سمكة هيمنغواي وسمكة «الدوار الرابع»- خالد أبو الخير

تاريخ النشر: 04 يونيو 2012 - 01:14 GMT
خالد أبو الخير
خالد أبو الخير

في رائعته «الشيخ والبحر»، يسرد أرنست هيمنغواي قصة الصياد العجوز سنتياغو الذي تمكن -بعد أن غامر بالإبحار أبعد مما وصل صياد قبله إلى وسط البحر- من اصطياد أكبر سمكة في حياته، بل وفي تاريخ المرافئ الكاريبية، إلى درجة أن طول هذه السمكة من النوع المسمى «أبو سيف» جاوز قاربه؛ ما دعاه إلى ربطها بالمركب بعدما عجز عن حملها عليه.

بيد أن أسماك القرش هاجمت السمكة المبحرة في المياه اللازوردية، وظلت تنهشها دون أن تفلح مساعيه كافة في طردها والخلاص منها!

حقاً! فكثيراً ما تكون الأسماك الكبيرة عبئاً على من حازها، بغير تعب، على غير نسق سنتياغو الذي دفع ثمن اصطياده للسمكة صبراً وتعباً وإعياءً امتد لأيام، وقاومه وقاوم محولاتها للإفلات، بكل ما يملك من قوة وعزم لا يلين وأمل.

والطامة الكبرى أن الأسماك الكبيرة تذهب في كثير من الأحيان كجوائز ترضية لمن لا يستحقها؛ الأمر الذي يشجع أسماك القرش على قضمها، والأخطر أن يتحول صاحب السمكة إلى قرش ينهشها.

ثمة حكمة يونانية تقول إن آلهة الحكمة حين وَلدت ابنها أعطته مفتاحاً كتب عليه: «العذاب من أجل الفهم»، والمغزى الذي أرادت هذه الحكمة إيصاله أن علينا أن نتعذب ونتعلم من أجل أن نستحق المعرفة.

لكن الكثيرين للأسف يريدون كل شيء دون أن يبذلوا شيئاً، والغريب أن منهم مَن يحوز السمكة! بل أحياناً أكبر سمكة على الإطلاق.

يبقى أن سنتياغو حين وصل الميناء آخيراً، تحقق الصيادون والأهالي من كونه اصطاد أكبر سمكة، لكنها وصلت من كثرة نهش القرش لها هيكلاً عظمياً، وبقايا السمكة؛ ما يذكرني بمسؤولين احتفظوا بصور لهم بعيد خروجهم من مناصبهم، لو أمعنا النظر فيها أكثر، لاكتشفنا أي هيكل عظمي تركوا في «الدوار الرابع»، وغير «الدوار الرابع».

ويبقى السؤال: لماذا لا يتعلم أحد درس سنتياغو؟! فالسمكة التي لا نقدر على حملها في مركبنا، الأجدى أن نرشح لها صاحب مركب أطول، بدل أن نكابر ونقول: «إنَّا لها»!.

* الدوار الرابع: مقر رئاسة الوزراء الأردنية