صلاح أبو سيف‏:‏ ودراما توظيف القوة

تاريخ النشر: 19 يونيو 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

تعد الحملة الفرنسية في عام‏ 1798م حدثا فاصلا في تاريخ مصر الحديثة‏، وهو الحدث الذي ظهر من خلاله مدى تخلف الأفكار وضعف المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في المجتمع‏، وقد استقطب هذا الحدث الكثير من جهود المفكرين والمؤرخين والأدباء والفنانين‏، سواء من أجل تحليل مواطن الضعف في تلك الأفكار والمؤسسات‏، أو من أجل تصور تلك الشروط الفكرية والموضوعية لنهضة المجتمع المصري‏.‏  

وقد مثلت تلك الجهود تيارا ممتدا علي مدي قرنين من الزمان‏.‏ وينضم المخرج الكبير صلاح أبو سيف‏(1915ـ‏1996)‏ الى هذا التيار باستخدامه للغة السينما‏، وذلك علي مدى مشواره الفني منذ إخراجه لفيلمه الأول "دايما في قلبي" عام‏1946، حتى آخر أفلامه "السيد كاف" عام‏1994، والذي بلغ‏41‏ فيلما‏.‏ 

وتعبر أفلام المرحلة الواقعية‏، التي أخرجها خلال فترة الخمسينات والستينات والسبعينات‏، عن رؤية صلاح أبو سيف لأسباب تخلف المجتمع المصري وشروط تجاوز هذا التخلف‏، وتمثل تلك الأفلام حياة البسطاء من الناس الذين يمثلون الطبقة الفقيرة‏، والشريحة الدنيا من الطبقة الوسطي في الريف والمدينة‏، وأبطال تلك الأفلام من الأميين ومن ذوي التعليم المحدود‏، كما في فيلم "الاسطى حسن‏"(1952)‏ و"الوحش‏" (1952)، و"شباب امرأة‏" (1956)‏ و"الفتوة‏"(1957)‏ و"الزوجة الثانية‏" (1967).‏  

كما أن بعضهم من المتعلمين كما في فيلم "بداية ونهاية‏"(1960)، و"القضية‏" (1968)، "وحمام الملاطيلي‏" (1973).‏ 

والمجتمع الذي تعبر عنه تلك الأفلام يعيش في حالة أزمة‏، ويعكس قدرا كبيرا من التوتر والصراعات‏، مصدرها ذلك الاسلوب الذي يجري به إدارة وتوظيف القوة بأشكالها المختلفة من قبل أفراد المجتمع‏.‏ 

فالمجتمع عادة يقدم الفرص للجميع والامكانيات برغم ندرتها تكفي الكل وزيادة‏.‏ لكن الخلل ينشأ نتيجة لذلك الإفراط في الاستحواذ علي القوة‏(‏ الثروة والنفوذ‏)‏ من جانب والتفريط في استخدام تلك القوة‏(‏ القيم الاخلاقية للمجتمع ـ القوة المعنوية والامكانيات الجسدية والمهارات العقلية للفرد‏)‏ من الجانب الاخر‏.‏ 

فهناك اذن مواجهة للخلل الناتج عن الاستغلال الذي تعاني منه الطبقة العاملة‏.‏ يرى حسن‏(‏ الاسطي حسن‏)‏ ابن بولاق الفقير‏، خلاص الفردي في تلك العلاقة مع أحد نساء حي الزمالك‏، وقرني‏ في‏(‏ فيلم الوحش‏)‏ في مواجهة عبد الصبور الذي يمثل ابشع صور الإقطاع‏، يلجأ الى الصمت المطبق‏.‏ 

