تساءل المفكر اللبناني علي حرب في معرض متابعته للسجال الدائر على صفحات السفير اللبنانية الصادرة اليوم، حول تحويل ظاهرة المقاومة الجهادية إلى (مقدس) فوق المجتمع:
"هل نحن قادرون على صُنع إمكانات تتيح للفرد امتلاك الاستقلالية والحرية في مواجهة سلطات العقيدة والدولة أو الحزب والقيادة أو المؤسسة والشركة"؟
وأجاب حرب بأن مثل هذه الإمكانية تعني أول ما تعني أن يُعامل الناس سواسية من حيث المساهمة في صناعة الحياة والمستقبل،" بحيث لا يستقوي أو يتباهى أحد على غيره، بدور نبوي رسالي أو بموقع نخبوي اصطفائي، ما دام الكل يسهمون في إنتاج الحقائق والوقائع، كل من موقعه ودائرة عمله، أكانوا رؤساء أو أصحاب ثروات، رجال مقاومة أو باحثين عن عمل، فقهاء أو باعة صحف، فلاسفة أو منتجين للأغذية".يرى حرب أن الرد الإيجابي على
هذا المطلب هو أمر وجودي يتقدم على سائر المطالب، كما يتجسد في العمل على ولادة الفرد كفاعل بشري وكائن خلاق، قادر على صنع نفسه والمشاركة في قود مصيره".ومن خلال هذا المدخل خلص حرب إلى ملاحظتين:
" الأولى: هي أنه في المجتمع الذي تسود فيه قيم التواصل العقلاني والتداول المثمر، كل شيء يخضع للحوار العمومي، خاصة إذا اعتبرنا أننا أصحاب مهن بشرية لا أصحاب رسالات قدسية متعالية، سواء كنا نحرث الأرض أو نكتب في المقهى، نقاوم الاحتلال أو نحارب الفساد. وإذا كانت المقاومة، على ما نؤكد، ليست ملكا لطائفة أو حكرا على جماعة، بل هي لكل اللبنانيين، وإذا كان النصر الذي حققته هو نصر للبنان بأسره على الأقل، وإذا كان المقاومون لم يهبطوا من عالم آخر، بل هم جزء من المجتمع المدني، كما أكد قائد المقاومة السيد حسن نصر الله، ففي المجتمع المدني لا وصاية لأحد على شأن عام أو قضية وطنية، مما يعني أن من حق الجميع طرح الاسئلة وفتح المناقشة حول كل ما يتصل بالمقاومة: مرجعياتها وأفكارها، حزبها ومؤسساتها، خياراتها وسياساتها".
المعادل الثقافي
ورحب حرب بالسوية العالية من الحوارات الدائرة وما اتسمت به من مناقشة عقلانية هادئة أو حارة وخص ما كتبه في هذا المجال كل من
أحمد بزّون وشوقي بزيع ومحمد علي شمس الدين وعباس بيضون.. مؤكدا أن المساءلة النقدية ليست انتقاصا من الإنجاز الذي حققته المقاومة، "على ما يظن الذين يتعاملون مع المسألة بعقلية التصنيف والإدانة. بالعكس إنها محاولة لقراءة الحدث بغية استكشاف الممكن وتفكيك الممتنع أو كشف المحجوب. وهذه مهمة المثقفين الذين ينشغلون بطرح أسئلة الحدث وصوغ إشكالياته او بتبيان أوجه مفارقاته وتناقضاته. فضلا عن الذين يهتمون بإنتاج الأدوات المفهومية والصيغ العقلانية التي تتيح قراءة الأحداث والمتغيرات عامة". واستدرك حرب بضرورة أن يحظى المقاوم أو المدافع عن المجتمع بالتقدير والتكريم، وهذا أمر لا جدال فيه، كما يقول "ولكن من غير تقديس لأفعالنا البشرية، حتى لا نقع فريسة ما أو مَن نقدسه. فالحاجات هي في النهاية متبادلة في مجتمع التعارف أو التواصل والتداول. وكما أن هناك حاجة للمدافعة والمقاومة ضد الغزو أو الاحتلال، فإن المجتمع الذي تدافع عنه المقاومة وتتغذى منه يحتاج، في المقابل، إلى كل من يعمل وينتج في حقل اختصاصه، كما يحتاج إلى العاملين في القطاع الثقافي، أي إلى الذين ينتجون القصائد واللوحات والروايات والمقالات والأفكار".وإذا ماتم احترام هذه الأسس والمفاهيم فمعنى ذلك أن "لا يحل أحد محل أحد أو يلتحق به. ولا فئة تمارس الوصاية أو الأستاذة على غيرها أو على المجتمع باسم أي حق أو تحت أي شعار كان. فلكل مهنته ومهمته. والذين يفكرون ويناقشون أو يكتبون ويؤلفون، حول قضايا التنمية والعولمة وسوى ذلك من وقائع العصر، لا يمارسون ترفا، وإنما يقومون بعمل هو جزء من الحيوية الفكرية للمجتمع، بقدر ما هو المعادل الثقافي لفعل المقاومة، سواء كانوا يمارسون عملهم في البيت والمكتب أو في المقهى والنادي أو في الصحيفة وعلى الشاشة".
وتأكيدا على ما قال استشهد حرب بما حدث في لبنان على امتداد الفترة الماضية حيث لم تنقطع فيه الصحف عن الصدور، طوال الحرب، باستثناء يوم أو يومين، ومثل هذا الأمر يعد من قبيل المعجزة الخارقة التي وفرت أرضا صلبة للصمود والمقاومة.
النقد والحقيقة المطلقة
وبناء على كل ما تقدم يخلص حرب بأنه "لا ينبغي أن تستولي علينا العصبية الحزبية أو الطائفية، خاصة انه لا أحد منا يقبض على الحقيقة أو يحتكر تجسيد القضايا العامة التي تتعدى الأهلي والخاص والفئوي نحو العمومي والشأن الوطني. فالمجتمع يبقى اكبر وأقوى من أي من عناصره أو قواه، إذا لم نشأ الوصول إلى أحادية الرأي والاستبداد بالأمر.
كذلك لا ينبغي لمهام التأييد والتكريم أن تتغلب على مهمة التفكير على سبيل الفهم والتشخيص، وفي أجواء المناقشة العقلانية المفتوحة. فالمجتمع الذي يغلق على فكره لا يستطيع الصمود أو المقاومة، ولا يحقق بالطبع سبقا أو تنمية. والنقاش حول أية مسألة لا يثمر مع عقلية القداسة والوصاية أو بمنطق المصادرة والإدانة المسبقة".
واعترف حرب بأنه قد قسا احيانا ولكنه كان يتحاشى في نقده التجريح على المستوى الشخصي،وبعيدا عن لغة الإدانة والشتيمة، "أي بعكس ما كُتب، (ردا على مقالتي حول المقاومة) في مجلة أسبوعية أراد لها أصحابها أو بعض كتابها أن تكون مؤسسة لفبركة المسبات والشتائم، هكذا من غير تُقى فكري أو حياء معرفي، ومن دون مراعاة لأدب المحاورة والمناقشة"—(البوابة)