كتبت مجلة "أتلانتك أون لاين" الأميركية تقريراً مطولاً تحدثت فيه عن حياة الرئيس العراقي صدام حسين تحت عنوان "حكايات الطاغية". وفيما يلي الحلقة الثالة من تقرير المجلة.
عقيدة صدام
يرى صدام أن الجزيرة العربية منبع الحضارات وأن اليوم الذي ستسود فيه الحضارة العربية قادم لا محالة. وعندما يأتي ذلك اليوم سواء أثناء حياته أو بعد قرن أو حتى خمسة قرون من الآن فإن اسمه سيكون في رأس القائمة مع أولئك الرجال من عظماء التاريخ. ويرى صدام نفسه أيضا واحداً من عظماء الرجال الفاتحين، الأنبياء، الملوك والرؤساء، المثقفين، الشعراء والعلماء.
وهو لا يرى غضاضة ما إذا كان على إدراك بمساهماتهم أو أفكارهم، ولكن الأمر المهم بالنسبة له تاريخ أولئك الذين لم يذهبوا طي النسيان ونالوا التشريف بسبب إنجازاتهم.
في كتابه صانع قنبلة صدام (2000)، يتذكر خضير حمزة، وهو عالم ذرة عراقي، لقاءه الأول مع صدام حين كان نائباً لمجلس قيادة الثورة. دخل صدام مكتب حمزة الذي جهز لتوه بجهاز كومبيوتر جديد وكبير، أبدى صدام اهتماماً ضئيلاً بجهاز الكومبيوتر وركز جل انتباهه على مجموعة من الصور كان حمزة ألصقها على جدران مكتبه حيث كانت كل صورة لعالم شهير بدءاً من كوبرنيكس حتى آينشتاين. وكانت هذه الصور قد أخذت من مجلات.
سأل صدام عن الصور وماهيتها. أجابه حمزة، هذه الصور سيدي لعظماء العلماء على مر التاريخ. يذكر حمزة أن "صدام" قال له غاضباً، "أية إساءة اقترفتها نحو هؤلاء العظماء. ألا يجدر بك أن تضع صورهم ضمن إطار بدل أن تعلقها على الجدران هكذا؟" ألا تستطيع تكريهم بصورة أفضل من هذا؟
بالنسبة لحمزة، كان غضب صدام غير منطقي وهيجانه لا مبرر له، وفسر ذلك بأنه طريقة لاختباره ووضعه في مكانه الصحيح. ولكن "صدام" شعر أنه أهين بعض الشيء. ويقول حمزة إنه لمعرفة سبب غضب صدام يجب معرفة الصلة التي يشعر بها نحو عظماء التاريخ ومع التاريخ نفسه، فعدم تقدير واحترام صورة كوبرنيكس يعتبر في نظر صدام عدم تقدير له.
كيف يرى صدام نفسه عظيماً؟ يقول سعد البزاز إنه فكر بهذا السؤال ملياً حين كان محرراً لصحيفة ومنتجاً تلفزيونياً في بغداد وناشراً لصحيفة عربية في لندن فيما بعد. ويقول الصحفي إن التصرف اليومي للمرء ينبع من عقليته. يمكن أن يقول معظم الناس إن الصراع داخل المجتمع العراقي صراع طائفي بين السنة والشيعة، ولكن الهوة السحيقة ليس لها علاقة بالدين. إنها بين العقلية السائدة في القرى وبين العقلية في المدن.
ويضيف البزاز، "في القرى تبعد البيوت عن بعضها لأن كل عائلة في الريف لها منزلها الخاص وتكون البيوت في بعض الأحيان بعيدة عن بعضها البعض عدة أميال. أنهم مكتفون ذاتياً لأن الناس في القرى يزرعون للحصول على الطعام ويخيطون ملابسهم بأنفسهم وهم يخافون من كل شيء حيث لا يطبق قانون فعلي و لا يوجد مجتمع مدني في هذه المناطق. كل عائلة تخاف من الأخرى، وجميعها تخاف من الخطر الذي يأتي من خارجها.
