حروب المياه في المنطقة: مروج خضراء .. صنابير مياه جافة

تاريخ النشر: 18 مارس 2001 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

عمان - نايجل ثورب  

يقول المثل الإنجليزي: " لا نعرف قيمة الماء حتى تجف البئر". آبار المياه في كافة أنحاء الشرق الأوسط آخذة في الجفاف، وملوحة مياهها في ازدياد بمعدل خطير في الوقت الذي يزداد فيه عدد السكان ويزداد الطلب على المياه لأغراض زراعية وصناعية. 

يبرز الماء كعنصر رئيسي للسلام في المنطقة. يقول تقرير صدر مؤخراً عن المركز الجغرافي الوطني إن " الافتقار إلى اتفاقية لتقسيم المصادر القليلة في المنطقة لا يدمر أي صفقة سلام مع إسرائيل وحسب، بل قد يؤدي إلى اشتعال الحروب بين الدول العربية وإسرائيل." وقد علق مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية قائلاً " إن الناس خارج منطقة الشرق الأوسط لا يميلون لسماع هذه القضية". 

ويضيف " أن هذا الأمر لا يصنع الأخبار. ولكن هناك محادثات تتم بين خبراء المياه. إن أية معاهدة سلام تحتاج إلى ضمان حصة عادلة من المياه لكافة الفرقاء". 

ويتفق المسؤول الفلسطيني فادي كعوش مع المقولة بأن الماء "لا يقل في أهميته وخطورته عن أي قضية من قضايا الوضع النهائي على جدول أعمال قمة كامب ديفيد "إن النقص الشديد في مياه الشرب يمكن إرجاعه إلى عوامل جيولوجية وسياسية، فقد كشفت دراسة جيولوجية أميركية مؤخراً عن أن الطقس في الشرق الأوسط شأنه شأن منطقة القرن الأفريقي أصبح أكثر جفافا بشكل متفاقم خلال بضعة السنين الماضية. ففلسطين والأردن وإسرائيل بسكانها الاثني عشر مليونا تشح المياه فيها حالياً. وتحصل إسرائيل على 40% من المياه من الآبار الجوفية في الضفة الغربية المحتلة ومرتفعات الجولان وقطاع غزة في الوقت الذي تحصل فيه على 25% من احتياجاتها المائية من بحيرة طبريا. 

إن اعتماد إسرائيل على المياه من المناطق المحتلة يفسر ترددها الشديد في الانسحاب من مرتفعات الجولان التي يطلق عليها اسم "برج مياه الشرق الأوسط" وعدم تفريطها والسيطرة على شواطئ بحيرة طبريا. ونتيجة لاستنزاف المياه الجائر وقلة هطول الأمطار، فقد وصل منسوب المياه في بحيرة طبريا إلى أدنى مستوى له في تاريخ البشرية عام 2000م.  

وعلى الرغم من سيطرة إسرائيل على مصادر المياه في الجولان وبحيرة طبريا فإن الجفاف ضرب إسرائيل العام الماضي بسبب أسوأ موجة جفاف شهدتها منذ عام 1990 - 1991م . وقد أصدر مجلس الوزراء الإسرائيلي قرارا بتخفيض ما نسبته 40% من مخصصات المياه المدعومة للأغراض الزراعية ووعد بتعويض المزارعين عن الخسائر التي تكبدوها من جراء هذا الخفض. 

ناشدت هاآرتس وهي إحدى كبرى الصحف الإسرائيلية الحكومة بوضع قوانين من شأنها التقليل من استهلاك المياه في المناطق المدنية وللأغراض التعليمية وذلك للحفاظ على مخزون المياه".  

تفاقمت الأوضاع السياسية في منطقة الشرق الأوسط المثقلة بالمتاعب من آثار الجفاف المحلية وأضافت انقسامات جديدة بين المروج الخضراء في إسرائيل " وصنابير المياه الجافة في المناطق المحتلة . ويدعي الفلسطينيون أن مواطنيهم يتلقون أقل من ثلث ما يتلقاه المواطن الإسرائيلي العادي. 

