رام الله – عزت الراميني
دعت راوية الشوا عضو المجلس التشريعي الفلسطيني عن مدينة غزة السلطة الفلسطينية إلى التوقف عن الثناء على الدور الأميركي في رعاية عملية السلام، وقالت في حوار مع "البوابة" إن باراك يواجه مستقبلا سياسيا مظلما، مشيرة إلى الانتفاضة نجحت في انهاء مرجعية أوسلو. وفيما يلي نص الحوار..
ما هي آفاق الانتفاضة بعد دخولها الأسبوع السابع؟
- ليس من السهل على أحد أن يزعم أنه متأكد مما ستؤول إليه تطورات الانتفاضة. وبالتالي مستقبلها، وذلك على الرغم من تطلعاتنا وآمالنا جميعاً، في أن تستمر وتحقق أهدافنا الوطنية وعلى رأسها الحرية والاستقلال.
فنحن الآن أمام تضحيات جسيمة جداً يقدمها شعبنا يومياً في الانسان والممتلكات والإقتصاد، وهو يواجه وحشية وعنفاً إسرائيلياً لم يسبق له مثيل في مثل هذه الظروف التي يخوض فيها شعبنا انتفاضة سلمية – في غالبيتها – في مواجهة جيش مدجج بالسلاح، لم يتوان عن استخدام الثقيل منه حتى المروحيات والدبابات والصواريخ، ومع ذلك فالشعب الفلسطيني – وعبر عقود متعاقبة – أثبت أنه قادر على المقاومة والصمود يشكل مذهل، لكنه بحاجة إلى توفير الظروف التي تمكنه من الاستمرار في مقاومته وصموده بدءاً من أداء قيادته السياسية، والوحدة الوطنية، مروراً بالموقف العربي والاسلامي الداعم والمؤازر للشعب الفلسطيني سياسياً ودبلوماسياً واعلامياً ومادياً، وبالتالي فإذا ما توافرت هذه الظروف التي تحدثت عنها فبإمكان الانتفاضة أن تستمر، وأن تكون آفاقها كما هي طموحاتها.
ما هي المعطيات السياسية للانتفاضة وكيف تقيمين أداء القيادة الفلسطينية؟
- أحد أهم المعاني التي جسدتها الانتفاضة، كان الاعلان عن فشل الصيغة الإسرائيلية الأميركية لعملية السلام، التي فرضت علينا منذ عام 1993 (اتفاق اوسلو) ولم تكن زيارة شارون إلى الحرم القدسي الشريف إلاَّ القشة التي قصمت ظهر البعير، فجوهر الانتفاضة قائم على الملل والاحباط والرفض لعملية السلام، التي لم توصل الشعب الفلسطيني إلاَّ إلى إحكام الاحتلال لسيطرته عليه، وتمزيق جغرافيته، وتقوية المستوطنات، وتيئيسه من تحقيق أهدافه الوطنية، وقد كانت مفاوضات كامب ديفيد صورة حية لشعبنا عما تريده دولة الاحتلال من عملية السلام، وهو ما يتناقض كلياً مع الحد الأدنى من مطالب الشعب الفلسطيني إزاء هذا الوضع، فإن أداء القيادة الفلسطينية السياسية المعلن حتى هذه اللحظة، ينسجم إلى حد ما، مع تطلعات شعبنا الذي يعبر على أن تكون أي عودة للمفاوضات مشروطة بالتزام الجانب الإسرائيلي بمرجعية عملية السلام، وهي قرارا مجلس الأمن 242، 338 وتطبيق قرارات الشرعية الدولية الأخرى، الخاصة بالقضية الفلسطينية لا سيما القرار 194 المتعلق بحق العودة والتعويض، ويبقى علينا أن نشير إلى أن القيادة الفلسطينية مطالبة بإحداث تعديل على نظرتها وتعاملها مع الولايات المتحدة التي أثبتت خلال السنوات السابقة- تأكد ذلك في الانتفاضة – أنها تفتقر إلى النزاهة والموضوعية والحيادية تجاه الصراع العربي الاسرائيلي، ولا تصلح لأن تكون راعياً منفرداً لعملية السلام، وعلى السلطة الوطنية أن تكف عن مديح الراعي الأميركي، لأنه لا يستحق ذلك أخلاقياً وسياسياً.
