لندن -جستين كي
تصاعد القلق الدولي بشأن انتخابات كوسوفو البلدية الأخيرة، وفي الوقت الذي أرسلت فيه منظمة الأمن والتعاون في أوروبا آلاف المسؤولين لتشغيل ومراقبة مراكز الإقتراع، عززت قوات حفظ السلام من تواجدها الأمني.
وقد جادل الكثيرون بأن قرار مفوض الأمم المتحدة كوشنر بإجراء الانتخابات كان مضللا وسابقا لأوانه.
وكان مواطنو كوسوفو الذين خرجوا لتوهم من الحرب وأهوالها، غير مؤهلين للتجاوب مع حدة الذهن التي يتطلبها صندوق الإقتراع، الذي حرم على بقية الصرب في المنطقة. وقد كان من المتوقع حدوث أعمال عنف في العديد من مراكز الاقتراع وخاصة في المناطق الريفية حيث يندر وجود قوات حفظ السلام فيها.
وقد كان المتشائمون على خطأ في هذه الحادثة، من وجهة نظر الجميع باستثناء الصرب الذين وصفوا الانتخابات بأنها "غير مقبولة لأنها اقتصرت على عرق واحد وكانت مخالفة للأهداف المعلنة ومسؤوليات المجتمع الدولي".
كانت الانتخابات البلدية في كوسوفو نجاحا مدويا. وقد قام 80% ممن يحق لهم الانتخاب بالإدلاء بأصواتهم، وهو معدل مشاركة في الانتخابات يستطيع غور وبوش فقط أن يحلما به.. وقد ظلت مراكز الاقتراع في جميع أنحاء البلاد مفتوحة لمدة ثماني ساعات إضافية بعد الموعد المحدد لإقفالها. وأثبتت النتائج أيضا أن المنطقة لديها الآن نظام أحزاب محدد، حيث ظهر إلى حيز الوجود بصورة واضحة ثلاثة أحزاب نتيجة للانتخابات.
يقول جيمس بتيفر من معهد البلقان للدراسات في سالونيك باليونان، والذي كان مستشارا في كوسوفو يعمل لصالح منظمة الأمن والتعاون في أوروبا إنه "مهما نظرت إليها، فإن هذه الانتخابات كانت خطوة هائلة إلى الأمام بالنسبة إلى كوسوفو". وأشار إلى أن المخالفات كانت قليلة وكانت هناك بضع حوادث عنف.
ولم يكن بتيفر هو الشخص الوحيد الذي هنأ مواطني كوسوفو، فقد قالت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا في تقريرها بعد الانتخابات مباشرة إن الاقتراع كان حرا ونزيها، وقامت الولايات المتحدة ودول غربية أخرى في نفس الوقت بتقديم التهاني إلى مواطني كوسوفو على سلوكهم المنضبط في إجراء الانتخابات وعلى ما حدث في ذلك اليوم.
ويصف بتيفر الوضع قائلا إنه "كان شيئا يبعث على الرضى أن نرى الناس الذين كانوا قبل سنتين فقط مذعورين وفارين يقفون اليوم في صفوف منتظمة للإدلاء بأصواتهم".
وكانت نتائج الانتخابات تبعث على الدهشة لدى الكثيرين بنفس القدر. ووفقا للنتائج غير الرسمية والأولية، فإن الدكتور ابراهيم رغوفا الرئيس المعتدل لاتحاد كوسوفو الديمقراطي قد فاز بـ 58.13% من الأصوات مسيطرا على 20 بلدية من أصل 30 بما في ذلك بلدية العاصمة بريشتينا. وقد فاز الحزبان اللذان أسسهما قائدا المقاومة السابقين هاشم تاسي وراموش هاراديناج، اللذان قادا البلاد نحو الاستقلال وأديا إلى تدخل قوات حلف شمال الأطلسي، بأصوات أقل من المتوقع، حيث حصل حزب تاسي الديمقراطي لكوسوفو بـ 27% من الأصوات، بينما فاز تحالف هارادينجا من أجل مستقبل كوسوفو بحوالي 8% من الأصوات. وقد اعترف تاسي وهو الشخصية ذات الشعبية وخاصة بين الشباب في كوسوفو بالهزيمة، ولكنه قال: "بموضوعية، لقد توقعت نتيجة مغايرة". ويظهر أن قبول تاسي بالنتيجة خلق ارتياحا لدى المسؤولين الدوليين الذين كان ينتابهم بعض القلق بشأن إمكانية أن يقوم مؤيدوه بتظاهرات للتعبير عن الإحباط الذي أصابهم.