وفاطمة‏(‏ الزوجة الثانية‏)‏ في مواجهة جبروت العمدة الذي تزوجها وهي حامل من زوجها الأول بعد أن أجبره علي طلاقها‏، تلجأ بطريقة فردية تماما اعتمادا علي الحيلة وحدها، وبدون مساعدة أي طرف آخر إلي مقاومة هذا الزواج‏.‏ وحسن‏(‏ في بداية ونهاية‏)‏ يجد خلاصة الفردي في محاولة الزواج من ابنة الباشا‏.‏ وهو نفس السلوك الذي لجأ اليه إمام‏(‏ في شباب امرأة‏)‏ وأحمد طه‏(‏ في حمام الملاطيلي‏).‏ 

تواجه النماذج السابقة خللا‏، سببه الظاهر هو معاناتهم من مشكلة الفقر أو انعدام فرص العمل أو ضعف الأمل علي تحسين مستوي الحياة‏.‏ لكن السبب الكامن هو تلك العزلة والفردية التي تمارسها هذه النماذج عند تصحيح هذا الخلل‏.‏ وهو ما يمثل التفريط في استخدام القوة الحقيقية التي يملكها الافراد‏.‏ وهو السلوك الذي يؤدي الي الفشل في نهاية الأمر‏.‏  

ولايمثل هذا الوضع غير أحد جوانب هذا الخلل‏.‏ إذ أن الافراط في الاستحواذ علي القوة يعد هو الجانب الاخر من المشكلة‏.‏ فهو عمل فردي بالأساس تمارسه القلة من الأفراد‏,‏ كما أن الافراط في احتكار تلك القوة واساءة استخدامها بدون حدود‏، يؤدي هو الآخر الي تدمير هؤلاء الأفراد‏.‏ 

ويعبر فيلم الزوجة الثانية أصدق تعبير عن مأزق الإفراط في استخدم القوة‏.‏ وهو مايبدو في مصير العمدة الذي استخدام كل مايملك من نفوذ وسطوة وسيطرة ليحقق هدفه في الزواج من فاطمة وعندما يكتشف في النهاية فشل كل أهدافه‏، نراه يسير وحيدا منهارا في نهاية الفيلم في مشهد من أهم مشاهد السينما العربية‏، يردد عبارة‏(‏ أنا اللي جيبته لنفسي‏، أنا اللي استاهل كل اللي يجرالي‏).‏ وتصل المفارقة أقصاها عندما يتلقي التهاني بمولود يعرف أنه ليس أبنه من هؤلاء الذين شجعوا علي استغلال قوته‏.‏  

كما يصل الشعور بالضعف والعزلة مداه عندما يصل الي اسماعه أهل القرية يرددون‏(‏ الراجل اتجنن من الفرحة يا ولاد‏).‏ 

ويواجه المعلم أبو زيد‏(‏ في فيلم الفتوة‏)‏ الذي يمارس أبشع صورة الإحتكار‏، وعبد الصبور‏(‏ في فيلم الوحش‏)‏ الذي يمارس الإرهاب والقتل للاستحواذ علي أراضي الفلاحين‏، ويفرض الإتاوات علي التجار‏، نفس المصير وهو السقوط أو الموت‏، ويمثل هريدي‏(‏ في فيلم الفتوة‏)‏ مفارقة استخدام القوة‏.‏ فقد عاني في البداية من الانسحاق والاهانة أمام جبروت أبو زيد‏.‏  

وعندما يستحوذ علي القوة بدلا منه‏، يقع هو نفسه في مأزق إساءة استعمالها تحت وطأة القيم الفردية‏، وهو ماينتهي به الي نفس نهاية أبو زيد‏.‏ 

 

حاول المخرج الكبير صلاح أبو سيف من خلال تلك الاعمال توضيح فكرة مهمة وهي‏ أن عدم الاستخدام العقلاني لأشكال القوة وبالتالي عدم القدرة علي توظيفها في بناء مؤسسات المجتمع المدني وتأسيس هياكل للسلطة بديلة لتلك المؤسسات القديمة القائمة علي نفوذ العلاقات الشخصية‏ كان وراء عجز المجتمع عن مواجهة تلك التحولات والأزمات التي صاحبت أربعة مشروعات نهضوية‏.‏_(البوابة)--(مصادر متعددة)