قدم الفلسطينيون شهيدين جديدين في المواجهات التي اشتدت أمس عقب قيام إسرائيل بإعادة احتلال القدس الشرقية، عبر اقتحام المؤسسات الفلسطينية وخاصة بيت الشرق الذي يعد المقر الرسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية في المدينة المقدسة، وقد لقي العدوان الإسرائيلي الجديد ادانة دولية متصاعدة,
شهيدان في غزة
أفادت مصادر طبية فلسطينية في مستشفى دار الشفاء في مدينة غزة فجر اليوم، أن مواطنين اثنين استشهدا متأثرين بجراحهما التي أصيبا بها في وقت سابق من يوم أمس الجمعة، عند معبر المنطار (كارني) شرقي مدينة غزة.
ونقلت وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا" عن هذه المصادر قولها إن شاباً مجهول الهوية، استشهد بعد منتصف الليلة الماضية، بعد أن أطلق جنود الاحتلال النار باتجاهه مما أدى إلى إصابته إصابة بالغة في الكبد والأوعية الداخلية للبطن الأمر الذي أدى إلى نزيف داخلي شديد جداً، سبب استشهاده.
وقالت المصادر أن الشهيد الثاني الذي قضى فجر اليوم، هو الشاب ماهر محمد عفانة (27عاماً) من حي الزيتون والذي أصيب بعيار ناري في الصدر.
وكان ستة مواطنين قد أصيبوا بجراح مختلفة وصفت جراح ثلاثة منهم بالخطيرة نتيجة إطلاق النار عليهم من قبل قوات الاحتلال قرب معبر المنطار شرق غزة.
وقال الدكتور معاوية حسنين مدير عام الاستقبال في مستشفى الشفاء في المدينة، " إن الإصابات الخطرة تركزت على البطن والصدر والرقبة وباقي الإصابات متوسطة، والمصابون هم:
هاني ناصر صالح (18 عاماً) من النصر عيار ناري في الساعد الأيسر مع كسور. محمد بشير عياد (18عاماً) من حي الشجاعية عيار ناري في الرقبة مع نزيف تمت السيطرة عليه. عزمي سامي عليان (18عاماً) من حي الدرج عيار ناري في الكتف الأيسر. وهاني محمد السكني (17عاماً) من حي التفاح عيار ناري في الكاحل الأيسر، إضافة إلى الشهيدين الآخرين.
وكانت المواجهات قد تصاعدت امس وشملت معظم المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية عقب العدوان العسكري والسياسي الذي شنته حكومة الارهابي ارييل شارون بدعوى الرد على عملية القدس الغربية التي نفذها الاستشهادي احمد عز الدين المصري من كتائب الشهيد عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس.
احتلال بيت الشرق
وفي خطوة غير بعيدة عن التوقعات، وعن توجهات ارييل شارون الذي لم يكن يوما معجبا باتفاقات اوسلو، اقدمت قواته في ساعة مبكرة من صباح امس على ارتكاب عدوان سياسي عبر احتلالها بيت الشرق المقر شبه الرسمي لمنظمة التحرير في القدس الشرقية، اضافة الى تسعة مقرات فلسطينية أخرى وسرقة محتوياتها واعتقال حراسها وحولت القدس إلى ثكنة عسكرية، وشنت عدواناً وحشياً على المحتجين الفلسطينيين والاوروبيين من نشطاء حقوق الانسان الذين اعتصموا امام بيت الشرق، المقر شبه الرسمي لمنظمة التحرير، والمعترف به دوليا، والذي منح وضعا خاصا بموجب اتفاقات اوسلو، احتجاجاً على اغلاقه، كما اعادت قوات شارون احتلال ابو ديس وتحويل مقر محافظها الى ادارة عسكرية للاحتلال.
واعتبرت السلطة الفلسطينية ان احتلال بيت الشرق وبقية المقرات يعني نسف اسرائيل لكل اتفاقيات التسوية من جانب واحد، وبينما قال شارون ان هذا الاحتلال سيكون ابديا اعتبرته غالبية الدول الاوروبية غير مبرر، ودانته واشنطن قائلة ان هذه الخطوة بجانب الغارات الإسرائيلية "تصعيد سياسي خطير" وكشفت السلطة الفلسطينية عن امتلاكها لوثيقة إسرائيلية تسلمتها عبر النرويج بعد اتفاقيات اوسلو تتعهد فيها إسرائيل بعدم التعرض للمقرات الفلسطينية في القدس.