هل هناك إمكانية واقعية لفرض مرجعية جديدة للمفاوضات؟
- نعم بالإمكان القول إن الانتفاضة قبرت اتفاقيات أوسلو، وكما أشرنا في إجابتنا على السؤال السابق، فإن السلطة مطالبة الآن بأن تتمسك بدون أي تراخٍ بشروط جديدة للعودة إلى طاولة المفاوضات، وهذه الشروط تستند إلى التزام إسرائيل بتطبيق قرارات الشرعية الدولية، التي تفضي إلى إنهاء الاحتلال نهائياً، عسكرياً ومدنيا، وانتزاع سيادة فلسطينية كاملة على جميع الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1997 بما فيها القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، فالسنوات السابقة من المفاوضات كانت كافية لوقف هذا الشكل من المفاوضات الذي استخدمته اسرائيل غطاء لاستمرار احتلالها وتوسيع مستوطناتها وتنفيذ جرائمها ضد الشعب الفلسطيني.
هل يمكن أن تقف الانتفاضة مقابل انسحاب قوات الاحتلال الاسرائيلي إلى نقاط تمركزها قبل 28/ 9؟
- إن هذا الطرح لا يمكن القبول به من أي فلسطيني، واعتبر أن مثل هذا الطرح لا يرقى إلى مستوى الجريمة بحق الشعب الفلسطيني الأعزل، الذي يتعرض للعنف والقمع والارهاب من جانب إسرائيل، وهو استخفاف بدماء أكثر من مئتي شهيد وآلاف الجرحى، سقطوا خلال الانتفاضة المستمرة، بالاضافة الى معاناة الشعب الفلسطيني بأكمله من جراء الاجراءات والممارسات التعسفية المتمثلة في قصف الممتلكات وتدميرها، والحصار الذي أدى إلى شلل كامل للحياة الاقتصادية، ومسألة انسحاب قوات الاحتلال إلى مواقع ما قبل 28/ 9 تعني لنا شيئاً جوهرياً، وإذا ما تم تنفيذه فيجب أن لا يكون له ثمن ندفعه كشعب فلسطيني، فما هو إلا خدعة اسرائيلية أميركية للاتفاق على جوهر الانتفاضة، لذلك نحذر بشدة من أي اتفاقيات أمنية أو سياسية تقوم على أساس هذا الطرح.
وماذا عن وقف الانتفاضة مقابل وقف الانشطة والتوسع الاستيطاني؟
- هذا الطرح مرفوض أيضاً، ليس فقط بسبب عدم شرعية المستوطنات كلها، ولكن أيضاً كان من المفروض أن نرى نهاية المستوطنات بعد مرور خمسة أعوام على اتفاق أوسلو (المرحلة الانتقالية)، وعدم تنفيذ هذا الاتفاق، واندلاع الانتفاضة المستمرة يعيدنا تلقائياً إلى قرارات الشرعية الدولية المتعلقة بالاستيطان، الذي تعتبره باطلاً وغير شرعي، وبهذا المعنى لا يعقل أن يكون عدم التوسع في الاستيطان وكأنه تنازل من الاحتلال يجب أن يكون له مقابل (وأي مقابل، وقف الانتفاضة)، فضلاً عن أننا لا نثق إطلاقاً بأي طروحات اسرائيلية، ومسيرة الاحتلال معروفة خلال السنوات الماضية فيما يتعلق بالالتزام بالاتفاقيات.
كيف ترين الخارطة السياسية في إسرائيل؟
ليس من الغريب على من يفهم الدولة العبرية، أن يرى ذلك التوحد فيما بين ما يسمى اليسار واليمين في ظل الانتفاضة الشعبية الفلسطينية، فالجميع يعرف ما أصاب الساحة السياسية في اسرائيل من فرقة شديدة، خاصة في أعقاب محادثات كامب ديفيد (التي انتهت إلى فشل في التوصل إلى اتفاقيات)، حتى أن مصير حكومة باراك أصبح في مهب الريح، بعد أن تخلت عنه الاحزاب الدينية، بل وقررت اسقاطه.