هذا هو العقل العشائري حيث يكون الولاء للعائلة أو القرية التي يحكمها شيخ والقرية التي يحكمها أقوى هؤلاء الشيوخ. ويأتي الولاء للعشيرة قبل كل شيء ولا توجد قيم فوق القوة. باستطاعتك الكذب، الخداع، السرقة وحتى ارتكاب جرائم القتل ويمكن أن يمر كل ذلك دون عقاب طالما كنت ابنا مخلصاً للقرية أو العشيرة.
وتعتبر السياسة بالنسبة لهؤلاء الناس لعبة دموية تتعلق بالتمسك بالسلطة.
أما المدينة بالنسبة للبزاز فقد تركت الصلات العشائرية خلف ظهرها ويعيش الجميع فيها بالقرب من بعضهم البعض. وتعتبر الدولة الجزء المهم من حياة كل فرد في المدينة حيث يعمل سكانها ويشترون طعامهم وكساءهم من الأسواق. كما تتمتع المدن بالقوانين، الشرطة، المحاكم والمدارس. والناس في المدن لا يخافون الغرباء ويبدون اهتمامهم بالأشياء الأجنبية. وتعتمد الحياة في المدينة على التعاون وشبكات اجتماعية معقدة. كذلك تحدد المصالح المشتركة السياسية العامة، فليس بإمكانك الحصول على شيء دون التعاون مع الآخرين، لذا تصبح السياسة في المدن نوعاُ من التنازل والشراكة، ويصبح أعلى هدف للسياسة التعاون، المجتمع والمحافظة على السلام. وبعبارة أخرى، يصبح تعريف السياسة في المدينة عدم العنف. إن العمود الفقاري للسياسة المدنية ليس الدم بل القانون.
وفي نظر البزاز، يحمل صدام العقلية العشائرية فهو الزعيم الأوحد وزعيم القرية الذي أمسك بزمام السلطة في أمة بأكملها وبسبب خلفيته الريفية يشعر أن القدر ثبته حاكماً. فكل شيء يقوم به هو الشيء الصحيح وأن السماء اختارته لقيادة الأمة. وبسبب نجاته مرات عدة من الاغتيال يترسخ الاعتقاد لديه بأن الله حماه.
وفي السنوات الأخيرة أخذ يتلو آيات من القرآن الكريم مثل "لئن شكرتم لأزيدنَّكم".
وفي مطلع التسعينات ظهر صدام على التلفزيون وهو يقدم الجوائز لضباطه قائلاً لهم نفس الآية، إنه لم يعد يؤمن بأنه شخص عادي، لذا فإن الحوار معه مستحيل. وهو لا يفهم لماذا يجب أن يسمح للصحفيين بانتقاده. كيف لهم أن ينتقدوا أبا العشيرة؟ هذا شيء غير مقبول لديه لأن القوة بالنسبة له كل شيء. أما السماح بالنقد أو اختلاف الآراء، المفاوضات أو التنازلات والاحتكام إلى القانون أو أصول المحاكمات فهي تعني بالنسبة له علامات ضعف.
صدام ليس وحده المعجب بسلسلة أفلام العراب، فكان هناك معجبون آخرون مثل زعيم مافيا الكوكايين الكولومبي بابلو إسكوبار.
على الرغم من تحمس صدام لتاريخ العرب، إلا أنه يعترف ولو بغير رضا في بعض الأحيان بتفوق الغرب في شيئين: الأول تقنية السلاح مما يفسر جهوده التي لا تعرف الكلل لاستيراد المعدات العسكرية وتطوير أسلحة الدمار الشامل.
أما الشيء الثاني فهو فن اكتساب السلطة والتمسك بها. لقد أصبح تلميذاً لأكثر القادة استبداداً في التاريخ وهو ستالين.
يقول سعيد أبو ريش في كتابه صدام حسين: سياسة الثأر (2000) إن اجتماعاً عقد عام 1979 بين صدام والزعيم السياسي الكردي محمود عثمان. كان الاجتماع في الصباح الباكر حيث استقبل صدام الزعيم الكردي في مكتب صغير في أحد قصوره، وبدا لعثمان أن "صدام" بات ليلته التي سبقت الاجتماع في ذلك المكتب حيث شاهد سريراً في إحدى زوايا المكتب واستقبله صدام وهو يرتدي لباس الحمام.
