سوريا تصوت للرئيس السادس عشر

تاريخ النشر: 10 يوليو 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

دمشق- نبيل الملحم 

بدأت عند الساعة السابعة بالتوقيت المحلي (الرابعة بتوقيت غرينيتش) اليوم الاثنين في سوريا عمليات التصويت في الاستفتاء الشعبي على ترشيح بشار الأسد نجل الرئيس الراحل حافظ الأسد لرئاسة الجمهورية. 

وفتح حوالي 11 آلف مكتب تصويت أبوابه لاستقبال الناخبين السوريين المقدر عددهم بنحو 4،9 ملايين نسمة. ويطلب من كل ناخب الإجابة عن سؤال عما إذا كان يؤيد ترشيح بشار الأسد بوضع إشارة في إحدى دائرتين، خضراء (نعم) ورمادية (لا). 

بشار الابن الرئيس السادس عشر للجمهورية 

تاج الدين الحسيني رئيس سوريا وأبرز ما في الذاكرة السورية عنه أنه كان الأميل الى النوم فعاش نائماً، ومات نائماً ولم يترك للذاكرة السورية سوى ذاكرة نائمة ومع ذلك كان الشيخ تاج الذي لم يكرهه أحد ربما لأن الكراهية تتطلب ذاكرة. 

هاشم الأتاسي.. دخل القصر الجمهوري السوري من بوابة البرلمان، فلم يحم القصر ولم يحفظه البرلمان.  

حسني الزعيم، من الثكنة الى الرئاسة يوم كانت الثكنة بندقية مهجورة، والرئاسة لا تمنح حاملها حق استخدام المهجور، وبقية افراد الثكنة يجربون حظوظهم في الرئيس، فانتهى على أيد من يشبهه، وكان بعده سامي الحناوي، وكان الحناوي قفازاً لا ذراعاً، والدليل ان التظاهرات التي كانت ضده كانت تهتف "يا سامي يا مجنون حاكم درزي ما بيكون" ذلك أن من حكم فعلاً هو عبد الكريم زهر الدين، ومن سمي رئيساً هو الحناوي. 

واذا ما تتبعنا الذاكرة سنقول: 

وحكم سوريا أديب الشيشكلي، وحكمها أمين الحافظ، وحكمها جمال عبد الناصر، وحكمها شكري القوتلي، وكل من حكمها تأرجح بين البرلمان وبين الثكنة فلم يعل شأن البرلمان ولم تتوطد الثكنة. 

بعد 14 رئيساً جاء حافظ الأسد، ومن الثكنة أيضاً، غير أن الاختلاف الأساسي ما بين الأسد والآخرين، هو أنه رفع من شأن الثكنة، فيما عمل على احلال ماكينة متينة للدولة فكان له ما شاء وكانت دولته هي الاقوى في تاريخ الدولة السورية التي شهدت في من شهدت عبدالملك بن مروان ومعاوية، ومن المسلم فيه ان قوة الدولة كماكينة في سوريا الآن لا تقل شأنا عن قوة البرلمان في انكلترا فما الذي ورثه الرئيس السادس عشر لسوريا ونعني الدكتور بشار الاسد؟ 

 ورث جيشاً قابضاً على بوابات سوريا، وهو الجيش الذي يحسب له داخل أسوار سوريا كما خارجها. 

 وورث جهازاً هائلاً من الاستخبارات القادر على أن يسمح للرئيس السادس عشر أن يكون رئيساً، قابضاً مقرراً. 

 وورث تجربة رئيس هو واحد من أبرز الرؤساء الذين عرفهم العالم الثالث، رئيساً أدار أكثر المعارك صعوبة فوقف على الحافة دون أن تنزلق قدمه مرة واحدة الى الهاوية. 

 ومقابل ما ورث هناك، ورث جهازا هائلا من البيرقراط القادر أن يلتهم المجتمع، ويعيق نمو الدولة، ويأخذ من رصيد الأسد الأول دون أن يضيف لرصيد الأسد الثاني، والجهاز الهائل اياه لن يستسلم وانما سيبحث عن تجديد دوره، فيما المسافة بينه وبين عصره باتت مسافة هائلة أيضاً. 

