زيارة تاريخية تطوي صفحة الماضي: اكثر من مليون جزائري في استقبال شيراك

تاريخ النشر: 03 مارس 2003 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

خرج ما لا يقل عن مليون جزائري امس ترحيبا بالرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي كان وصل العاصمة الجزائرية في اول زيارة لرئيس فرنسي للجزائر من استقلالها قبل 41 عاما. 

وزيارة شيراك التاريخية لفرنسا التي تستغرق ثلاثة أيام، هي زيارة الدولة الاولى لرئيس فرنسي لهذه المستعمرة الفرنسية السابقة منذ استقلالها عام 1962،وتهدف الى إقامة شركة متينة بين البلدين وبلسمة الجروح القديمة.  

ويشار الى أن شيراك نفسه كان ضابطاً في الجيش الفرنسي الذي خاض حرباً ضروساً استغرقت ثماني سنوات لابقاء الجزائر تحت الاستعمار الفرنسي وانتهت باستقلال الجزائر بعد 132 سنة من الاستعمار.  

وكان الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في استقبال الرئيس الفرنسي في مطار هواري بو مدين ترافقه زوجته برناديت، الى وفد كبير مؤلف من وزراء ونواب ورجال أعمال فرنسيين أو ذوي اصل جزائري ورئيس جمعية "أس أو أس راسيسم" المناهضة للعنصرية مالك بوتيح وفنانين ، منهم الراقص قادر بلعربي والمغني شاب مامي والممثلة نيكول غارسيا المولودة في الجزائر.  

وحيا شيراك طويلاً الشخصيات التي جاءت للترحيب به، بمن فيها جميع اعضاء الحكومة الجزائرية ورئيس هيئة اركان الجيش اللواء محمد لعماري وديبلوماسيون. ووقف رئيسا المجلس الشعبي الوطني ومجلس الامة عبد القادر بن صلاح وكريم يونس الى جانب رئيس الوزراء الجزائري علي بنفليس واللواء لعماري عند سلم الطائرة في انتظار الرئيس الفرنسي.  

وفي مبادرة استثنائية، قامت وحدات من سلاحي البر والجو بعرض عسكري أمام الرئيسين الفرنسي والجزائري. وبعد مراسم الاستقبال توجها مباشرة الى وسط الجزائر التي تبعد عن المطار نحو 15 كيلومتراً حيث رفعت اعلام البلدين وصور عملاقة للرئيسين ولافتات ترحيب علقت على اعمدة الكهرباء وعلى واجهات المباني المطلية حديثا.  

ووقف مئات الالاف من الجزائريين، حسب تقديرات رجال الامن الفرنسي، على جانبي الطريق ليحيوا الرئيس الفرنسي. فيما أفادت الاجهزة الامنية الجزائرية أن 1.5 مليون شخص نزلوا الى الشوارع وتجمعوا على الارصفة والشرفات، أو حتى تسلقوا الاشجار وأعمدة الكهرباء.  

واقيم لشيراك استقبال شعبي ضخم وفي وسط الجزائر العاصمة حيث اختلطت بالحشود فرق فنية فولكلورية جاءت من كل أنحاء الجزائر للتعبير عن الفرحة بزيارته.  

وركب الرئيسان سيارة "مرسيدس 600 " سوداء مكشوفة، وسارت أمامها فرقة من خيالة الحرس الجمهوري الى ساحة صوفيا حيث أعلن رئيس بلدية الجزائر طيب زيتوني شيراك مواطن شرف، وقدمت له فتاة ترتدي زياً تقليدياً مفتاح المدينة. وفي شارع زيروت يوسف، سار الرئيسان نحو 500 متر على شاطىء البحر حيث كان ينتظرهما الاف الجزائريين، ولم يتوان الرئيس الفرنسي عن تخطي الحاجز الامني ومصافحة المواطنين امام النظرات القلقة لمرافقيه.كل ذلك وسط هتافات"شيراك، شيراك"، وأخرى سياسية مؤيدة للعراق، مثل "الجيش والشعب مع صدام حسين، الرئيس العراقي"، و"لا لحرب على العراق"، و"فيتو"، في دعوة لفرنساالى استخدام حق النقض في مجلس الامن ضد مشروع قرار اميركي.ولم تغب الهموم المحلية عن صيحات الشبان الذين هتف بعضهم "فيزا...فيزا" .  

ومن وسط المدينة، ركب شيراك مع مضيفه سيارة "ليموزين" سوداء في اتجاه حي باب الواد الذي كان على التوالي معقلاً للمتشددين في أيام الاستعمار الفرنسي، ثم للمتشددين الاسلاميين خلال الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. وهناك وضع إكليلاً من الزهر احياء لذكرى الذين قضوا في الفيضانات التي اجتاحت في 10 تشرين الثاني 2001 هذا الحي الشعبي وادت الى مقتل 700 شخص.  

وكانت الجزائر العاصمة شهدت أجواء احتفالية منذ الصباح. وتولت عشرات الاوتوبيسات نقل سكان الضواحي الى وسط العاصمة ووُزعت عليهم صور للرئيسين وأعلام صغيرة للبلدين.  

وروى صحافي أن أعضاء قبيلة "العرش" رأس الحربة في حركة التمرد في منطقة القبائل (شرق الجزائر)، لم يتمكنوا من مقابلة الرئيس الفرنسي امس، كما خططوا لذلك.  

وكانت تنسيقية العروش (كبرى عائلات منطقة القبائل في الجزائر) قررت اغتنام وصول شيراك للفت انتباهه الى وضع منطقتها التي تخوض تمرداً مسلحاً ضد السلطة المركزية منذ المواجهات الدامية في أيلول "الاسود" التي ادت الى مقتل المئات وجرح الالاف. الا ان قوى الامن كثفت حواجزها على الطريق المؤدية من منطقة القبائل الى العاصمة، الامر الذي تسبب بازدحام سير خانق.  

وأجرى شيراك وبوتفليقة محادثات في قصر الشعب وقعا بعدها "اعلان الجزائر" الذي تعهد بموجبه الجانبان تعزير تعاونهما السياسي والاقتصادي والثقافي والعلمي وتسهيل انتقال الجزائريين الى فرنسا والفرنسيين الى الجزائر.  

ويمهد الاعلان لصوغ معاهدة صداقة على غرار معاهدة الاليزيه الموقعة عام 1963 والتي كرست المصالحة الفرنسية-الالمانية.  

ومما جاء في "إعلان الجزائر" ان البلدين اتفقا على "طي صفحة وإرساء أسس جديدة لعلاقة شاملة قوية وواثقة تتطلع بعزم نحو المستقبل" بغية إقامة "علاقات مميزة بين البلدين وشركة استثنائية".  

ولاحقاً، أقام بوتفليقة مأدبة عشاء في قصر الشعب على شرف شيراك الذي ألقى كلمة تحدث فيها عن "بديل من الحرب" في العراق وشدد على ضرورة مواصلة عمليات التفتيش الدولية في هذا البلد.  

ومن المقرر أن يلقي اليوم خطابا أمام اعضاء المجلس الشعبي الوطني ومجلس الامة يتناول فيه الخطوط العريضة للتعاون المتجدد بين فرنسا والجزائر—(البوابة)