ويذكر عثمان أنه شاهد بجانب السرير أكثر من 12 زوجاً من الأحذية غالية الثمن. أما باقي أجزاء المكتب فكانت عبارة عن مكتبة صغيرة تضم كتباً حول رجل واحد وهو ستالين.
في قرى العراق يفكر زعيم القرية في شيء واحد وهو التوسع والدفاع عن سطوة عائلته.
عندما تسلم صدام السلطة، كان هناك مثقفون عراقيون لديهم أمل فيه. لذا قبلوا طغيانه كشيء لا مفر منه وربما كجسر ضروري للوصول إلى حكومة أكثر شمولية واعتقد هؤلاء كما اعتقد البعض في الغرب، أن هذه النظرة كانت في الأساس عصرية. ولكنهم كانوا مخطئين في هذا التصور وأصبحوا محبطين تدريجياً.
في أيلول/سبتمبر 1979 حضر صدام حسين مؤتمراً لدول عدم الانحياز في كوبا حيث بنى صداقة مع فيدل كاسترو الذي استمر في تزويده بالسيجار الكوبي. ذهب صدام إلى الاجتماع مصطحباً معه صلاح عمر العلي الذي كان يشغل آنذاك السفير العراقي في الأمم المتحدة، وهو منصب قبله الأخير بعد العيش مدة طويلة في الخارج كسفير لبلاده. اجتمع صدام والعلي مع وزير الخارجية الإيراني الجديد آنذاك وكان صدام قدم تنازلاً مفاجئاً للشاه قبل أربع سنوات حيث توصل إلى اتفاق معه حول الملاحة في شط العرب وكان البلدان يتنازعان على شط العرب منذ مدة طويلة. وفي عام 1979 حين كان الشاه يجوب العالم في بحث عن علاج للسرطان بعد أن فقد السلطة التي أصبحت في يد آية الله الخميني والذي كان صدام قد طرده من العراق قبل عام من ذلك توترت العلاقات بين البلدين مرة ثانية وأصبح شط العرب نقطة تفجر محتملة.
ولكن العلي كان مندهشا من أسلوب المحادثات في كوبا حيث كان ممثلو إيران معتدلين وصدام في أفضل مزاج. بعد الاجتماع جلس صدام والعلي في حديقة خارج قاعة الاجتماع وأشعل صدام سيجارا طويلاً.
قال صدام: حسنا صلاح! أراك تفكر في شيء ما، ماذا تفكر فيه؟
قال العلي: أفكر سيدي الرئيس بالمؤتمر الذي خرجنا منه لتونا. أنا سعيد جدا بأن المشاكل الصغيرة التي ناقشناها سوف تجد حلولا لها. أنا سعيد جدا لأنهم اغتنموا هذه الفرصة للقائك وليس لقاء أحد وزرائك لأن وجودك هنا يجنبنا مشكلة أخرى معهم. نحن جيران وشعوب فقيرة، ولسنا بحاجة إلى حرب أخرى. نحن بحاجة لإعادة بناء بلدينا وليس تدميرهما.
صمت صدام بعض الوقت وهو يدخن السيجار ويفكر، ثم سأل العلي عن عدد سنين خدمته كدبلوماسي فأجابه العلي، حوالي عشر سنوات. قال صدام: هل تدرك يا صلاح كم تغيرت؟ أجاب العلي: كيف سيدي، فتابع صدام قائلا، "كيف علينا حل مشاكلنا مع إيران؟ إنهم يسيطرون على شط العرب، نهرنا الكبير. كيف للاجتماعات والمناقشات أن تحل مشاكل بهذا الحجم، هل تعلم لماذا قرروا الاجتماع معي هنا يا صلاح؟ إنهم ضعفاء ولذا فهم يتحدثون إلينا، ولو كانوا أقوياء لم يكن هناك حاجة لهم ليتحدثوا معنا.
إنّ هذا يعطينا فرصة تاريخية نادرة، لدينا فرصة لإعادة السيطرة على أراضينا واستعادة سيطرتنا على نهرنا.
أدرك صلاح العلي أن صدام كان يلعب مع الإيرانيين وأن العراق ذاهب إلى الحرب معهم.