لكن هذا الوضع تغير وتقلصت إلى حد كبير الاختلافات بين الاحزاب الصهيونية بدءاً بالعمل والليكود ومروراً بالاحزاب الدينية وأحزاب الوسط، بعد أن اندلعت الانتفاضة، بل وأصبح حزب شاس الديني المتطرف يوفر شبكة أمان في الكنيست لحكومة باراك لحمايتها من سيف حجب الثقة الذي كان مسلطاً على رقبتها.
لكن ليس من المؤكد أن يستمر هذا التوحد، والواضح أن باراك في انتظار مستقبل مظلم وهو يتخبط في تعامله مع الانتفاضة، كما تخبط في تعامله مع الاتفاقيات الموقعة، وعملية السلام ومفاوضات كامب ديفيد، ويبدو أن هذا التخبط والفشل سيكون من نصيب كل رئيس وزراء اسرائيلي كما كان الحال مع نتنياهو من قبل، وذلك بسبب برامج الخداع ومحاولة الالتفاف على قرارات الشرعية الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية، لأن هذه البرامج تتناقض تلقائياً وجذرياً مع إمكانية تحقيق سلام عادل وشامل في المنطقة، وستبقى الساحة السياسية الاسرائيلية مرشحة لمزيد من الاختلافات والاستقطاب.
هل أدى الشارع العربي والإسلامي دوره؟
- لاشك أن الانتفاضة أدت إلى إحداث تحرك شعبي قوي في الدول العربية والاسلامية، كان لافتاً لانتباه الكثير من المراقبين، وأدى هذا التحرك إلى الضغط بإتجاه عقد مؤتمر القمة العربي الطارئ في القاهرة لدعم الانتفاضة، وإلى أن تكون الانتفاضة أهم الموضوعات المدرجة على جدول أعمال الاجتماع التاسع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في الدوحة، كما أدت المظاهرات الشعبية الغاضبة والصاخبة، إلى تعريض المصالح الأميركية للخطر بسبب الانحياز الأميركي المطلق لإسرائيل، ولكن من الملاحظ أن هذا التحرك بدأ ينحسر في الآونة الأخيرة لأسباب مختلفة، وكلي أمل في أن تنسجم الحكومات العربية وخاصة تلك التي ترتبط بعلاقات دبلوماسية مع اسرائيل مع حركة الشارع العربي والاسلامي بدلاً من احتوائها أو قمعها، حتى يشكل ذلك الانسجام دعماً لانتفاضة الشعب الفلسطيني.
ما هو موقفك من مسألة الإعلان عن الدولة؟
- كان موقفي – ولا يزال – من مسألة إعلان الدولة أنها ليست القضية التي نحن بصددها كشعب فلسطيني محتل في هذه المرحلة، لأننا نناضل ونجاهد من أجل إزالة الاحتلال بكافة أشكاله من جميع الاراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967، بما فيها القدس الشرقية وانتزاع الاستقلال الكامل، وحينها يتوج كل ذلك بالإعلان عن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
وأنا أتساءل منذ أن طرحت هذه المسألة: ما الفائدة من الإعلان عن دولة دون وجود حقيقي لهذه الدولة، فأراضيها محتلة وممزقة، والمستوطنات جاثمة فوق صدر شعبها، والسيادة على الحدود البرية وفي الجو وفي البحر للاحتلال، والاقتصاد تابع لاقتصاد الإحتلال، فهل إن هدفنا فقط هو الإعلان؟
ثم إن المرات العديدة التي تم فيها تأجيل الإعلان، يسبب إحراجاً للقيادة الفلسطينية أمام الشعب الفلسطيني والرأي العام العربي والاسلامي كما أنه يعمل على خلخلة ثقة الشعب في قيادته.