 وتجديد الدور، يتطلب كفاءة، والكفاءة الوحيدة التي امتلكها هذا الجهاز بالتراكم هي اعاقة أي إمكانية للنمو بشقيه الاجتماعي والاقتصادي، وبالتالي السياسي، والاعاقة هنا لن تتحقق الا بممانعة المجتمع من أن يكون مجتمعاً، فالديمقراطية تعني التعاقد ما بينها وبين قوى المجتمع، وحرية الصحافة تعني الرقابة عليها وافتضاحها، وولادة أحزاب سياسية جديدة تعني احلال ذهنية جديدة مكان ذهنيتها، واعطاء البرلمان مكانته يعني فصل السلطات ورفع هيمنة البيرقراط على من يفترض أن يكونوا لسان حال الناخب، والمحصلة هي الغاء البيرقراط الذي عجز عن تجديد دوره سواء في ادارة الحياة الاقتصادية، او الحياة السياسية للبلاد، وهذا ما عاناه الرئيس الأسد في آخر أيامه فأطلق للدكتور بشار الأسد حرية مطاردة الفساد في البلاد، لتشهد سوريا ما كانت تعرفه دون ان تعرف حق اعلانه. 

 والممانعة هنا لها شعاراتها، وأول الشعارات هي أن العدو الاسرائيلي يتربص بنا، وبالتالي، وبسبب هذا العدو فلتتعطل الحياة المدنية في البلاد، مع أن الاسرائيلي لم يعطل حياته المدنية بسبب عداءه معنا، ولم يهزم في معاركه العسكرية بسبب الديمقراطية، ولم يتراجع مفهوم الهوية عنده بسبب اطلاق حوار الارادات، واطلاق قوى المجتمع.. والشعار الثاني الذي ستطلقه هو قوة الولاء لا قوة الدور، ولهذا فقد اكتفت باعلان تأييدها للدكتور بشار الأسد في الوقت الذي يمكن للمراقب أن يلحظ أنها ترتجف من احتمالات المرحلة القادمة.. والسؤال لماذا ترتجف؟ 

 خطوة الى الوراء، سنكون على يقين بأن بشار الأسد يدرك استحقاقات اللحظة، واستحقاقات المستقبل على بلاده، وبالخطوة اياها بوسعنا القول ان الرجل ضالع في هموم المدنية والمجتمع المدني، ولقد سمعناه وهو يعلن همومه في رد الاعتبار الى المجتمع، وهو يلن أيضاً هموم الرأي والرأي الآخر، وهو يعلن أن بلاده تحتاج الى قوة دفع باتجاه عصرها. 

هموم بشار الأسد لن تجد حواملها في أجهزة البيرقراط التي يملأ الغبار أوصالها، والطبيعي أن تكون الحاضنة لهذه الهموم هي قوى الصناعة السورية (وهي قوى عريقة)، وقوى السوق (وهي قوى عريقة أيضاً)، وقوى المغامرة الفلسفية التي يمكن أن تؤسس لعقل سياسي جديد، هو الأكثر امكانية وقدرة على الاضافة لا الانتزاع، وهذا بالضبط ما تدركه قوى البيرقراط السوري الذي سارع الى اختطاف جنازة حافظ الأسد من شعبه ليسارع في اللحظة نفسها الى اختطاف بشار الأسد من شعبه، وعبر فعل متكرر هو لغة هابطة، أقل ما يقال فيها أنها لغة الاعاقة التي أتقنها أصحابها.. والسوريون يتساءلون:  

 الثكنة تحت ظل بشار الأسد، بل هي خلفه بالبعدين الأخلاقي والزمني للكلمة، وجهاز الدولة تحت يده، وقوى الأمس التي كانت اسمنتاً ماسكاً للدولة، باتت معيقة لأية امكانية لتطور الدولة، بما في ذلك الأحزاب وفق ياقاعها الراهن طبعاً.. فهل ثمة اي مصلحة للحفاظ على هياكل تآكلت فيما الاستحقاقات تدعو الى جهة أخرى؟ 

 انها أسئلة سورية.. أسئلة تراهن على الرئيس السادس عشر الذي شهدت بلاده كل أشكال الدولة، وما قبل الدولة، وباتت في الزمن الذي أطلق عليه زمن العولمة.. الصيغة الأكثر حساسية من أي زمن آخر، لتكون الدولة هي الأكثر حساسية أيضاً من أية: 

 دولة.. أو ما قبل دولة.. أو عشيرة.. أو . 

 أسئلة من القرن الواحد والعشرين، مطروحة على الرئيس السادس عشر—(البوابة)