ويدعي هؤلاء أن إسرائيل الغنية تتساهل في اتباع أنظمة ري مسرفة وفي إنشاء مروج خضراء على نمط تلك الموجودة في كاليفورنيا وأحواض استحمام وحمامات سباحة كثيرة وكبيرة. وفي إحدى المناسبات حدد المسؤولون في مدينة الخليل، أكثر مدن الضفة الغربية شحاً في المياه . توزع المياه بمعدل مرتين في الشهر فقط. وعلى الرغم من الاتفاقيات التي أعادت السيادة على معظم الضفة الغربية للسلطة الفلسطينية، فإن معظم المياه التي تزود الأراضي المحتلة لا تزال تجري في أنابيب إسرائيلية. 

ووفقاً لأحد التقارير الإخبارية لهيئة الإذاعة البريطانية على الشبكة يوم الثلاثاء الماضي فإن إسرائيل فتحت حروبا جديدة في حروب المياه. وقد اتهم مسؤول فلسطيني إسرائيل بضخ المياه العادمة ومياه المجاري إلى حوض نهر جاف يمر في أراضي غزة المحتلة في طريقه إلى البحر الأبيض المتوسط . فبالإضافة إلى الخطر الصحي الواضح على المدى القريب، فإن المسؤول حذر من مغبة الكوارث البيئية الذي سيسببها هذا الإجراء على المدى البعيد من خلال تلوث المياه الجوفية في غزة التي تعتمد عليها حوالي مليون وربع المليون من السكان بالإضافة إلى تلويث شواطئ البحر الأبيض المتوسط والثروة السمكية فيها. ووفقاً لتقرير هيئة الإذاعة البريطانية، فإن السلطات الإسرائيلية لم تعلق على الاتهامات الموجة إليها بهذا الصدد. 

وبحسب تقرير صدر عن معهد مساشوستس للتكنولوجيا في كانون الثاني / يناير الماضي فإن مياه غزه الجوفية تتعرض لخطرين يكمن الأول في الاستنزاف الجائر لهذه المياه والثاني في التلوث بمياه البحر. فبسبب سحب المياه من عمق الأرض بمعدل لم يسبق له مثيل لإشباع حاجات الناس المتزايدة للمياه ولأغراض الري الزراعي فإن هذه المياه تقل في جميعها وتصبح أكثر ملوحة لأن الاستهلاك يفوق معدل هطول الأمطار. ومن جهة أخرى فقد كشف الباحثون في معهد مساشوستس للتكنولوجيا النقاب في كانون الأول / ديسمبر 2000 في اجتماع للاتحاد الأميركي للفيزياء الجيولوجية عن أنه لو استطاع الفلسطينيون موازنة احتياجاتهم المائية، فإن مياه البحر المتسربة إلى المياه الجوفية تحت الأرض تزيد من ملوحة هذه المياه أعلى من المعدل الذي تخفف فيه مياه الأمطار هذه الملوحة. 

وعلى الرغم من أن الوسائل الفعالة والعادلة في إدارة المياه في الشرق الأوسط يمكن لها أن تساعد في تخفيف حدة شح المياه، إلا أن إجراءات أكثر نجاعة يجب اتخاذها على المدى البعيد. ومن آخر هذه الإجراءات استيراد بلدان الشرق الأوسط المياه من البلدان المجاورة الغنية بها. كذلك فإن سد الوحدة الذي يرتفع 100 متر المنوي إنشاؤه على نهر اليرموك في سوريا سيخزن 225 مليون متر مكعب من المياه يحتاجها الأردن لتوليد الكهرباء وري المناطق الزراعية في وادي الأردن وتلبية الحاجات المنزلية. 

وعلى نطاق أكثر طموحاً أورد تقرير هيئة الإذاعة البريطانية على الشبكة الذي صدر الخميس الماضي حديثاً عن أكثر خطوط المياه طموحاً في العالم وهو خط يبلغ طوله 540 كيلو متر سوف ينقل المياه من سد كرخة في شمال إيران إلى سواحل الكويت الجنوبية. 

أما الكمية التي تبلغ 760 مليون لتر من المياه التي تتدفق من إيران إلى الإمارات العربية المتحدة يومياً فسوف تمر عبر خط طوله 330 كيلومترا عبر الأراضي الإيرانية ثم تمر في أنابيب تحت البحر للمسافة المتبقية البالغة 210 كيلومترات. 

