سوريا..تنامي المطالبة بالاصلاحات

تاريخ النشر: 04 يونيو 2003 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

البوابة-بسام العنتري  

علق رئيس تحرير صحيفة البعث الناطقة بلسان الحزب الحاكم في سوريا، بفتور على "عريضة" وجهها عشرات من السياسيين والمثقفين السوريين الى الرئيس بشار الاسد، يطالبونه فيها باحداث تغييرات شاملة في البلاد من اجل "تحصينها" في مواجهة تحديات ما بعد الحرب على العراق.  

ووقعت العريضة 287 شخصية من بينهم حزبيون بعثيون وصحفيون ومثقفون، وارسلت بالبريد المسجل في دمشق في 17 ايار/مايو الماضي.  

وهي تدعو الى "إصلاح وطني شامل" لمواجهة "تبديل المعطيات الاستراتيجية المحيطة بوطننا سوريا ووضعها بين عدوين يمتلكان قوة لم يسبق لها أن اجتمعت ضده"، في اشارة الى اسرائيل والولايات المتحدة التي باتت تحتل العراق.  

وكانت واشنطن مارست ضغوطا كبيرة على دمشق خلال وبعد انتهاء العمليات العسكرية في العراق، واتهمتها بايواء قيادات عراقية سابقة فارة، وبتطوير اسلحة كيماوية، الى جانب مساندة تنظيمات فلسطينية تعتبرها الولايات المتحدة "ارهابية".  

وتسببت هذه الاتهامات في توتير الاجواء في المنطقة خاصة مع تهديد صقور الادارة الاميركية بشن عمل عسكري ضد سوريا. غير ان التوتر تراجع بعد تاكيدات من الولايات المتحدة بانها لن تستهدف سوريا عسكريا، خاصة بعد ان ابدت الاخيرة مرونة في تعاملها مع المطالب الاميركية المتعلقة بالقيادات العراقية والتنظيمات الفلسطينية في دمشق.  

وقد علق الدكتور مهدي دخل الله، رئيس تحرير صحيفة "البعث" الناطقة بلسان الحزب الحاكم في سوريا، بفتور على العريضة.  

وقال لـ"البوابة" ان كاتبي العريضة "مواطنون سوريون يحق لهم التعبير عن رايهم بالشكل الذي يرونه مناسبا طالما ياتي هذا في اطار التعبير وفي اطار الدستور وعوامل الوحدة الوطنية".  

ومع ذلك، فقد اعتبر دخل الله ان ما يطلبه موقعوا العريضة هو في حقيقته "توجه دستوري ورسمي"، مؤكدا ان المبادرة الى الاصلاحات جاءت من الحزب والرئيس بشار الاسد.  

وقال ان "الحديث عن التطوير والتحديث على مستوى المجتمع السوري بدأ عندما فتح الحزب (البعث) في مؤتمره القطري التاسع والسيد الرئيس في خطاب القسم، هذا الباب..المبادرة جاءت من الحزب والسيد الرئيس بشار الاسد".  

واضاف "هذا ليس شيئا جديدا..ونحن كلنا في سلة واحدة ونحن نؤمن بتعدد الاراء وتعدد الاراء يعبر عن نفسه باستمرار في الجبهة الوطنية التقدمية" التي تتالف من تجمع احد عشر حزبا بزعامة حزب البعث وتشكل القيادة السورية.  

وقلل دخل الله من احتمالات ان تحدث هذه العريضة تفاعلات داخل المجتمع السوري او على مستوى الادارة السياسية في البلاد.  

وقال "لا يمكن اعطاء شئ اكبر من حجمه، التفاعلات ستكون على اساس ان مجموعة من المواطنين السوريين تقدموا برسالة فيها مقترحات معينة..هذا من حقهم، ولكن لا يعني هذا ان تكون طلباتهم قرارا سوريا رسميا".  

