سيبقى الجرح الذي تركته رصاصة إسرائيلية في جمجمة الفلسطيني محمود قصراوي (19 عاما) قائما إلى حين، لكن المواجهة التي ربما انتهت إلى موت محقق ليست برأيه سوى "أمر عادي".
وهذا العامل السابق في إسرائيل الذي أفقدته الإصابة البالغة القدرة على النطق السليم، واحد من آلاف عدة أصابهم رصاص الجيش الإسرائيلي منذ اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الحالية أواخر شهر أيلول/سبتمبر الماضي.
ويروي قصراوي بلسان ثقيل كيف كان يقوم برحلة صباحية يومية قاطعا مسافة خمسة كيلومترات "لمنازلة الجنود الإسرائيليين خارج بلدته طوباس في شمال الضفة الغربية".
ويقول "كنت على بعد نحو 15 مترا من الجندي عندما سقطت"، مضيفا ردا على سؤال إن كان فكر في مسالة الموت؟ "لا. أبدا. الموت أمر عادي ويجب أن يموت أشخاص كي يحيا اخرون بحرية".
وربما كان الموت المتمثل بسقوط ضحايا فلسطينيين صرعى لرصاص الجنود الإسرائيليين هو السمة الرئيسية ليوميات الانتفاضة التي حصدت أرواح اكثر من 180 فلسطينيا في غضون أربعين يوما فقط.
وقد غدت الجنازات اليومية وبيوت العزاء التي انتشرت في مختلف أنحاء الضفة الغربية وقطاع غزة إحدى طقوس المواجهات الدامية بين راشقي الحجارة الفلسطينيين عراة الصدور والجنود الإسرائيليين المدججين بمختلف أنواع السلاح.
ومع كل يوم يمر يحصي الفلسطينيون شهداءهم، ليبدأ الأعداد لتشييع الضحايا في مسيرات ما تلبث ان تتحول الى تظاهرات لتنتهي بصدامات مع الجيش الإسرائيلي، ما يؤدي إلى ارتفاع حصيلة القتلى بشكل مطرد.
ولا يتوقف تدفق الجمهور على بيوت العزاء التي يؤمها الاف، بل ان المستشفيات والمراكز العلاجية مثل "جمعية بيت لحم العربية للتأهيل" حيث يرقد قصراوي وزميلاه يوسف علي (20 عاما) وغسان خلاوي (18 عاما) تعج هي أيضا بالزوار الذي يعودون جرحى "انتفاضة الأقصى" كما يسميها الفلسطينيون.
ولا تختلف مسالة مواجهة الموت بكل بساطة كثيرا بالنسبة ليوسف وهو أيضا عامل سابق في إسرائيل ومتزوج دون أطفال.
وقال يوسف الذي أصيب في ساقه برصاص إسرائيلي في قرية تقوع الى الشرق من بيت لحم "لم يكن أحد من أهلي يعلم بالأمر ولا حتى زوجتي. كنت اجتمع أنا ورفاقي ونذهب سويا إلى الحاجز العسكري الإسرائيلي حيث يتواجد الجنود الإسرائيليون ونبدأ يوما جديدا برشقهم بالحجارة".
واضاف "لا ادري إن كنت قد فكرت بالموت، ولكن الموت قدر وسنموت علي اي حال".
أما غسان خلاوي فان قصته مع الموت تختلف قليلا إذ انه أصيب عندما وجد نفسه في مرمى نيران أسلحة ثقيلة إسرائيلية فاجأته ومجموعة من أقربائه في بلدة ارطاس إلى الجنوب من بيت لحم بينما كانوا يقومون بسقف إحدى البنايات.
ويتحدث خلاوي عن إصابته في ساقه وهي إصابة كان يمكن أن تودي بحياته، باستخفاف تام وكأن الأمر مجرد قصة عابرة.
ويقول والبسمة تعلو وجهه المشرق "لم اصب خلال صدامات مع الجيش، داهمنا رصاصهم ونحن في غفلة من امرنا وانتهى الأمر" مضيفا انه لا يعلم أن كان "فكر بالموت أم لا ".
لكن الطبيب الياس حنا، المشرف على علاج قصراوي وزملائه يرى في المسالة بعدا آخر خصوصا في ما يتعلق بالإصابة في ظروف كتلك التي تعرض فيها هؤلاء الشبان فيها لموت محقق.
فيقول "انهم الان في ذروة مرحلة البطولة، لكن مع بدء تقلص عدد الزوار سينتقلون إلى مرحلة الإحباط قبل الانتهاء الى مرحلة الواقعية عندما يعودون الى المجتمع بإعاقات تجعلهم يشعرون انهم اقل شأنا من الاخرين".
واضاف "عندها فقط يمكن ان يبدأوا بالتفكير في الذي حدث لهم".
وثمة حالة اخرى تصبغ موت الفلسطينيين برصاص الإسرائيليين بطقوس جديدة، وهي قصة إصابة غزالة جرادات (13 عاما) برصاصة مطاطية إسرائيلية وهي تغادر وقريناتها باحة مدرستها في بيت عانون عند الطرف الشرقي لمدينة الخليل.
وبينما ترقد غزالة فاقدة الوعي في غرفة العناية المكثفة في المستشفى الأهلي في الخليل، تضطر عائلتها للرد على رواية للجيش الإسرائيلي تدعي أنها أصيبت في حادت سير في حين يؤكد المستشفى ان غزالة وان تجازوت مرحلة الخطر ستعيش بإعاقة دائمة، وقد أدخلت المستشفى مصابة برصاصة كسرت عظم جمجمتها—(أ.ف.ب)