كذلك فإن نقل المياه داخل البلدان نفسها أصبح ظاهرة شائعة. فبعد سنين من الجفاف الشديد أقرت الحكومة المصرية باستخدام قناة مياه عمرها 800 عام لنقل المياه من نهر النيل إلى سكان القاهرة الذين يعانون من العطش. وفي عام 2000 بدأت الحكومة العراقية بحفر قناة لنقل المياه من نهر دجله إلى المناطق التي تتعرض للجفاف شمالي بغداد. ومن جهة أخرى فإن قلة هطول الأمطار تعني أن الأنهار العظيمة التي تعود لسنين عابرة كنهر النيل ودجلة والفرات أصبحت لا تشكل مصادر مياه لا تنصب كسابق عهدها .. فمستويات المياه على سبيل المثال، في نهر دجلة انخفضت بشكل حاد جراء قلة هطول المياه خلال السنين الثلاث الماضية والاستخدام المتنامي لمياه النهر لأغراض الري. 

إن المصدر الحقيقي للمياه الذي لا ينضب والذي تتوجه إليه بلدان الشرق الأوسط بشكل متزايد هو المحيطات العالمية. فتحلية مياه البحر بواسطة التقطير على الرغم من أنها جذابة بشكل نظري، إلا أنها باهظة التكاليف وتجلب معها مشاكل غير متوقعة كتسخين مياه السواحل وبحسب ما قاله بوشانك وهو مستشار للمجلس الاقتصادي الأعلى الذي يرأسه الأمير عبدالله بن عبدالعزيز، فإن السعودية تستهلك ما بين ثلاث’ إلى ثمانية أضعاف ما هو متوفر لها من مصادر مياه متجددة، وكانت المملكة منذ مدة طويلة من أوائل البلدان التي استخدمت تكنولوجيا تحلية المياه. وأشار تقرير صدر مؤخرا عن وكالة AFP إلى أن العربية السعودية ستحتاج إلى استثمار 300 بليون ريال(80 بليون دولار) في قطاع المياه خلال الأربعين عاما القادمة. 

 

 

أصبحت تحلية المياه قضية سياسية في شهر شباط / فبراير حينما عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد أرئيل شارون مشروعاً مشتركاً لتطوير المياه كمكافأة للفلسطينيين " إذا تخلوا عن العنف ". وعقد في مدينة حيفا التي يوجد فيها معهد تكنولوجيا المياه " مؤتمر عام 2000 حول التطورات الجديدة في معالجة وتحلية المياه العادمة والمالحة والمياه الأخرى مما عكس تفهم إسرائيل للحاجة إلى استغلال البدائل ومصادر المياه المتجددة. 

ويشير تقرير المعهد الجغرافي الوطني إلى أن " العديد من الناس يعتقدون أن نقطة الاشتعال في العالم هي الشرق الأوسط بما فيها من مناخ صحراوي ونضوب في المياه الجوفية ومعدلات متدنية للنمو السكاني والتقليد المتبع بتسوية الخلافات عن طريق الحرب.  

ويقول نائب رئيس البنك الدولي إسماعيل سراج الدين إن الكثير من الحروب التي اندلعت في القرن العشرين كانت بسبب النفط ولكن الحروب في القرن الحالي ستكون بسبب المياه". 

وقد اقترح الرئيس التركي تورجوت أوزال في العقد الماضي إنشاء " خط أنابيب السلام " لبيع فائض المياه من نهري سيحان وشيحان إلى بلدان شبه الجزيرة العربية الفقيرة بالمياه. ويشير تقرير المعهد الجغرافي إلى أن المشكلة في إنشاء هذا الخط لا تكمن في تكاليفه ( بضعة بلايين من الدولارات ) ولا بالوقت اللازم لإنشائه ولكن المشكلة هي في كيفية جمع أمم طالما خاضت حروباً مع بعضها البعض. 

ومن المحتمل أن يظل موضوع المياه من المواضيع المخبأة على جدول أعمال المؤتمرات التي قد تعقد مستقبلاً في الشرق الأوسط مما يؤدي إلى التوصل إلى السلام أو تقويضه ، وأن أنبوب السلام في المنطقة ستكون الشيشه وهي أنبوب العرب للمياه—(البوابة)