خالد أبو الخير
بعيدا عن لغة الدبلوماسية والدبلوماسيين، بعيدا عن لعبة "البيضة والحجر" و"سوق النخاسة الدولي" يفهم الغربيون في أعماقهم لماذا يثور الفلسطينيون ويشهرون سكاكينهم ليغرزوها في أعناق الصهاينة.
يفهمون أن أقل من 100 عام من الظلم، ومحاولات انتزاع شعب من ارضه وإحلال من لا حق له ولا مسوغ، مكانهم، بدعوى حق تاريخي مزعوم، لا يصمد ابدا أمام منطق أو مبدأ، وهو السبب الذي جر الى عدم الاستقرار في المنطقة والعالم، وأن الزمن الذي راهنت اداراتهم والحركة الصهيونية عليه، لينسى الفلسطيني والعربي قضيته، هو في الواقع ليس حليفاً لهم.. لأن تمسكه بأرضه متجدد، والاجيال التي تحمل السكاكين اليوم لم يشهد اي منها النكبة أو النكسة ومئات المؤتمرات والمبادرات لحل القضية التي لا تحل.

الحق الفلسطيني الذي حاولت الادارات الغربية متواطئة مع الصهاينة ان تميعه وتنتقص منه وتغتاله حتى لم يعد ثمة معنى له في آخر مباحثات انفضت بعد ان رفض المفاوضون الفلسطينيون الدرك، بل الجب الذي يريدون ان يدلوهم فيه، لأن لا فلسطيني ولا حتى محمود عباس نفسه يقدر على مثل ذلك التنازل، ينهض اليوم كاملاً مكملاً.. وصدق من قال ان الحق لا يضيع ما دام ورائه مطالب.
الصهاينة ظنوا أن الفرصة مؤاتية لهم لإحداث تغيير جوهري في المسجد الاقصى، عبر التقسيم الزمني وربما ما هو ابعد من ذلك، فالدول العربية التي كانت تشكل تهديدا لها انهار معظمها بفعل احداث الربيع العربي، والسلطة الفلسطينية جرى احتوائها الى حد، فضلا عن فعل القوى والتوجهات والثقافات المدمرة التي تنخر في الجسد العربي منذ عشرات السنين، لكنهم وقفوا صاغرين أمام الدهشة التي ولدها جيل جديد.. عقد العزم على أن تحيا فلسطين.
جيل.. ما كان بحساباتهم، كانوا يظنونه فارغاً، منسلخا عن حاضره وتاريخه ودينه وأمته، وقد هيئ تماماً للدور الذي حدده الصهيوني حاييم وايزمان، أول رئيس للدولة العبرية الغاصبة: "العرب سيكونون حطابين وسقاءين في الدولة الإسرائيلية"، أي ان المهن الوضيعة ستكون من نصيبهم، فأثبت هذا الجيل أن فلسطين ولادة، وأن الثورة ولادة.. وأن الابطال يولدون من رحم المعاناة والحصار والضغط، لا تختلف بوصلتهم ولا يغيرون ما في أنفسهم حتى يقلبون الطاولة على اعدائهم ويصنعون فجراً فلسطينياً لكل البشر.
هؤلاء الابطال يقاتلون اليوم بسكاكين مطابخ أمهاتهم، وغدا اذا اشتد الحصار بأسنانهم، أجبروا النتن ياهو ان يأمر وزراءه بعدم الذهاب الى القدس، خشية الاغتيال، وخشية أخرى، ان يثيروا غضب الابطال.
أما اولئك الغربيون فقد آن الاوان لتنسجم اداراتهم مع ما تراه شعوبهم، مع الضمير الانساني، أن الاوان ليتحرروا من اللجام الذي وضعه الصهاينة على افواههم، وينطقوا بالحق، ولو لمرة اولى في تاريخهم تجاه القضية الفلسطينية،لأن العالم لن يهدأ ويستقر الا اذا حلت أكبر قضية احتلال لشعب ما زال يناضل من أجل الحرية. فهل وصلت الرسالة.
أولئك الابطال في الميدان هم من يحدد اتجاه وبوصلة المعرك: لا نريدها انتفاضة ثالثة أو رابعة، وإنما انتفاضة اخيرة من أجل الخلاص؛ من أجل الحرية.
السبيل
