وسط ترحيب من اركان الحكومة والمعارضة اللبنانية يأتي قرار سوريا تخفيف انتشارها العسكري قرب بيروت بمثابة خطوة ايجابية تجاه اللبنانيين خصوصا المسيحيين منهم في وقت تجتاز فيه منطقة الشرق الاوسط مرحلة حاسمة من تاريخها.
واعتبر الاعلان عن انسحاب القوات السورية من مناطق محيطة بالقصر الجمهوري في "بعبدا" ووزارة الدفاع مع ما لهاتين المنطقتين من مدلول رمزي، بمثابة رغبة في التهدئة من قبل السلطات السورية حيال منتقدي الوجود السوري في لبنان.
ويعتبر توقيت هذا القرار، الذي ارجىء اكثر من مرة، مناسبا لدمشق من الناحية الدبلوماسية فهو ياتي بعد زيارة البابا يوحنا بولس الثاني الى سوريا من الخامس الى الثامن من ايار/مايو الماضي وقبل زيارة الرئيس السوري بشار الاسد الى باريس في الخامس والعشرين والسادس والعشرين من حزيران/يونيو.
وياتي هذا الانسحاب الجزئي للقوات السورية في وقت تحبس فيه منطقة الشرق الاوسط انفاسها بانتظار معرفة مدى ثبات وقف اطلاق النار بين الاسرائيليين والفلسطينيين والذي تم التوصل اليه برعاية الولايات المتحدة.
والمعروف ان دمشق لا تحبذ فصل المسارات في ازمة الشرق الاوسط ولم تخف امام امين عام الامم المتحدة كوفي انان خلال زيارته لدمشق اليوم الخميس رفضها للتسويات غير الشاملة.
وفي ظل هذه الظروف الهشة ومنذ الغارة التي شنها الطيران الاسرائيلي على موقع سوري في لبنان في السادس من نيسان/ابريل الماضي لا يمكن تجاهل مخاطر اتساع رقعة النزاع مع اقل مواجهة بين حزب الله اللبناني المدعوم من دمشق وبين الجيش الاسرائيلي.
ومع التوتر الشديد الذي يسود المنطقة يفسر بعض الخبراء القرار السوري بانه عملية وقائية عسكرية تهدف الى جعل القوات السورية بمنأى في حال حدوث عمليات رد اسرائيلية.
وقال دبلوماسي اوروبي لوكالة فرانس برس طالبا عدم ذكر اسمه "سنعرف خلال الايام القادمة ما اذا كانت دوافع هذه الخطوة سياسية ام عسكرية".
الا ان "اعادة الانتشار" وهو التعبير الوحيد الذي يتضمنه اتفاق الطائف (1989) الذي وضع حدا لحرب الاهلية اللبنانية لا يعني خفض القوات او الانسحاب ومن باب اولى ايضا لا يعني الغاء اجهزة الامن الخاصة السورية الطاغية الوجود.
واكد مسؤول لبناني كبير لوكالة فرانس برس ان هذا التحرك ليس سوى استكمال لما بدا في ربيع 2000 عندما ازيلت العديد من حواجز الطرق والمواقع العسكرية السورية في طرابلس (شمال) وصيدا (جنوب) مرورا ببيروت وضواحيها.
وقد استقبل اعلان اعادة انتشار القوات السورية حول بيروت بترحيب واعتبره عامة الذين انتقدوا ثقل الهيمنة السورية بمثابة "خطوة اولى" مهمة.
واشادت اوساط المعارضة المسيحية الملتفة حول البطريرك الماروني نصر الله صفير وكذلك زعيم الحزب الاشتراكي التقدمي الزعيم الدرزي وليد جنبلاط بهذا الاجراء.
ومنذ نهاية تشرين الثاني/نوفمبر الماضي ودمشق والبطريركية المارونية على اتصال عبر الوسيط الذي اختاره الاسد لفتح حوار وهو وزير الخارجية الاسبق فؤاد بطرس.
الا ان البطريرك صفير شدد لدى استقباله وفدا برلمانيا فرنسيا على ان "المشوار لا يزال طويلا قبل ان تستعيد العلاقات بين لبنان وسوريا توازنها" كما قال النائب الاشتراكي الفرنسي جيرار بابت.
وصف رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري اعادة الانتشار الجزئي للجيش السوري التي جرت اليوم الخميس بانها "خطوة ايجابية".
وقال الحريري في ختام الجلسة الاسبوعية لمجلس الوزراء انها "خطوة ايجابية لم تكن ممكنة لولا العلاقات الاخوية التي سمحت باعادة بناء الجيش اللبناني الذي اصبح قادرا على بسط الامن والاستقرار".
وقد خففت القوات السورية انتشارها في بيروت منسحبة من عدة مواقع في منطقتي بعبدا واليرزة المسيحيتين.
كما جرت حركات انسحاب اخرى عند مدخل العاصمة الجنوبي ولا سيما في منطقة الاوزاعي.
وقال مسؤول لبناني طلب عدم ذكر اسمه ان اعادة الانتشار بدات ليل الاربعاء الخيمس و"ستستمر بضعة ايام وتنتهي مطلع الاسبوع المقبل".
وكانت القوات السورية التي يقدر عددها حاليا بنحو 27 الف جندي دخلت لبنان للمرة الاولى عام 1976 اي بعد عام على بدء الحرب الاهلية (1975-1990) ودخلت المناطق التي كانت خاضعة لقوات العماد عون عام 1990.—(البوابة)—(مصادر متعددة)