بكف متأبطا النضال الاممي: هه.. انه مقلد فاشل لغيفارا..!

 

ولما طال الحديث عنه.. كثرت الشائعات. قيل انه رجل أمن يتسقط اخبار الحي.. والاحياء الاخرى،  وقيل انه مجرم هارب من حزمة احكام، وقيل انه ثري اختار ان يتسلى ويلعب لعبة "العبور".. في المدينة الجامدة. قيل وقيل وقيل.

 

وظل.. قلقا في صدر البيوت، ترقبه النسوة والاطفال يعبر في الايام الماطرة تحت النوافذ كظل.. حتى الثلج لم يمنعه من العبور..سار عليه في الصباحات الصقيعية، كسائر الى هدف لا يحيد عنه. كثيرا ما تعثر وسقط واثار قهقهات ساخرة.

 

يعبر ظله خفيفا في الطرقات المبتلة باخر مطر.

يعبر.. يمسح باطراف ظله ارصفة الطرقات ووجوه من عليها.. دون ان يمل من العبور.

 

 

..

 

اشارة الى من يهمه الامر:

عذرا لتأخري في الكتابة..

احيانا.. يحدث هذا بلا سبب.. او لاسباب.