ويبدو أن النصر الذي حققه رغوفا كان مفاجأة للكثير من المراقبين. فعلى الرغم من أنه لا يزال يلقى الاحترام كحاكم تنتظره كوسوفو منذ مدة طويلة، إلا أنه ظهر كشخصية مهمشة خلال السنين القليلة الماضية، وكانت رسالته الداعية إلى نبذ العنف سياجا في وجه ضراوة الجيش الوطني اليوغسلافي ضد شعب كوسوفو.
وقد أدى ظهوره المثير للجدل في بلغراد إلى جانب ميلوسوفيتش في أوج عملية التطهير العرقي التي قام بها الصرب في الإقليم إلى التأثير على صورته، وذلك على الرغم من أن العديد من أبناء كوسوفو قبلوا الوضع على أساس أنه كان يخضع لضغط هائل.
ومن جهة أخرى فقد كان واضحا من الانتخابات أن رغوفا كان يستفيد من الملل من الحرب لدى السكان. وينظر إليه كبار السن من سكان كوسوفو بشكل خاص على أن فيه نوعا من الشبه لشخصية نهرو، حيث أنهم يعتبرونه معتدلا، ورجلا متعلما، وقادرا على نقل وضع كوسوفو الحالي غير المستقر إلى استقلال دائم وبمباركة كاملة من المجتمع الدولي. ويبدو أن هناك عوامل أخرى تعمل لصالحه أيضا، ومنها أن المجتمع في كوسوفو محافظ بشكل كبير مع تقليد للنزول عند رغبة الكبار. كذلك فإن هناك العديد من الشباب في كوسوفو والذين يمكن أن يدلوا بأصواتهم لصالح تاسي لم يكونوا مسجلين في الانتخابات.
وهناك سبب آخر لأداء تاسي السيء والمفاجئ، وهو إما أنه شخصيا، أو أن حزبه لم يكن يعلم كيف "يمكن تسويقه" للناخبين.
فقد بقي تاسي الذي يبلغ الثانية والثلاثين من عمره بصورة متدنية طول الحملة، ولم تظهر صورته في الكثير من ملصقات حزبه، التي ذكر عنها أنها لم تستخدم صورته بينما كانت تشجع مواطني كوسوفو على التصويت "لصالح الرجل الذي حقق الاستقلال لكوسوفو".
ويقول بتيفر: "بصورة أساسية فإن الحزب لم يكن يعلم ما إذا كان سيقدمه كطالب تاريخ نابغة من جامعة زيورخ أو كمحارب يثير الرعب وفي يده كلاشينكوف".
والسؤال الكبير الذي يطرح نفسه: ما الأمر الثاني الذي سيحصل في كوسوفو. إن وجود الاتحاد الديمقراطي لكوسوفو في البلديات في جميع أنحاء المنطقة نظريا، على الأقل، يعمل على تحسين العلاقات بين الألبان والصرب. ويؤكد هذا أيضا أن غالبية الناس لا يرغبون في المزيد من الانتقام من الأقلية الصربية. وقد أشار الاتحاد الديمقراطي لكوسوفو إلى رغبته في احتواء "كافة" الناس الذين يسكنون في المنطقة، في الوقت الذي لا يتمتع فيه ممثلوه بالصفات التي يتميز بها مقاتلو الحرية من حزب تاسي، مما يجعلهم مفاوضين أسهل مع الصرب.