واكدت القيادة الفلسطينية ان هذا الاعتداء الصارخ على «بيت الشرق» وانزال العلم الفلسطيني ووضع العلم الاسرائيلي محله وإغلاق تسع مؤسسات فلسطينية تعمل في مجال الخدمات الاجتماعية والإنسانية وهي «الغرفة التجارية» و«المجلس الأعلى للسياحة» و«المركز الفلسطيني لتطوير المشاريع الصغيرة» و«مركز الأبحاث الفلسطينية» و«دائرة شؤون الأسرى والمحررين» و«دائرة إغاثة القدس للعمل الاجتماعي والميداني» و«مركز التخطيط» في «مؤسسة الدراسات العربية» و«نادي الأسير الفلسطيني»، وقيام القوات المحتلة بمصادرة الوثائق الخاصة بالمفاوضات ومكتبة «مركز الدراسات والأبحاث والخرائط»، يكشف بجلاء الخطة الإسرائيلية لتهويد القدس الشريف واقتلاع وتدمير الوجود الفلسطيني والاعتداء على المقدسات المسيحية والإسلامية. وتؤكد القيادة أن هذا الاحتلال الهمجي لـ«بيت الشرق» لن يمر، وان على الحكومة الإسرائيلية، أن تدرك خطورة هذه الجريمة قبل فوات الأوان.
ودعت القيادة الفلسطينية الحكومة الإسرائيلية إلى سحب قواتها من «بيت الشرق» وبقية المؤسسات وبلدة ابو ديس، التي احتلتها وحولت مقر محافظها مقراً للادارة المدنية العسكرية الاسرائيلية. ومن جانبه اعلن نبيل ابو ردينة، المستشار الاعلامي للرئيس الفلسطيني ، ان احتلال «بيت الشرق» ومؤسساته هو الغاء للاتفاقات الموقعة من طرف واحد. وقال في تصريحات لاذاعة فلسطين، ان هذا استمرار لسياسة التصعيد والحرب المستمرة ضد الشعب الفلسطيني.
ودعت القيادة في بيانها المجتمع الدولي إلى تحمل مسئولياته لان القدس الشريف خط احمر، ولا يمكن القبول باستعراض العضلات العسكرية لقوات الاحتلال ولا يمكن السكوت عليها.
من جانبه قال الرئيس عرفات لدى تفقده مقر قيادة الشرطة الفلسطينية العامة في رام الله بالضفة الغربية الذي قصفته طائرات الاف – 19 بالصواريخ للصحفيين «هذه عملية ضد شعبنا الفلسطيني وهي تصعيد متعمد وجزء من خطة «اورانيم» التي تعني الجحيم». واضاف عرفات انه «يجب ان يعرف الجميع اننا اقوى واصلب واكثر ايمانا من هذه العملية الاسرائيلية».
واكد مسؤولون فلسطينيون رافقوا عرفات في هذه الجولة الميدانية لوكالة فرانس برس «ان عرفات تفقد اثار الدمار في مقر الشرطة الذي تعرض للقصف العدواني الاسرائيلي» و«استمع الى شرح مفصل من الضباط في المقر حول طبيعة التدمير». وذكرت مصادر اسرائيلية ان شارون سئل «الى متى ستحتفظ اسرائيل ببيت الشرق؟» فرد قائلا «الى الابد».
واوضح التلفزيون ان رئيس الوزراء الاسرائيلي أدلى بهذا التصريح خلال مناقشة مع مسئول سياسي لم يكشف هويته. من جهة اخرى قال مسئول اسرائيلي كبير في فريق شارون لوكالة فرانس برس ان «بيت الشرق سيبقى تحت السيطرة الاسرائيلية حتى اشعار اخر». وقال هذا المسئول طالبا عدم ذكر اسمه «لن نسمح بأن يستعيد بيت الشرق نشاطاته طالما استمرت السلطة الفلسطينية في تغطية الاعمال الارهابية وتشجيعها بل وارتكابها».
واضاف «باغلاق بيت الشرق اردنا ان نظهر لعرفات انه باللعب بالعنف يخاطر بخسارة مكاسبه». لكن في وقت لاحق من ليلة امس نقلت وكالة انباء الشرق الاوسط عن مصادر فلسطينية في القدس قولها ان جنود الاحتلال اضطروا تحت ضغط التواجد الفلسطيني ونشطاء السلام لانزال العلم الاسرائيلي من على بيت الشرق.
واعتبرت ذات المصادر ان هذه الخطوة غير كافية لكنها في الطريق نحو اخلاء بيت الشرق من جنود الاحتلال وتحريره. ولا تزال وفود من كافة الهيئات الشعبية والدينية والمواطنين الفلسطينيين تتوافد في محيط بيت الشرق حيث انتشر جنود الاحتلال ووضعوا حواجز على كافة الطرق المؤدية اليه.
واكدت المصادر ان حالة من الغليان تسود القدس وان الوضع مهيأ للانفجار في أي لحظة. من جهة ثانية علم من مصدر قضائي ان المسؤول الامني في بيت الشرق سامي سرحان اعتقل أمس وامرت محكمة القدس بحبسه لخمسة ايام بعدما اعلنت الشرطة التى اقتحمت المبنى انها عثرت على رشاش ومخزن للذخيرة فى المبنى. وكانت الشرطة اعتقلت ستة حراس فلسطينيين اخرين عندما اقتحمت بيت الشرق المقر شبه الرسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية في القدس الليلة قبل الماضية.