فما الذي يمنع من تجسيد مقومات الدولة على الارض وتهيئة المناخ لها، مع ترك الإعلان لوقته المناسب (توفر الظروف الموضوعية)، وبالتالي اتخاذ اجراءات من قبيل: اجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية وبلدية، والعمل على بناء مؤسسات فاعلة تقوم على أساس الكفاءة والفصل بين السلطات، تعزيز الممارسة الديموقراطية ومحاربة كافة اشكاله الفساد.. الخ.
هل تعتقدين بإمكانية وجود حماية دولية للشعب الفلسطيني؟
جاء مطلب الحماية الدولية في أعقاب الوحشية والعنف والارهاب الذي يمارسه جنود الاحتلال والمستوطنون ضد الفلسطينيين العزل – في غالبيته الساحقة – تحت حجة مواجهة الانتفاضة، والرفض الاسرائيلي القاطع لهذا الطلب (وكذلك المساندة الأميركية لهذا الرفض) ينبع من كون الاحتلال يخشى من أي شاهد على جرائمه وممارساته العنصرية، وهو ما حدث من الاحتلال تجاه وسائل الاعلام التي تنقل بالصوت والصورة ما يحدث من مجازر ووحشية ضد أبناء الشعب الفلسطيني، وللخروج من الضغوط العربية والاعلامية والدولية على مجلس الأمن قد تلجأ أميركا إلى الاتفاق مع حكومة الاحتلال الاسرائيلي بالالتفاف على هذا المطلب والظهور بمظهر الموافق عليه بعد إفراغه من مضمونه، مثل تحويل المسألة من قوات دولية مسلحة الى مراقبين دوليين وبأعداد قليلة، وقد تستخدم واشنطن هذه اللعبة في ضغطها على السلطة الوطنية من أجل تقديم ثمن مقابلها، على اعتبار أن اسرائيل استجابت للمطلب الفلسطيني.
وعلى أي حال فإن موضوع الحماية الدولية يجب أن يوضع في حجمه وسياقه الطبيعي، فهو ليس بديلاً عن جوهر المسألة الاساسية المتمثلة في إخراج الاحتلال نهائياً من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، ويجب ألا نتوقع من الحماية الدولية – أيضاً – (إذا ما توفرت) الإمساك بزر سحري يمنع جرائم الاحتلال الذي لا يهمه في النهاية أي احتجاجات دولية ما دام مدعوماً بالقوة الأميركية الظالمة.
ماذا حقق مؤتمرا القمة العربي والإسلامي؟
- لا أرى أن هناك تقدماً في الموقف السياسي لمؤتمر القمة الاسلامي عنه في العربي، بل من الواضح أن الأول استند في قراراته وتوصياته الى ما صدر عن الثاني، والاثنان لم يطالبا الدول العربية والاسلامية التي تقيم علاقات مع اسرائيل بقطعها بل اكتفيا بدعوتها إلى ذلك. وهناك فرق بين المطالبة والدعوة، وعلى كل حال فإن المؤتمرات الخطابية، رغم وجود بعض الايجابيات إلا أنها لا تلبي الحد الادنى من طموحات وتطلعات وتوقعات الشارع العربي، وربما ما نشعر به الآن هو أن الدول العربية والإسلامية نفضت أيديها من هموم الانتفاضة الفلسطينية بعد أن عقدت القمتان، وكأن هذا كل ما كان ينتظره الشعب الفلسطيني والشعوب العربية والاسلامية ومع ذلك، فالشعب الفلسطيني لازال ينتظر من الحكومات العربية والاسلامية الكثير الكثير سياسياً ودبلوماسياً واعلامياً واقتصادياً.
ماذا سيكون شكل الموقف الأميركي في حال تأكد فوز بوش؟
- كل من لديه معرفة بتركيبة الولايات المتحدة الأميركية وطبيعتها ونظامها السياسي ومراكز القوى وجماعات الضغط فيها، يدرك أن الفوارق والاختلافات بين الحزبين الكبيرين تجاه السياسة الخارجية تكاد تكون محدودة، وربما تنعدم فيما يتعلق بالقضايا العربية والإسلامية لا سيما القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، فخلال نصف القرن الماضي الذي شهد مأساة فلسطين، تبادل على السلطة في البيت الأبيض رؤساء وحكومات من الحزبين الكبيرين. لكن سياستهم الخارجية –في المحصلة النهائية- كانت لصالح الدولة العبرية، ودفعت دائما باتجاه تعزيز وتقوية التحالف الاستراتيجي معها وتبرير احتلالها وعدوانها والدفاع عنه بكل الاساليب والوسائل.