صدام لم يكن لديه اهتمام بالدبلوماسية لأنها كانت بالنسبة له لعبة هدفها المناورة مع الأعداء، وإن وجود شخص كصلاح العلي في ذلك الاجتماع مجرد تظاهر يقصد به فحص الموقف وتكوين رأي حوله والبحث عن فرص وتهدئة الأعداء من خلال إعطائهم شعوراً بالأمن، وخلال عام من ذلك الوقت بدأت الحرب الإيرانية العراقية.
انتهت الحرب بصورة مرعبة فبعد ثماني سنوات من اندلاعها قتل مئات آلاف العراقيين والإيرانيين.
وكان يمكن للزائر بعد الحرب بسنة أن يرى واحداً من بين اثنين في شوارع بغداد يعاني من فقد لأحد أطرافه بسبب هذه الحرب. لقد خربت البلاد وكلفت الحرب العراقيين بلايين الدولارات وادعى صدام أنه استعاد سيطرته على شط العرب. وعلى الرغم من الخسائر الفادحة فقد كان صدام مفعماً بنشوة النصر.
بحلول عام 1987 ازداد عدد أفراد الجيش العراقي بسبب الخدمة الإلزامية وتزويده بالمعدات العسكرية الغربية وأصبح الجيش العراقي رابع أكبر جيش في العالم. حيث أصبح يمتلك ترسانة من صواريخ سكود وبرامح أسلحة نووية قيد الإعداد وأسلحة كيماوية وبيولوجية قاتلة في مرحلة التطوير وعلى الفور بدأ صدام بالتخطيط لمزيد من الغزو.
كان الغزو العراقي للكويت في آب/أغسطس عام 1990 من أكبر الأخطاء في الحسابات في التاريخ الحديث وكانت نتاجاً لعرض منمق من الكلام. وبتشجيع من نصره على إيران، بدا صدام ببناء نظام أنفاق على مستوى عال في بغداد يكلف بلايين الدولارات وصرح بعد ذلك أنه سينشئ أحدث نظام للسكة الحديدية. لم يتم تطبيق أي من المشروعين بسبب الحاجة إلى المال وكان كل ما لدى صدام حوالي مليونا من الجنود العاطلين عن العمل بإمكانهم احتلال جارتهم الكويت الغنية بالنفط بكل سهولة. قامر صدام بهذا المغامرة ظاناً أن العالم لن يبالي لذلك ولكنه كان على خطأ. فبعد ثلاثة أيام من احتلال صدام للكويت أعلن الرئيس جورج بوش الأب "أن هذا لن يستمر" وبدأ على الفور بتجميع أكبر قوات عسكرية في تاريخ المنطقة. انتظر الجنود العراقيون بقية عام 1990 وجزءاً من عام 1991 في الصحراء الكويتية الهجوم الأميركي المعاكس. وكان من ضمن هؤلاء الجنود إسماعيل حسين وهو شخص قصير القامة يعمل مغنياُ وموسيقياً ومؤلفاً للأغاني، وكان هذا الموسيقي مكرها على ارتداء الملابس العسكرية ويدرك كغيره من الجنود العراقيين أنهم لا ينتمون إلى الكويت وكانوا يتمنون لو أنهم لم يقاتلوا هناك أبداً. فالجميع يعلم أن الولايات المتحدة لديها جيش أكبر ومعدات أكثر وأسلحة أفضل.
وكان صدام بكل تأكيد يستطيع التوصل إلى اتفاقية تحفظ ماء وجهه وتساعد جيشه على الانسحاب بطريقة سلمية. لكن ذلك لم يحدث وبقي الجنود العراقيون ينتظرون حتى علموا أخيراً أن الحرب آتية لا محالة. قرر حسين، الموسيقى في الجيش العراقي، أنه ميت فعلا.
لم يكن هناك أي أمل حيث أن الموت في كل مكان. فإذا ذهب إلى الخطوط الأميركية فسيقتل، وإذا بقي في العراء فربما يفجرون رأسه.
وإذا حفر خندقاً وجلس فيه فإن القاذفات الأميركية قد تخلط أشلاء جسده بالرمل.
وإذا ما قرر الهرب فإن قادته سيقتلونه لأنهم أنفسهم سيواجهون الموت إذا هرب جنودهم وستوضع علامة على نعشه تنعته بالجبان وستوصف ذكراه بالخزي ويبتعد الجميع عن عائلته.
