ربنا يكسر رجلين توركان..!

تاريخ النشر: 17 يونيو 2007 - 02:52 GMT

 

ابو سرداح الفواح

 

وبدأت أجري وأجري وأجري.. واتعثر فاسقط ثم اقوم واواصل الجري هربا من النساء اللواتي شنن حملة علي.. كانها عاصفة الصحراء. وخفت ان يكون تومي فرانكس او شوارسكوف نسق الهجوم علي.

جريت وقد اعتراني الذعر ان اسقط في يد واحدة منهن.. قبيحة الشكل، تفترسني في ليلة ليس لها ضوء قمر.. دون حتى ان تسمي علي..! زي ما بيقولوا.

وهالني ان اسمع شيخ الغجر والرجالة اللي حواليه يهتفون هتافات التشجيع للنساء، وهم يدفعون لرجل رهاناتهم على من ستصطادني، ويقول شيخ الغجر باعلى صوته.. فض فوه: ايوه .. الحقيه  يا توركان. اوعي يفلت منك، اصلي راهنت عليكي.

 وتلفت .. لفتة سريعة، ورايت امرأة كانها من لاعبي كرة السلة، فارعة الطول.. ضخمة الجثة، بشعة الخلقة.. عيونها جاحظة، واسنانها تركض امامها.. تقترب مني بسرعة كبيرة، وتسبق كل النساء الاخريات.. فايقنت انها توركان.. واني حروح في خبر كان.

ايه الورطة دي يا ربي.. هحعمل ايه؟ وهروح فين؟ دا انا مش قادر حتى اقعد شوية، وقد تملكني التعب، (حلوة تملكني التعب دي) واندب حظي..

وصرت اجري اسرع من الاول.. وشاهدت رابية صغيرة مرتفعة فجاوزتها.. عندها فوجئت بان خلفها هاوية عالية تحتها يقبع بحر مرمرة.

فقلت وانا الهث: هيه دي اخرتها.. خلاص يا ابو سرداح.. رحت فسيخ يا راجل.

وشاهدت وانا ارتعد رعدا رعديدا ، توركان تصعد التلة تلهث وفي عينيها نظرة النصر والظفر.. فابتعدت الى الوراء بحكم المفاجأة.. ونظرت خلفي الى الهاوية وفكرت: احدف نفسي فيها واخلص من توركان واهل توركان.. لعن الله توركان. لكن الهاوية كانت عالية.. ورجليّ مربطة. هسبح ازاي انا يا ناس!؟.

وصرت اندب حظي وادعي على توركان ان ربنا يكسر رجليها وما تصلنيش.

ونظرت مرة ثانية الى توركان وقد اخذت تقترب مني.. لحظة شاهدت فارسا ملثما يندفع كالسهم فوق الرابية على حصانه الاسود.. ويتجاوز توركان اتيا الي.. فقلت في نفسي: حلوة دي واللهي.. اتبسط يا ابو سرداح.. اهو جالك اللي هوه العن من توركان.

 واقترب الفارس وحصانه حتى صار قربي.. ورفع الحصان قائمتيه في وجهي.. فتراجعت خطوة حتى كادت قدمي تزلان واسقط في الهاوية.. لكنه عاد وانزل قائمتيه قربي.. وترجل الفارس الملثم مسرعا وسحب سكينا فخلته سيذبحني بها ذبحا ويجز راسي، فتشاهدت. لكنه قطع بها الحبل الذي كان يقيدني وقال بصوت اشبه بتغريد الطيور.. وهديل اليمام: اركب بسرعة يا ابو سرداح..

فقلت مسارعا: بس انا عمري ما ركبت حصان.. بخاف اركبه.

فرد الصوت: بسرعة يا ابو سرداح.. والا  وقعت في قبضت توركان.

فركبت الحمار.. عفوا الحصان هوا.. وركبت الفارسة الملثمة امامي وقالت لي امسك بخاصرتي..

 

ايه ده.. ايه الهنا ده.. قلت في نفسي.. وما ان وضعت يدي على بطنها وخاصرتها  حتى تذكرت قول الشاعر :

والبطن مطوي كما طويت بيض الرياط يصونها الملد

خصر ايه.. ورقة ايه.. و.. ايه.

وايقظني من الحلم الوردي  صوت توركان تزمجر كالمجانين.. ولحظة تراجعت الفارسة بالحصان.. اقتربت توركان وكادت تقبض على يدي.. لولا ان الفارسة التي امسك بخصرها النحيل بين يدي رفستها برجلها فسقطت ارضا تتاوه.. وانا اتاوه.. بس كل واحد لسبب مختلف..!؟ وانطلقت تعدو بالحصان مطلقة له العنان.. الى ما لست ادري.

وما ان قطعنا شوطا.. حتى فكت اللثام عن راسها ووجهها.. فانسدل كما يسقط الماء شعرها.. يهفهف على وجهي.. حتى كدت يغمى عليا.

والتفتت.. والحصان يعدو بنا.. فاذا بها نرجس.. احلى نرجس في الوجود، تقول: اسفة.. انا اسفة يا ابو سرداح، حفسرلك اللي حصل.. مكنش بايدي.

قلت كالمجنون: دلوقت.. انا ممكن اتقطع حتة حتة  وما يهمنيش، لانك معايا..

قالت  مداعبة: يعني ايه.. ارجعك لتوركان..!

قلت مستخدما اللهجة الشامية:يا ماما.. دخيلك..دخيل عيونك الحلوين.. دخيل شعرك الغجري المجنون ، زي ما بيقول نزار قباني.. خلينا كده..!

قالت: لامتى..

قلت وانا اشد يدي على خصرها واضع راسي على اعلى ظهرها: الى الابد.. يا نرجس..الى الابد.

فضحكت.. ضحكة يخجل منها الفجر اذا انبلج ، وتزغرد الامواج في البحر القريب اذا اتاها المد.. ومدت يدها ونحن في نفس الوضعية، ولمست عنقي ملاطفة.. فاشتعلت النجوم.. في القبة السماوية فوقنا وسكر الرمل على الشاطي الغريب.

وسرنا والحصان يسير بنا خفيفا على الامواج.. حتى اخر الليل ونحن لا ندري عن الوقت.. ونستعيض عن الكلام.. بهمس نسائم البحر.. وهفهفة شعرها الناعم على وجهي.

 

[email protected]