وصحيح أن بعض الرؤساء الأميركان كان أكثر شغفا بإسرائيل من غيره، وأكثر دفاعا عن مصالحها، لكن سياسة الدولة كانت تقريبا ثابتة في كل الأحوال، وهذا يحيلنا إلى أساس المشكلة، وهي دور وسائل الإعلام ومراكز التأثير على عقول الناس في الولايات المتحدة، بفعل وقوعها في قبضة اللوبي الصهيوني، حيث عملت على جعل إسرائيل ثابتا من ثوابت السياسة الخارجية الأميركية، وكل من يحاول التفكير في مجرد إعادة النظر في هذا الثابت يجد نفسه بلا مستقبل.
ونحن مع ذلك لا نفقد الأمل في التغيير، وإن كان صعبا للغاية، ويتطلب جهودا جباره خاصة من الجماعات العربية والمسلمة في الولايات المتحدة الأميركية، بحيث تنظم نفسها وتفعل تنظيماتها ومؤسساتها، وتمتلك وسائل إعلام مؤثرة وتخاطب العقل الأميركي بلغة يفهمها.
ونرجو أن يكسر جورج بوش الإبن في حال فوزه تلك القاعدة، التي سارت على أساسها السياسة الأميركية طوال عقود من الزمن، وأن يعمل وفقا لقرارات الشرعية الدولية التي تدعي واشنطن أنها تحرص على تطبيقها، وهي أبعد ما تكون عن ذلك، حيث أصبحت الإزدواجية في المعايير هي عنوان حركة الخارجية الأميركية.
هل تستطيع الانتفاضة الصمود في ظل الحرب الاقتصادية؟
- من الممكن أن تستمر الإنتفاضة حتى في ظل الحرب الاقتصادية والقمع الإسرائيلي بكافة أشكاله، إذا توفرت لها مقومات الصمود والاستمرار. وتقع على عاتق السلطة مسؤولية المصير الذي ستؤول إليه الإنتفاضة التي شكلت الطريق الصحيح باتجاه انتزاع حقوقنا الوطنية، وأوقفت مهزلة المفاوضات التي أرادتها اسرائيل مضيعة للوقت.
والسلطة مطالبة باعتماد خطة شاملة تمكن الشعب الفلسطيني من الصمود في وجه أشكال القمع الوحشي الإسرائيلي، ومن الاستمرار في انتفاضته المباركة، ولكن هذه الخطة –للأسف – غير متوفرة والأمور في أحسن أحوالها متروكة لردات الفعل وللإجتهادات الفردية والجهوية. وعلى أي حال فإن الخطة التي تشير اليها يجب أن تستند إلى المحاور الآتية:
- اعلامي وتعبوي: فهذا جانب على درجة كبيرة من الأهمية، ويشمل العمل على صعيد الجمهور الفلسطيني، من ناحية إطلاعه على التطورات عبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة وتوجيهها، وتعبئته وإرشاده خاصة في الاوقات التي يتعرض فيها للمخاطر المباشرة من قبيل القصف والارهاب الإسرائيلي، وكذلك محاربة الاشاعات والدعايات السوداء، التي لا تخدم سوى العدو، ومواجهة الحرب النفسية التي تشنها وسائل إعلام الاحتلال بأشكال مختلفة بهدف اضعاف الروح المعنوية لدى شعبنا ومناضليه، ودحض الروايات الإسرائيلية الكاذبة، التي تحول حقيقة الأحداث وتجيرها لصالحها.