هذا، واكدت العريضة ان الاصلاحات باتت ضرورية "لتحصين" البلاد التي اصبحت في "حال من الضعف تسبب به تراكم أخطاء أبعدت الشعب عن الشأن العام، وأنهكت الدولة والمجتمع، وجعلتهما مكشوفين كما لم يكونا من قبل".  

وحددت العريضة خطوات "إنقاذية" منها "الإفراج عن جميع السجناء السياسيين" و"السماح بعودة المنفيين"، و"إلغاء حالة الطوارئ والأحكام العرفية" و"صلاحيات وممارسات الأجهزة الأمنية" و"إطلاق حرية الرأي والتعبير والاجتماع" و"عقد مؤتمر وطني عام تحضره كافة الشخصيات والقوى السياسية السورية". 

الاصلاحات..مسيرة متعثرة 

وكانت قضية الاصلاحات في سوريا قد برزت الى سطح العلن في البلاد بتشجيع مباشر من الرئيس بشار الاسد الذي كان اكد في خطاب القسم لدى توليه سلطاته على راس قيادة البلاد عزمه الشروع فيها. 

واتبع الاسد تعهده باجراءات عملية على الارض تمثلت ابرزها في إصدار عفو عام شمل نحو 600 من السجناء السياسيين.  

وكانت تلك الخطوة قد قوبلت بارتياح كبير من قبل مختلف مصادر المعارضة السورية التي أكدت استعدادها لفتح حوار سياسي جدي مع الحكومة من اجل تصحيح العلاقة بين الجانبين والتعاون على قاعدة ميثاق جديد للعمل الوطني يكون هدفه هو تفعيل مبدأ المشاركة السياسية والشعبية.  

 

وفي خطوة غير مسبوقة ظهر فريق من المعارضة السورية هو "التجمع الوطني الديمقراطي" إلى العلن، ليطرح برنامجه السياسي ونظامه الأساسي 20 كانون الاول/ديسمبر 2001. وبعد مضي أقل من شهر، كان تسعة من أعضاء هذا التجمع المعارض قد قرروا إنهاء اختفائهم الطوعي، واستئناف حياتهم الطبيعية، بعد تواريهم الطويل عن الأنظار، هرباً من الملاحقة الأمنية في الثمانينات. 

وكان التجمع تأسس عام 1979 من خمسة أحزاب سياسية، هي "الاتحاد الاشتراكي العربي الديموقراطي" الذي اسسه جمال الأتاسي، "الشيوعي السوري ـ المكتب السياسي" أمينه العام رياض الترك وقد لوحق وتم سجنه وخرج من السجن بعفو خاص اصدره الرئيس السوري. 

كما يضم التجمع "حزب البعث العربي الاشتراكي الديموقراطي ـ جناح صلاح جديد"، و"حركة الاشتراكيين العرب ـ جناح عبد الغني عياش" و"حزب العمال الثوري" وأمينه العام طارق أبو الحسن.  

وحتى تنظيم "الاخوان المسلمين" الذي سبق له ان استخدم القوة المسلحة لمواجهة النظام في فترة الثمانينيات تراجع عن كل طروحاته السابقة واخذ يدعو الى الحوار السياسي البناء ويبدي استعداده للدخول في حوار كهذا مع الحكومة السورية.  

واكد علي صدر الدين البيانوني المراقب العام للاخون السوريين على الحوار سبيلا الى "الوحدة الوطنية..وتدعيم للجبهة الداخلية السورية".  

واستتبعت هذه المظاهر المنتديات السياسية التي اسسها او قام بتفعيلها معارضون سعوا الى الافادة من اجواء الانفتاح والرغبة المعلنة باجراء اصلاحات شاملة في البلاد. 

الا ان هذه المنتديات تم التضييق عليها، لا بل ان عددا من رموزها تم اعتقالهم ومحاكمتهم، وزج بالعديدين منهم في السجون كما الحال مع المعارض رياض الترك، والنائبين رياض سيف ومأمون الحمصي اللذين حكما مع عشرة معارضين اخرين بعقوبات سجن تصل الى عشرة اعوام بتهمة محاولة "تغيير الدستور بطرق غير شرعية".  

