خنفشاري

تاريخ النشر: 17 يناير 2010 - 05:29 GMT

قدِم إلى القاهرة في بداية القرن الماضي رجلٌ فارسيٌّ ذو هيبةٍ ووقار، ونزل بأحد الأحياء الشعبية، وكان يجلس أمام منزله من الصباح إلى المساء، وأمامَه القلم والمحبرة، والكتب والأوراق، وادَّعى أنه منقطعٌ للعلم والمعرفة والنسك، وأنه يعيش على هدايا طلاب العلم؛ إذ منَّ الله عليه بنعمةٍ عظيمةٍ، وهي اختزان كل علوم الأرض في ذاكرته!!، فلا يسأله أحدٌ عن شيء في أي علمٍ من العلوم أو الآداب أو الدين إلا أجابه على الفور!!.

فصدَّقه العامة، وتوافد عليه الناس من كل صوب، كلٌّ يحمل معه ما استطاع من الهدايا والعطايا، ولم يدِّخر الرجل وسعًا في الإجابة الفورية على ما يطرحون من أسئلة مهما بلغت صعوبتها أو استحالتها!!.

فإذا سُئِلَ مثلاً عن عدد النجوم، أجاب السائل: اكتب رقم 7 وضع أمامه ثلاثة وتسعين صفرًا وعندما سُئل: متى وُجد الناس على الأرض؟ وأين وجدوا؟.

قال: وُجدوا منذ ثلاثة ملايين وأربعة آلاف وثلاثمائة وخمس وسبعين سنة وثلاثة أشهر وخمسة أيام!!!.

والمكان الذي وُجدوا فيه يُسمَّى "هلياس"!.

وهكذا أذهلت براعته جميع الناس، وانتشر خبره في شتى الأنحاء، وتدفقت عليه الهدايا والأسئلة، حتى جاء شاب اسمه مصطفى لطفي المنفلوطي، وكان شابًّا ذكيًّا متخصصًا في الفقه والأدب، فأيقن بفطنته وعلمه أن الرجل محتالٌ كبيرٌ، يستغل سذاجة العوام وجهلهم، فقضى المنفلوطي الليلة يستمع إلى إجابات الرجل المضحكة لكل ذي علم، غير أنه لم يتلفظ بكلمة واحدة طوال هذه الليلة.

وعندما صارح المنفلوطي أهل الحي بحقيقة الرجل لم يصدقه أحد، وقالوا إنها الغيرة والحسد من علم الرجل ومنزلته العظيمة!.

فقال المنفلوطي لهم: تعالوا نُرِّكبُ كلمةً لا معنى لها من الحرف الأول من اسم كلِّ واحد منا دون أن نتحرك من أماكننا، ثم نسأل هذا العلامة والحبر الفهامة عن معنى هذه الكلمة التي ألَّفناها؛ لتعلموا مدى كذبه وادعائه.

فوافقه القوم، وجاءت الكلمة هكذا: "خنفشار".

وذهبوا إلى الرجل الفارسي تسبقهم هديتهم، وسألوه عن الخنفشار، فهزَّ الرجل رأسه ومسح لحيته ثم قال بثقة العلماء: إنه نباتٌ في أطراف الهند الشرقية، ثمره أحمر وشكله كالبرتقال، وهو يشفي من داء السكري!.

فاستغرق القوم في الضحك، وفي الصباح لم يعثروا للرجل المحتال على أثر؛ إذ حمل متاعه وهرب تحت جنح الظلام بعد افتضاح أمره يبحث عن مدينةٍ أخرى!.

 

وفي راي اخر

 

كلمة "الخنفشار" عبارة عن مجموعة عشوائية من الأحرف، وهي كلمة خيالية لا وجود ولا أصل ولا معنى لها في اللغة العربية.

 

ويبدو أن هذه الكلمة قد وردت لأول مرة في حكاية رواها ابن القيم الجوزية في أخبار الحمقى والمغفلين عن شخص متفيهق يفتي ويتكلم فيما لا يعلم، ويهرف بما لا يعرف، ويرتجل كلاما ملفقا لا أصل له، ويصعب التحقق من صحته لكي لا يقال أنه لا يعرف.

 

ومن الحكاية موضوع البحث نفهم أن بعض طلاب العلم اتفقوا على اختراع كلمة "الخنفشار" من أجل اختبار ذلك الرجل الكذاب، فذهبت مثلا وانتشرت بعد ذلك واستخدمت للتعبير عن كل كلام ملفق لا أصل ولا أساس ولا صحة ولا ضابط له.

 

تقول الحكاية الأصلية إن الطلاب سألوا الرجل بقولهم:

- ما حكم الدين في الخنفشار ؟

 

فأجاب الرجل مرتجلا وملفقا وكاذبا نثرا وشعرا:

- إن الخنفشار نبت ينبت على أطراف أرض اليمن، إذا أكلت منه الإبل انعقد لبنها في ضرعها، وفيه قال الشاعر:

ولقد عقدت محبتكم فؤادي

كما عقد الحليب الخنفشار

ومن أكل الخنفشار وكان يشكو من داء كذا وكذا فإنه يبرأ بإذن الله.

كما قال داوود الأنطاكي: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن الخنفشار ...

 

عندها قاطعه الطلاب قائلين:

- أسكت يا كذاب ... كذبت على نبات اليمن ... وكذبت على شاعر اليمن ... وكذبت على داوود الأنطاكي ... وتريد أن تكذب على رسول الله حتى لا تقول لا أدري ...!!!

 

فالرجل الخنفشاري هو أبو العريف (Mr. Know-it all)

والشعر الخنفشاري هو الشعر الحلمنتيشي

والكلام الخنفشاري هو الكلام الملفق العجيب غير الحقيقي الذي لا أصل له