كذلك يشمل المحور الإعلامي التحرك على صعيد الجمهور العربي والاسلامي للحفاظ على الزخم والتعاطف والدعم المعنوي، الذي تشكل بشكل كثيف وملحوظ خلال الإنتفاضة المستمرة، وهنا ننوه إلى أهمية قناة فلسطين الفضائية، وضرورة استخدامها بالشكل الأمثل لمخاطبة الجمهور العربي والاسلامي، أما الجانب الثالث الذي يشمله المحور الاعلامي فهو التحرك على الصعيد الدولي، وخطورته تكمن في سيطرة الإعلام الصهيوني عليه، ولا سيما في الدول المؤثرة على الساحة الدولية، ليس فقط في الولايات المتحدة الأميركية ولكن أيضا في بريطانيا وفرنسا وروسيا وألمانيا وسويسرا وغيرها، ويبدو أن التأثير الفلسطيني والعربي على إعلام تلك الدول معدوم وغائب، ولا أدري ماذا ينتظر الإعلاميون لدينا لكي يتحركوا على ذلك الصعيد الهام، ولا أدري كذلك أين العاملين في سفارات وقنصليات فلسطين، خاصة الملحقون الاعلاميون، ماذا ينتظرون؟.
- أمني: فهذا الجانب مهم جدا لبث الطمأنينة في نفوس الجماهير ولحماية المناضلين والنشطاء في الأحزاب والفصائل الوطنية والإسلامية والسياسيين، خاصة وأنه يجب توقع استخدام الاحتلال لعملائه من أجل القيام بعمليات تخريب وترويع وإغتيالات وبث إشاعات، وأشير هنا إلى أن العنصر البشري المتوفر لدى أجهزة الأمن والشرطة كاف للقيام بالمهمات التي تحمي الإنتفاضة ومناضليها وجماهيرها إذا توفرت لهم خطة مدروسة وجادة وواعية.
- اقتصادي: كان يجب أن تؤخذ الاحتياطات الإقتصادية التي تمكن شعبنا من الصمود قبل اندلاع الإنتفاضة، لا سيما وأن الحديث عن مواجهة بين الشعب الفلسطيني والإحتلال كان قد كثر خلال العام الأخير، وازداد أكثر وأكثر، بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد واحتمالات إعلان الدولة، لكن للأسف ما نعيشه اليوم في الإنتفاضة يثبت أن السلطة لم يكن لديها أي خطة استراتيجية اقتصادية. ونعني بها خطة صمود تأخذ بعين الاعتبار سيطرة الاحتلال على المعابر، وقدرته على فصل المناطق الفلسطينية عن بعضها البعض، وعن العالم الخارجي، فعلى سبيل المثال يوجد اليوم نقص شديد في الوقود في المناطق الفلسطينية، وإذا ما استمر هذا النقص فإنه يهدد بشلل الحياة الإقتصادية، أو ما بقي منها بعد الإغلاق والحصار والدمار الذي يقوم به الاحتلال.
- سياسي ودبلوماسي: فهذا الجانب مهم أيضا لكن يجب أن يكون فعالا ومنسقا مع التحرك العربي، خاصة على صعيد الأمم المتحدة وهيئاتها المختلفة.
*وما هو دور المجلس التشريعي؟
- أنا أعتقد أن الشعب متقدم – كما هي عادته – على كل الأحزاب والقوى والهيئات، بما فيها المجلس التشريعي على أهمية كل هؤلاء، ودور المجلس التشريعي في ظل الإنتفاضة، يختلف عن دوره التقليدي من حيث الأساليب والوسائل، وأتصور أن أهم عمل لأعضاء التشريعي اليوم، يتمثل في نشاط كل نائب وتفاعله مع أبناء شعبه المنتفض، ومشاركته في المسيرات والإعتصامات وبيوت عزاء الشهداء وزيارة الجرحى والمتضررين من الإعتداءات الإسرائيلية الهمجية، ورفع معنويات الشعب، ورصد حركة الشارع ونفسية الجماهير، للوقوف على معاناتها وهمومها ومشاكلها، ورفع تلك الملاحظات إلى المسؤولين كل في موقعه، حتى لا تظهر أي ثغرات في جبهة الجماهير المنتفضة—(البوابة)