وامهلت الشرطة ادارة بيت الشرق اسبوعا للتقدم بطعن ضد احتلال المبنى امام لجنة امنية خاصة. ولبيت الشرق ايضا ان يتقدم بطعن امام المحكمة العليا مباشرة او بواسطة طرف ثالث بشأن احتلال المبنى ووقف نشاطه. من جهته اقترح رئيس بلدية القدس ايهود اولمرت العضو في حزب الليكود تحويل بيت الشرق الى مكتب للضمان الاجتماعي الاسرائيلي لفلسطينيي القدس الشرقية.
واستعاد الفلسطينيون امس ذكرى الشهيد الحسيني وقالوا ان غيابه شجع اسرائيل على الاستيلاء على بيت الشرق. وقال أحمد غنيم أحد قادة حركة فتح في القدس الذي شارك في مظاهرة ضد الاجراء الاسرائيلي "الاخ فيصل كان بطلاً سياسياً مهما في إدارة المواجهة مع الاحتلال الاسرائيلي ولو كان موجوداً لما تجرأ الاسرائيليون على فعلتهم هذه".
كما قال داود التوتنجي «63 عاما» ان الحسيني الذي لم تفته مسيرة ضد الاحتلال الاسرائيلي للمدينة المقدسة منذ عام 1967 الا وشارك فيها «كان سيجبر الاسرائيليين على التراجع عن قرارهم لانه يعرف من اين تؤكل الكتف. يعرف متى يواجه ومتى يحاور ومتى يسير في مسيرة».
وتجمع فلسطينيون مدعومون نشاء اجانب ونشطاء سلام امام بيت الشرق وحمل المتظاهرون وهم فلسطينيون واوروبيون وامريكيون واسرائيليون الاعلام الفلسطينية ولافتات تطالب بانهاء الاحتلال على الارض كتب عليها «لا سلام بدون وقف ارهاب الاحتلال» و«اوقفوا الاحتلال» وبيت الشرق عربي فلسطيني.
ومن جهة اخرى افاد مصور وكالة فرانس برس ان عناصر الشرطة اعتقلوا احدى الاسرائيليات بعد ان اشبعوها ضربا اضافة الى الستة الذين اعلنت عنهم الشرطة. واضاف المصور ان الشرطة التى كان افرادها يمتطون الجياد انهالت على المتظاهرين بالهراوات لابعادهم عن المكان. كما اجتمع ممثلو قنصليات سبع دول اوروبية هي فرنسا وبريطانيا وبلجيكا واسبانيا والسويد واليونان وايطاليا فضلا عن قنصلتي الولايات المتحدة وتركيا على ان ينضم اليهم اعضاء الوفد الفاتيكاني في مكتب القنصلية البلجيكية احتجاجاً على قرار الاغلاق.
وقال دبلوماسي اوروبي طلب عدم الكشف عن هويته لوكالة فرانس برس ان احتجاجا سيقدم على مستوى الدول ولكن ليس خلال هذا الاجتماع.
واشنطن تدين
وأدانت الولايات المتحدة احتلال بيت الشرق ، والغارة على الضفة الغربية ليلة الخميس الجمعة واعتبرت ذلك "تصعيدا سياسيا خطيرا" في النزاع مع الفلسطينيين.
وبعد ان حث الطرفين على الامتناع عن "التحريض والاستفزاز" انتقد المتحدث باسم وزارة الخارجية الاميركية ريتشارد باوتشر طريقة رد اسرائيل بعد العملية الانتحارية التي اودت الخميس بحياة 15 شخصا والانتحاري الفلسطيني.
وقال باوتشر "نحن قلقون ازاء ردود فعل اسرائيل ضد بيت الشرق وبلدة ابو ديس الفلسطينية" حيث احتلت قوات الامن الاسرائيلية مقر السلطة الفلسطينية.
واضاف ان "هذه الاعمال تمثل تصعيدا سياسيا خطيرا وتقوض الايمان والثقة في تسوية متفاوض عليها لهذا النزاع كما انها تزيد من مخاطر تدهور جديد للوضع السياسي".
واضاف باوتشر "ان بيت الشرق كان لمدة طويلة رمزا لاهمية الحوار السياسي والمصالحة بين الاسرائيليين والفلسطينيين".
وتابع "انه لامر حيوي ان يبقى الطرفان ملتزمين بهذه الأهداف ويتحاشا الأعمال التي تهدد أساس الثقة في اتفاق تفاوضي ونطلب من الاسرائيليين والفلسطينيين ان يطبقوا على وجه السرعة اجراءات تينيت وميتشل (الهادفة الى ارساء السلام في المنطقة) وان يستانفوا المفاوضات".
واتى رد الفعل هذا في اعقاب اجتماع بين مساعد وزير الخارجية الاميركي ريتشارد ارميتاج وداني ايالون، مستشار السياسة الخارجية لرئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون.
وفي كلمة للصحافيين في وزارة الخارجية الاميركية، دافع ايالون عن الطريقة التي تنتهجها اسرائيل وقال "ليس هناك دوامة عنف في الشرق الاوسط، ولكن حملة ارهابية منظمة والاجراءات الاحترازية التي نتخذها تدخل في إطار الدفاع عن النفس (...) وردنا معتدل نظرا لحجم المأساة"—(البوابة)—(مصادر متعددة)
