خالد أبو الخير
افتتح دكانه قبل هبوب الأربعين، مدفوعا بفكرتين، الأولى كرهه للعمل بأيما وظيفة، والثانية أن لهذا الحي -في مدينة ما تزال تكبر- مستقبل.
وضع في الدكان الذي حمل اسم شهرته "أبو علي" كل قرش امتلكه من عمله الطويل في المحاجر، يقطع الصخر ويشذبه، واستدان فوقه الكثير.
لطالما شعر بالحبور وهو يفتح باب دكانه في الصباحات ويؤمه طلاب مدرسة اعتادوا أن يشتروا باكيتات الشيبس والشيوكلاته والعصير وأقلام التلوين والمحايات والدفاتر.
في البداية كانت أعداد الزبائن شحيحة ثم لم يلبثوا أن كثروا، حتى كانت الدكان في أحيان تضيق بهم. كما كبر الحي مع توالي الأيام والسنين، وراقب سعيداً عمارات جديدة تبنى وتضاف الى صفوف العمارات، لدرجة أنه قال مرة محدثا نفسه: "يتحدثون عن مآثر الرومان في العمارة، والله حتى الرومان لم يبنوا هكذا غابات من الرخام والحجارة". فعمل على توسعة محله لتواكب التطور وهكذا صار دكانه "ميني ماركت أبو علي".
تلخصت فلسفته في أن يربي ويكسب الزبائن، بالمعاملة الحسنة والبيع بقليل من الربح. وحتى عندما افتتحت "سوبرماكتيات" ضخمة في أرجاء المدينة، كان يعول دائما على أنه نجح فعلا في تربية الزبائن، الذين كانوا يتندرون أحيانا بالقول: "والله يا ابو علي الشراء من دكانك فيه بركة أكثر من السوبرماركت الفلاني".
كان "ميني ماركت ابو علي" الوحيد في الحي وحتى عندما جرب مغامرون افتتاح دكاكين اخرى، لم يلاقوا نجاحاً، فاضطروا الى إغلاقها.
مرة أخرى واجه أبو علي التطورات بوعي وشجاعة، واستأجر مخزنا ملاصقا لمحله وحوله الى "سوبر ماركت". قال في سره: "يلا.. ما حدا احسن من حدا".
عشرون عاما ونيف وهو صامد في دكانه الذي صار "سوبر ماركت"، يحب زبائنه الذين يعرفهم عين المعرفة، لدرجة أنه كان قادرا على تمييز أي غريب يدخل دكانه، حتى أدركته الكهولة ودرج في طريق الشيخوخة. وخلالها داهمته أمراض السكري ووجع المفاصل والروماتيزم، كما فشت "السوبرماكيتات" الضخمة والمولات التي تقدم عروضاً كان صعبا عليه مجاراتها.
وخلال ذلك بقي زبائنه الذين رباهم، يرودون دكانه يشترون أقل.. فأقل.
في قطعة الأرض المحاذية لدكانه، على بعد زهاء 100 متر، قام بناء، لكم استغرب السرعة التي أقيم فيها، لدرجة أن حدثته نفسه: لعل الجن بناه. فخلال شهور قليلة كان جاهزاً، وسبقته العديد من التخمينات: لعله صيدلية ضخمة من تلك التي باتت تنتشر في المدينة، وربما كان محطة لغيار الزيت وغسيل السيارات وربما وربما. وليس من بين هذه التخمينات ما توقعه.
افتتح المول الجديد على عجل، وقدم عروضا مميزة، وسرعان ما صار زبائنه يقبلون خفافاً على المول يتسوقون منه وهم يمرون بسوبرماركته، كبعض ماض لا يريدون تذكره.
لم يعد يدخل عليه في اليوم إلا بضعة زبائن لا يزيدون إلا قليلاً على أصابع اليد الواحدة، منهم من ذكر المول الجديد على عجل أمامه، وإقبال الناس عليه، ومنهم من خجل من ذكره. لكنه بقي على يقينه: أنا ربيت زبائني، ولا بد أن يكونوا أوفياء. صحيح أنهم يقبلون على المول الآن، لأن كل جديد له عيد، لكنهم لا بد سيفيقون يوما ويتذكرون، ويعودون يؤمون محلي.
مرت الشهور ثقيلة على أبو علي، كان في كل صباح يفتح سوبرماركيته، ويجلس طوال النهار في انتظار زبائن "رباهم" لم يعودوا يأتون.
أخيرا.. لم يجد مناصا من إغلاق محله، وعرضه للبيع، مع كثير من الألم.
لأسابيع ظل أبو علي يشتري من دكان بعيدة في آخر الشارع، آنفاً من أن يرضخ للتطور ويزور المول الذي كان سببا في إغلاق محله.
مرة حزم أمره وزار المول متغلبا على مرارته وحسرته، وبعد أن جال فيه، وأدرك الفرق بين المول ودكانه، أسقط في يده من ضخامته وأناقته ، مؤقنا أنه لو وضع كل ما يملك واستدان قدره لن يتمكن أبدا من تحويل محله الى مول مثله، وأوشك على الخروج بعد أن اشترى علبة من السكرين، بديل السكر، متؤكئا على الحاجز الحديدي الذي يوصل الى الصندوق، أمسك بذراعه رجل ما زال على سفوح الاربعين قائلاً: اهلا ابو علي..
نظر ابو علي إليه بعينه الكليلة، عله يعرفه، لكن ذاكرته لم تسعفه، عندما أردف الرجل وكأنه في عجلة من أمره: ألا تذكرني، أنا صاحب المول، لطالما اشتريت من دكانك عندما كنت طالبا في المدرسة.