وعلى أية حال، فإن القلق الذي ينتاب الصرب الذين لم يغادروا المنطقة، والذين يقدر عددهم حاليا بخمسة وسبعين ألف نسمة، مقارنة مع أربعمائة ألف قبل ثلاث سنوات، هو أن روغوفا، الذي كان يوما ما قانعا بقبول حكم ذاتي لكوسوفو ضمن يوغسلافيا الفيدرالية، يدعو حاليا إلى استقلال الإقليم.
ووفقا لتقرير إعلامي أذاعه راديو أوروبا الحرة في أواخر تشرين الأول / أكتوبر، فإن روغوفا دعا كلا من "باريس ولندن وبرلين وواشنطن للاعتراف باستقلال كوسوفو. لقد أظهر الناس هنا بأنهم يودون الديمقراطية والسلام وهم يعرفون كيف يقودون كوسوفو".
وقد جادل روغوفا في مناسبات أخرى بأنه ليس هناك بديل للاستقلال. هذا على الرغم من عدم التيقن الذي يسود المجتمع الدولي، والغموض الذي يكتنف قرار الأمم المتحدة رقم 1244 الذي يعد فقط "بحكم ذاتي كامل" تحت السيادة اليوغسلافية.
ويجعل الموقف على الأرض مراوغة المجتمع الدولي بشأن مستقبل كوسوفو صعب التحمل بصورة أكبر. فبعد الأحداث في السنين القليلة الماضية، فإنه من غير الواقعي التوقع بأن يقبل ألبان كوسوفو الحكم الصربي مجددا ضمن الفيدرالية اليوغسلافية، حتى في غياب ميلوسوفيتش، فقد سال الكثير من الدماء لكي يكون هذا الخيار معقولا.
قال الرئيس اليوغسلافي فوجسلاف كوستونيتشا في الحادي والثلاثين من تشرين الأول / أكتوبر أي بعد يومين من الانتخابات إنه يود اللقاء بزعماء كوسوفو المنتخبين، بمن فيهم روغوفا، وذلك لمناقشة مستقبل الإقليم. ومن جهة أخرى فقد استبعد الاستقلال محذرا من أن "ذلك سيكون خطيرا بالنسبة للاستقرار في المنطقة"، وملمحا إلى أن مستقبل مقدونيا المجاورة سيكون أيضا في خطر.
وينتاب ألبان كوسوفو القلق بشأن الرجل الجديد في بلغراد، ويميل المجتمع الغربي لإعطائه الفرصة مما يجعل تحقيق الاستقلال أمرا صعبا أكثر من أي وقت مضى. وعلى كل حال، فإن الكثير سيعتمد على الترتيبات الدستورية الجديدة في يوغسلافيا، وما سيتم الاتفاق عليه بين صربيا وجمهورية الجبل الأسود، فإذا بقي الاتحاد قائما بأي شكل من الأشكال، فإن المجتمع الدولي يمكن له أن يجادل بأنه من مصلحة كوسوفو أن تعود مرة ثانية جزءا من يوغسلافيا وذات حكم ذاتي، أما إذا غاب الاتحاد بين صربيا وجمهورية الجبل الأسود عن الوجود وذهب كل في حال سبيله، أو كما اقترح كوستونيتشا بتشكيل اتحاد كونفدرالي بين صربيا والجبل الأسود، فإن شعب كوسوفو سيجادل بأن الاتحاد الجديد لا يدع مجالا لهم. وفي كلتا الحالتين فإنه بالرغم من هذه الانتخابات الناجحة، فإنها لا تستطيع تحقيق إلا القليل فيما يتعلق بقضية مستقبل كوسوفو.-- (دبليو. إن. إل)
