عمان – محمد عمر
سقطت كالورق الذابل أحلام السوريين بديمقراطية سياسية بعد عقود من حكم الحزب الواحد، وتلاشت بسرعة نسمات ربيع دمشق التي بدأت تهب على "قلب العروبة النابض" منذ انتخاب الرئيس السوري الشاب بشار الأسد في تموز/يوليو الماضي.
نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام يعتبر أنصار الليبرالية قد تجاوزو الخطوط الحمراء، ويقول انهم يريدون اشغال سوريا عن هدفها القومي وصراعها مع إسرائيل، ويقول لن نسمح بتحويل سوريا إلى جزائر جديدة.
قبل تصريحات خدام، يسمح رئيس مجلس الشعب عبد القادر قدورة للشرطة باستجواب النائب المعارض رياض سيف صاحب أول مبادرة في تشكيل مؤسسة سلمية معارضة للنظام، بعدها تصدر وزارة الداخلية تعليمات تمنع عقد المنتديات الفكرية التي وسمت نفسها بمنتديات إحياء المجتمع المدني.
وقبل ذلك، تسجن سيدة لأنها أرسلت لأصدقائها عبر الإنترنت كاريكاتيرا للرئيس الأسد، ويتعرض الروائي المعروف نبيل سليمان لضرب مبرح لاستضافته محاضرات ناقشت إقامة مجتمع مدني، ويقتحم أعضاء من حزب البعث الحاكم اجتماعات منتديات المجتمع المدني فيثيرون زوبعة من الشتائم والتخويف.
وشهدت هذه الندوات دعوات غير مسبوقة لاقامة ديمقراطية في سوريا وإجراء انتخابات حرة والإفراج عن المعتقلين السياسيين وتعليق الأحكام العرفية السائدة منذ نحو 40 عاما وإنهاء استئثار حزب البعث بالسلطة، واجتذبت هذه الندوات، التي تكاثرت بعد تعهدات الأسد المضي في سياسات إصلاح، عددا كبيرا من المحاضرين والمستمعين.
بيد أن الحرس القديم الذي رافق الأسد الأب خلال حكمه وبقي محيطا بالأسد الابن، لم يستسغ كل هذا الكلام عن الديمقراطية والإصلاح السياسي والاقتصادي فشن هجوما مضادا افتتحه خدام بتصريحاته الشهيرة.
ويبدو أن الهجوم قد أثمر بسرعة فقد استطاع إحداث خلل وانقسامات في أوساط الداعين إلى المجتمع المدني، وأعلن ميشال كيلو أحد أعضاء الهيئة التأسيسية للجان "المجتمع المدني" انسحابه وإنهاء عضويته في هذه الهيئة. وقام النائب سيف بتحويل منزله إلى مضافة شعبية عوضا عن "منتدى الحوار الوطني"، واتهمت جماعة من المثقفين الروائي نبيل سليمان بالادعاء بحصول الاعتداء عليه.
الكاتب السوري الإصلاحي جاد الكريم جباعي اعتبر في تصريحات لصحف عربية أن الحركة التي شهدتها سوريا ستبقى "فهي انطلقت في المجتمع ولا رجعة عنها وهذا الموقف ليس فيه تحد للدولة لأن حركة الإصلاح تحتاج إلى مشاركة إيجابية من الجميع".
ويقول إصلاحي آخر إن "رد الفعل المضاد كان متوقعا من الذين احتكروا واستغلوا واستثمروا السلطة والنفوذ . ولكنهم سيؤخرون التغيير فقط والرحلة طويلة وشاقة ولكن لا تراجع عنها".
وبغض النظر عن تفاؤل أنصار المجتمع المدني بحتمية انتصار الإصلاحات فان الأمر كله يبدو منوطا بالرئيس الأسد، وما إذا كانت وعوده بالإصلاح حقيقية.
وفي هذا الصدد، يعتقد محللون سياسيون إن الأمر لا يتعلق برغبة الأسد الابن في الإصلاح فقط وانما في الممكن منها في بلاد بقيت طوال عقود تحت حكم الحزب الواحد وفي ظل وراثته جهاز والده الأمني والحرس القديم الذي لا يزال في موقع القوة.
ويبدو أيضا أن بقاء الحرس القديم هو أيضا مثار جدل بين الأوساط السياسية فهناك من يعتقد أن بشار بحاجة لهؤلاء للإقدام على تغيير القوانين المعيقة للإصلاح، غير أن هناك من يعتقد بأن بقائهم سيقضي على كل أمل في الإصلاحات، وعلى كل حال فقد رحل الأب قبل أن يمهد الطريق تماما أمام ابنه الذي استدعي على عجل من لندن عام 1994 بعد وفاة شقيقه الأكبر باسل ليعد لخلافة والده خلفا لشقيقه.
وبعيدا عن سؤال مستقبل الإصلاحات في سوريا، يبقى في ذهن المواطن العربي السؤال نفسه : هل تعيدنا تصريحات نائب الرئيس السوري حول اشغال سوريا عن صراعها مع إسرائيل إلى الربع الأول؟ وهل تتناقض الديمقراطية والإصلاحات مع الصراع ضد إسرائيل؟ وهل بالضرورة أن تؤدي الديمقراطية إلى زعزعة أركان المجتمع وتهدد نسيجه وسلمه الأهلي؟—(البوابة)