وبرر الرئيس السوري في حينها الى الحملة التي تمت على المعارضة باتهامها باساءة فهم الديمقراطية "عندما تهجموا على رموزنا التاريخية" واتهمهم بالاتصال مع دول خارجية والعمل على المساس بالوحدة الوطنية.  

وقال الاسد في خطاب امام البرلمان السوري في 10 اذار/مارس الماضي ان معارضين سوريين اساؤوا فهم الديموقراطية عبر المراهنة "على حماية من الخارج".  

وقال الاسد "تحدثنا في خطاب القسم (تموز/يوليو 2000) عن الديموقراطية وقلنا ان الديموقراطية هي اخلاق ففهموها انها تهجم على التاريخ وتهجم على رموزنا الوطنية التي نفتخر بها جميعا".  

وقال "نحن نؤمن بالحوار لانه الطريق الى الديموقراطية ... وشرط هذا الحوار ان يكون بناء موضوعيا اما اصحاب الافكار الثأرية التحريضية فلا مكان لهم في هذا الحوار ولا مكان لهم في اية عملية بناء".  

تفاؤل بعد الانتكاسة 

وقد تسببت هذه التصريحات وما سبقها من ملاحقات للمعارضين، في ما يشبه الانتكاسة لطموحات الاصلاحيين في البلاد. 

الا ان الرئيس السوري الذي عاد واكد في حديث مطول نشرته صحيفة "الانباء" الكويتية و "النهار" اللبنانية" في 25 ايار/مايو الماضي عزمه المضي في الاصلاحات، احيا الامل مجددا في نفوس الاصلاحيين. 

وقد اقر الاسد في تصريحاته تلك بوجود من يحاول عرقلة مسيرة الاصلاحات في البلاد، ودون ان يوضح ماهية من هم هؤلاء، وان كان الامر يتعلق كما هو واضح بمتنفذين في السلطة.  

والتمس الاسد لنفسه عذرا في ظل تباطؤ تعثر عملية الاصلاح وتباطؤ حركتها. 

وقال "قبل ان أكون رئيساً كنت فرداً، وكفرد أستطيع ان أكون ديموقراطياً حراً، أتعامل مع نفسي وأعبر عن أفكاري. عندما اصبحت رئيسا عبرت في خطاب القسم عن هذه الافكار كفرد وكرئيس. لكن المسؤول يتعامل مع كل المكونات الموجودة في بلده وليس مع افكاره فحسب، وهذه المكونات ان لم تكن متطابقة مع هذه الافكار فستفشل العملية".  

وتابع "صحيح هناك بطء، لكن هناك اسبابا لهذا البطء. أي عملية نريد ان نقوم بها .. تحتاج الى قاعدة فكرية تربط بين الطرح السياسي والبناء الاجتماعي ..فأي عمل يجب ان يكون مرتكزاً على البنية الاجتماعية، طبعاً نحن كأي مجتمع فيه كل الاشكال، هناك من يدفع هذه العملية في الاتجاه الصحيح، وهناك من يدفعها في الاتجاه الخاطىء، وهناك من يشدها الى الخلف من الاساس". 

وبعيد هذه التصريحات التي كما اشرنا اعادت احياء الامل لدى الاصلاحيين، جاءت "عريضة" الشخصيات المائتين وثمانية وسبعين، والذين كان من بينهم حزبيون من البعث وصحافيون ومثقفون. 

ويرى معارض سياسي بارز ان التوقعات تشير الى ان الفترة المقبلة ستشهد سلسلة من التحركات باتجاه استئناف الاتصالات واللقاءات بين ممثلين عن الحكومة والمعارضة خاصة وان سوريا تواجه الان الكثير من الضغوط التي تسلتزم استقطاب القوى السياسية الوطنية وزجها في بوتقة مصالحة شاملة.—(البوابة)