تقول انك متعب.. ان الحياة لم تعد تحتفي بك، لم تعد دروبك تقود الى صخب.. ولا نوافذك تهتز في ريح مباغتة.
تقول انك تحيا كنائم، وتنام كميت، تمارس الاشياء بشكل الي، تاكل لانك اعتدت الاكل، تعمل.. بدون وعي، يتاكلك السأم والعادة والدروب التي لم تعد تقود لشيء.
تحاول ان تغير عاداتك.. تتناسى ساعات الاستيقاظ اليومي، تاخذ اجازة من العمل، وقيلولة بعد الظهر، والاخبار "على رأس الساعة".. تحاول ان تحيي علاقاتك القديمة.. تلتقي اصدقاء يصفعك انهم لم يعودوا هم.. تسير في دروب املت ان تكون ظلت هي هي.. وفي كل الاحوال.. تنصدم بان شيئا لم يبق كما هو.. ولا حتى انت!؟.
تستيقظ في الليل، تذهب الى الحمام.. بغتة تلمح وجهك في المرآة.. اسالك بصدق: هل قدرت ان تتملى بملامحك.. ان تنظر بعمق في عينيك..!؟.
هلا سالت: اين انت؟
من انت؟
وفي أي درب.. في أي منحنى فقدت من كنت؟.
..
تسأل عن اشياء كثيرة: تقول ان زوجتك تخالك عاشقا.. ثمة امراة اخرى في حياتك! رب عملك يتهمك بانك هرمت.. زملائك يسالونك ما القصة..!؟ الجيران يعدونك انسانا غريبا، يحيرهم خروجك في الليل او عودتك من حيث لا يعرفون في الفجر.. وقوفك في البرندة " في عز البرد" ترقب المطر والطرقات واللاشيء (ربما شكوا بانك لص.. لولا مكانتك!). وحتى مشاركتك لهم صلاة الفجر اياما متناثرة جدا في جامع الحي، تثير ريبتهم وجنونهم.
..
تسأل يا "صديقي" عن اشياء كثيرة.. تشخص ازمتك، ازمتنا، ازمة الانسان.. ازمة الجذوع التي ينتابها اليباس ولما يزل فيها نسغ يصبو للصعود لعل.
..
حقا فمنذ زمن بعيد لم تعد، نعد: نثمل اكثر من المعتاد.. او نغامر اكثر من المعتاد او ننهزم اكثر من المعتاد.
اصبحت امورنا محسوبة بدقة.. بهدف الحفاظ على العائلة والمكانة وربما المهابة الكاذبة.
نستيقظ في موعد دقيق، نعمل في موعد دقيق، نستدين مبلغا دقيقا، نحسب المصروف بشكل دقيق، نعطي بشكل دقيق.. وبالتالي حتى عواطفنا اصبحنا نحسبها بدقة.
ما بقي فينا.. روح معذبة تصبو للانعتاق من كل هذه الحسبة، من كل هذا الركام.