كذلك لن يتسنى لهم قبض راتب تقاعدي من الدولة ولن يحصل أبناؤهم وبناتهم على التعليم الثانوي.
فكلمة "جبان" ستلطخ اسم العائلة لأجيال قادمة. لذا لم يكن هناك مفر من البقاء حيث إن أي عمل آخر هو أسوأ من البقاء مع بقية الجنود ومواجهة الموت. وكان لدى الوحدة التي ينتمي إليها الموسيقي حسين مدفع مضاد للطائرات ولكنه لم ير طائرة أميركية واحدة يمكن أن تطلق النار عليها من المدفع.
كان جلياً لكل فرد من القوات العراقية، من المتطوعين أمثال إسماعيل حسين وحتى أكبر جنرالات صدام حسين أنهم لن يصمدوا أمام هذه القوة.
أما صدام فلم ير ذلك بهذه الطريقة. ويتذكر البزاز أنه صعق لهذه القصة التي رواها. فقد عقدت القيادة العراقية اجتماعاً رهيباً في 14 كانون الثاني/يناير 1991 أي قبل يومين من بداية الهجوم الذي شنه الحلفاء على العراق. كان صدام قد فرغ لتوه من الاجتماع مع السكرتير العام للأمم المتحدة آنذاك والذي ذهب إلى العراق في الساعة الأخيرة لمحاولة التفاوض حول حل سلمي للأزمة.
استغرق الاجتماع مع السكرتير العام للأمم المتحدة أكثر من ساعتين ونصف وكانت الآمال عالية بأن يكون قد تم التوصل إلى حل. وبدلا من ذلك خرج صدام وأبلغنا، يقول البزاز، "لا تخافوا. إنني أرى أبواب القدس مفتوحة أمامي. ويضيف البزاز أنه قال في نفسه، "ما هذا؟! بغداد على وشك أن تقصف بهذه العاصفة الهائلة من النار وهو يتكلم عن رؤيته في تحرير القدس"؟
كان وفيق السامرائي بشكل خاص في موقف صعب. فكيف له أن يعمل كرئيس لمخابرات طاغية لا يود سماع الحقيقة؟ من جانب آخر فإذا قال لرئيسة الحقيقة وكانت متناقضة مع ما يعتقد الرئيس أنه صواب فإنه يتسبب لنفسه بالمتاعب. أما إذا قال له ما يجب أن يسمعه فإن الوقت كفيل بإظهار كذبه وسيعرضه ذلك للمتاعب أيضاً.
كان السامرائي عسكرياً طوال حياته. فقد كان مستشاراً لصدام إبان الحرب مع إيران ورأى أنه استوعب بعض التعبيرات العسكرية، الأسلحة الاستراتيجية والتكتيك العسكري. ولكن رؤية صدام كانت تشوبها الضبابية بسبب النزعة القوية نحو الخيال التي أدت إلى سقوط الكثير من الجنرالات الهواة.
استمر السامرائي في إرسال سيل من التقارير الاستخبارية في الوقت الذي كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها يحشدون حوالي مليون جندي مع قوة جوية تفوق ما يستطيع العراق أن يستجمعه بالإضافة إلى أن مدافع، صواريخ، دبابات ومدرعات الحلفاء تتقدم بعقود كثيرة على الترسانة العراقية. ولم يخف الأميركيون أسلحتهم حيث أنهم أرادوا أن يفهموا صدام القوة الحقيقية التي يواجهها.
ومع كل هذا رفض صدام أن يعترف بالخوف حيث أبلغ ذلك إلى السامرائي وجنرالاته الآخرين في اجتماع في البصرة قبل أسابيع من بدء الهجوم الأميركي.
وقد اقترح صدام في الاجتماع أسر جنود أميركيين وربطهم حول المدرعات العراقية واستخدامهم كدروع بشرية. قال صدام في الاجتماع بحماس، "الأميركيون لن يطلقوا النار أبدًا باتجاه جنودهم"، وأقسم أن آلافا من جنود العدو سوف يؤسرون لهذا الغرض. وبعد ذلك سوف تدخل قواته إلى شرق السعودية مجبرة الحلفاء على التراجع والانسحاب.
