هذا نبأ ظننته حارا طازجا لذيذا أول وهلة. لم يأت عليه احد من قبلي ولم ترسمه يراع من بعدي. مر أمامه الممحصون خفافا وقالوا فيه ما لم يقله جان دمو في الخمرة المخمرة. وما زلت على وهمي قاعدا وعند جهلي قائما حتى جيء بي الى خلوة جلها من فقراء القوم المستمعين وبقياها من اثرياء الفكر الذين ما ناموا الا وفزوا على مخترع وما ارتاحوا الى قيلولة حتى نهضوا منها الى مكتشف. قالوا هات ما عندك الليلة من بضاعة، قلت لن تروها حتى ارى ما في جعابكم، قالوا نحن جمجمة القعدة وزبدة الصفوة فأتنا بما ملكت يمينك لنقول فيه قولة حق وصدق أو نقوّمه ونعدله ونشذبه ان نام على بعض درن فيذهب سندا ومتكئا لقوم ينصتون.
قلت بل هاتوا مما حازت ايمانكم لأن المخبوء الذي ينام الآن في بئري هو من فصيلة ما لم تسمع ومن خانة ما لم تقرأ ويقرئون. قالوا اكفنا شرّك اذن وامنع عنا غرورك ولا تتنبأ عند منازل رؤوسنا ولا تتفلسف فتخسر صحبتنا فلنا من العلم ما لنا ولك من التبختر ما لك وما عليك. قلت امنحوني آذانا مشنفة قالوا لك ما اشتهيت من تشنيف الأذن واعمال العقل وتفعيل الحواس لكن اياك والتحامق فهو مفسدة وثمنه هو خلعك من الجلسة قلت خذوها اذن وسنرى بعد سويعة لمن ستكون العاقبة؟
قالوا قلها بربك يا ملعون الوجه ومشعول الصفحة فلقد عبأت افئدتنا قيحا وصديدا. وما زلت على هذا وما انفكوا على ذاك حتي انبزّ حديثي وانفضت دهشتي اذ رأيت صحبي وقد واقعوا النبأ من قبل ان تشتعل لحيتي ألقا ويتورم كبدي قهرا فقمت اليهم مطأطئا هامي، بائسا جباههم المشعة لاثما اياديهم التي تطهرت بالعلم وبالمعرفة وبالحكمة وبمواجهة السيئة بالحسنة او بعشر من امثالها.
اما النبأ الذي دخت به وحلمت بأنني السبّاق اليه فهو مما جاء في هامش مخفي واشهار غاطس ويريد من الناس التي تحب الحياة، تصفيح سياراتهم وتسليح مركوباتهم فتكون مسلحات آمنات يسرن ويتبخترن في نهارات وليالي بغدادية لا آمنة ولا مطمئنة. ثم ان ما جاء على السنة جمع كادّ وكادح من "فيترجية" شارع الشيخ عمر وشارع الشيخ معروف الذين اسندهم وعاونهم حشد من مهرة كسرة وعطش واراضي خلف السدة، ان تصفيح السيارة وتأمينها يشلع من مال المواطن قاهرا او مقهورا، خمسين ألف دولار، فأن كانت الفلوس بيمينك، كنت من الفائزين السائقين مركوبك بين المفخخات والملغمات والهمرات، لا تنوشك شظية ولا تنال منك ردية وصرت للعائلة رحمة وهدية، ولم اكد اتمم عليهم وصلتي المتأخرة حتى تهاطلت النعالات علي يميني وامطرت القنادر المقندرات الطائرات فوق شمالي وقال الجلاس كأنهم واحد أحد:
انهض يا نكرة يا امّعة ولقد حذرناك من الحمق والتهويل وتصنيع الدهشة من خواء وألباس الجلسة بهراء والعنونة بفخاخ الجذب وكان بمستطاعك ان تدلق علينا هذا النبأ البائت الفاتر، بسطر او بثلاثة قبل ان تسوّر اعناقنا والناس بحبل اللغة وبصياغة الحيلة وبمط ما لا يمط ما اسقطك في باب الحشو وفصل الكلام السجع المسجوع، فأعلم اننا ان شفناك ثانية ها هنا، بلنا عليك وبيننا وبينك بحر شاسع لم يلده مخيالك المعطوب او يحفظه جبّك المثقوب وأخير هدايانا اليك هي ان الثعلب ليس بثعلوب.