التقى محمود درويش مساء 19 الجاري الجمهور المغربي الذي غصت به قاعة مسرح محمد الخامس بالرباط في أمسية قرأ فيها قصيدته الأخيرة "الجدارية" بكاملها للمرة الأولى، محلقا بجمهوره في فضاءات فلسطينية وتجربة وجدانية انتزعت حياتها من الموت انتزاعا.
صمتت القاعة بجمهورها الذي تجاوز الثلاثة آلاف شخص أمام اندفاع القصيدة، التي فتحت عالما آخر على الأسطورة، صاعدة بنغمات الموت في حلقات صاعدة في الحوار إلى ذروته، وهي تحمل تعدد أصواتها وملحميتها في تجاوز جديد لدرويش "المعتاد على التجاوز"، كما يقول الناقد الفلسطيني حسن خضر.
ويصل درويش الى الذروة في نهاية القصيدة: "هذا البحر لي/ وهذا الهواء الرطب لي.. أما أنا وقد امتلأت بكل أسباب الرحيل/ فلست لي/ فلست لي/ أنا لست لي".
لتنفجر القاعة بالتصفيق الحاد وقد أذهلتها الصورة الشعرية العميقة الموشاة بثنائية الموت والحياة.
وكان درويش قد ألقى كلمة شكر فيها المغاربة على تكريمه، بعد أن قام حسن النجمي رئيس اتحاد كتاب المغرب بالترحيب به بكلمة وجدانية جاء فيها "نمتلئ بشعر محمود درويش وقضيته الفلسطينية فهي قضيتنا الوطنية الأولى".
وقال درويش في رده "هل لي أن أقول أن هذا التكريم يحرجني، لأنني ما زلت حيا أيضا، فليس من نصيب الأحياء الشعراء أن يواجهوا إلا اللعنة، وإن وجدوا بعض الحب، فإنه حب لا يدوم إلا بدوام تطور تجربة الشاعر الشعرية، في مناخ ذائقة متغيرة" وأضاف أن "ذلك لا يتم إلا بتطوير العلاقة المركبة بين الشاعر والقارئ".
وحول رؤيته لحرية الشاعر وعلاقته بالمتلقي قال:"أما أنا فلا أرى ان هذه العلاقة تضع قيدا على حرية الشاعر. فقد طورني القارئ، لأنه صدقني. ولأنه صدقني فقد قبل اقتراحاتي الجمالية، وبقي وفيا لتطوير إيقاعي الشعري من داخل جماليات اللغة العربية".
وتوجه درويش بالشكر للمغاربة معبرا عن عمق العلاقة التي تربطه بهم واستمرار زيارته لهم منذ ثلاثين عاما بعد خروجه من فلسطين، وانه تعلم منهم "حكمة الإصغاء إلى أسئلة الشعر النظرية، التي لا يفسدها تأجيل البحث في ضرورة المحافظة على تلقائية الكتابة الشعرية." فليس من الطبيعي أن يولد الشعراء حكماء إلى هذا الحد".
وأضاف "فلنرجئ التساؤل الآن عن أيهما يسبق الآخر النظرية أم الإبداع. ولأتكلم عن حبي للمغرب والمغاربة وعن التعددية الثقافية واللغوية التي سيغني التعبير عنها حركة الشعر العامة التي لا مركز فيها ولا هامش في فضاء الإبداع".
واستكملت صباح أمس الندوة التكريمية الثانية للشاعر فقدمت الكاتبة العراقية فاطمة المحسن شهادتها، وقدم الروائي اللبناني إلياس خوري بحثا بعنوان "ريتا وشعرية المثنى" في أعمال محمود درويش،
وقدم الشاعر التونسي منصف الوهايبي بحثا عن المنظومة المعرفية والشعر وعلو موقع درويش فيهما. أما الشاعر والصحافي اللبناني عبده وازن فقد قدم ورقة تناولت جدارية محمود الأخيرة تحت عنوان "مفهوم الموت في القصيدة الجدارية: الموت حالة شعرية".
وقدم الناقد المغربي محمد مفتاح دراسة عن شعر محمود درويش وتعريفا به وتناول مواطنه الناقد بن عيسى بوحمالة موضوعة الأرض في الموروث الشعبي- -(أ.ف.ب)