كان السامرائي يعلم أن ذلك لم يكن أكثر من هلوسة، فكيف للعراقيين أن يأسروا آلاف الجنود الأميركيين حيث أن لا أحد يستطيع الاقتراب من المواقع الأميركية، وإن فعل فسيتم اكتشافه وقتله. وحتى لو قيض لصدام أن يحقق ما يبتغيه، فإن فكرة استخدام الجنود كدروع بشرية كانت فكرة بغيضة تتناقض وكافة الاتفاقيات والقوانين الدولية. من يعلم ماذا يمكن أن يكون الرد الأميركي على مثل هذه الأفعال؟ هل كانوا سيضربون بغداد بالقنبلة النووية؟
كانت خطة صدام غير معقولة ولكن لم بنبس أحد من جنرالاته بمن فيهم السامرائي ببنت شفه، بل أماء الجميع برؤوسهم وأخذوا ملاحظات لأن التشكيك باستراتيجية العم العظيم تعتبر أمراً خطيراً قد يؤدي إلى إنزال الرتبة أو حتى الموت.
وعلى الرغم من ذلك فإن السامرائي بصفته مديرا للاستخبارات شعر أن من واجبه إعلام صدام بالحقيقة. لذا ذهب في مساء 14 كانون الثاني/يناير عام 1991 للقاء صدام في مكتبه بالقصر الجمهوري. كان الرئيس يجلس خلف مكتبه وهو يرتدي بدلة سوداء أنيقة. ابتلع السامرائي ريقه بصعوبة وقدم التقييم السوداوي لرئيسة قائلا، "من الصعوبة بمكان أن نقف أمام الهجوم القادم، لم يتم أسر أحد من جنود العدو ومن غير المحتمل أن يتحقق ذلك. لا توجد لدينا دفاعات حصينة تقف في وجه كميات ونوع الأسلحة التي تم حشدها لمهاجمة العراق".
وكان صدام رفض كافة النصائح العسكرية بسحب قواته من الكويت ووضعهم على الحدود العراقية حيث يمكن لهم أن يكونوا أكثر فعالية. ولكنه أبقى القوات العسكرية منتشرة في الصحراء بحيث لم يكن هناك ما يمكن أن يمنع الأميركيين من التقدم مباشرة نحو بغداد. قدم السامرائي الأدلة التي تدعم أراءه بما في ذلك الصور، تقارير جديدة وأرقاما. وقال السامرائي إن العراقيين سوف يلقون هزيمة سريعة وإن الإيرانيين يمكن أن يستغلوا ضعفهم ويغزون العراق من الشمال. أنصت صدام بصبر لسماع ما يقوله السامرائي ثم سأله: هل هذه آراؤك الشخصية أم حقائق؟ وكان السامرائي قدم كثيراً من الحقائق في تقريره ولكنه أخفى أن بعض ما ذكره كان مجرد حدس.
قال صدام بهدوء مخاطبا السامرائي: "والآن سأقول لك رأيي، إيران سوف لن تتدخل في الحرب أبدا. قواتنا ستبلي في الحرب بلاء حسناً أكثر مما تعتقد، فباستطاعتهم حفر خنادق وتحمل الضربات الجوية الأميركية وسيحاربون لمدة طويلة ويتكبد الجانبان العديد من الإصابات. نحن على استعداد لتقبل الإصابات أما الأميركيون فهم غير مستعدين. الشعب الأميركي ضعيف ولا يقبل خسائر كبيرة في صفوف جنوده".
ذهل السامرائي لما سمعه من رئيسه ولكنه شعر انه قام بواجبه، حيث إن "صدام" لا يستطيع أن يتذكر في وقت لاحق بأن رئيس مخابراته ضلله. جلس الرجلان صامتين بعض القوت شعر بعدها السامرائي أن الخطر الأميركي الذي يلوح في الأفق بمثابة كابوس على كتفيه ولم يكن هناك شيء للقيام به.
من جانب آخر دهش السامرائي لأن رئيسه لم يغضب منه لتقديم هذه الأخبار السيئة، بل تصرف بشكل يقدر ما قدمه السامرائي بصراحة. قال صدام، "أثق بك، وهذا رأيك، إنك رجل يوثق به ومشرف".