قد يصدقك العراقيون عندما تخبرهم بان صدام حسين اصبح طي التاريخ، لكن الكثيرين منهم لن يطمئنوا ابدا لهذه الحقيقة. فكابوس الرجل الذي اسكن الرعب في قلوبهم لاكثر من اربعة وعشرين عاما، اقوى من ان تمحوه بضعة تماثيل تسقط هنا او هناك.
ولعل المفارقة المؤلمة هنا، هي ان العراقيين الذين يعيشون نشوة زوال صدام حسين، والمنشغلين بتحطيم كل ما من شانه تذكيرهم به، سيصطدمون بحلول الثامن والعشرين من الشهر الجاري، بذكرى ميلاده التي كانو يضطرون خلالها الى ابتداع كل ما امكنهم لاظهار ابتهاجهم بها في محاولة غير مجدية لاتقائه.
في اخر عيد ميلاد لصدام، سار اكثر من مليونين ونصف المليون عراقي في الشوارع مهللين لرئيسهم الذي اعتبروه في الشعار الرئيسي لاحتفالهم "شوكة في عيون الأعداء"!. وقبل ايام من حلول عيد ميلاده الجديد، تمكن العراقيون من الجهر باعلى اصواتهم والاعلان غير عابئين بانه كان "شوكة في عيون العراقيين".
رسميا، ولد صدام يوم 28 نيسان/ ابريل سنة 1937، وحتى يضفي على هذا التاريخ مصداقية، فقد جعله سنة 1980 عطلة رسمية. وهناك من يقول انه ولد قبل ذلك بسنتين، بينما يدعي آخرون بانه من مواليد سنة 1939.
وفي الواقع فان رحلة صدام في انتزاع ما يريد، بدات بحصوله على تاريخ ميلاده، والذي تقول روايات المؤرخين انه يعود في الاصل لصديقه وشريكه فيما بعد عبدالكريم الشيخلي الذي ينتمي الى عائلة ميسورة من بغداد.
ومن المقبول عموما، كما يقول هولاء المؤرخون، ان صدام غير سنة مولده حتى يصور نفسه بانه أكبر من عمره اثناء صعوده في حزب البعث.
ورغم ان تاريخ ميلاده محل خلاف، فان المكان ثابت ومؤكد. فقد ولد صدام في بيت يملكه خاله خير الله طلفاح، الذي كان نازي الهوى، وسجن لمدة خمس سنوات بسبب تأييده للثورة ضد البريطانيين اثناء الحرب العالمية الثانية، وينتمي الى عشيرة بيجات السنية احد فخوذ قبيلة ابو النصر التي كانت مهيمنة في منطقة تكريت.
وقد ولد صدام لعائلة تباينت الروايات حول مصير الاب فيها، فمن قائل انه مات قبيل ولادة صدام الى مؤكد انه ترك زوجته صبحة طلفاح (ام صدام) للزواج من اخرى، ما اضطرها الى العمل "بصارة" لسد رمق ابنائها الذين لم يعد لديهم ما يقوتهم بعد فرار الاب من بيت الزوجية.
والى جانب هذه الظروف القاسية، فقد كان على صدام ان يتحمل الحياة الكئيبة مع زوج امه الفاسد الذي كان يعرف في القرية بـ "حسن الكذاب"، لانه ادعى كذبا انه قد ادى مناسك الحج. في هذه البيئة، ترعرع صدام، الذي كان يكلف بالاعمال المنزلية الوضيعة، كما كان اجبر على سرقة البيض والدجاج من منازل الجيران.
ويقول سجل طفولة صدام انه كان في البداية مضطهدا من قبل الصبية الذين داوموا على التحرش به وضربه الى ان اضطر في نهاية المطاف الى التسلح بقضيب معدني للدفاع عن نفسه.وتحدثت روايات عن أن صدام كان بعد ذلك يتلذذ باحماء القضيب المعدني في النار قبل ان يبقر به بطون الحيوانات وبخاصة الكلاب، من أجل التسلية ليس الا.
كان صدام قد تخرج بجدارة كفتى قوي وصلب من الشوارع، ولو تكن هناك رغبة لدى صدام في محاكاة خاله خير الله طلفاح وتقليده، لكان قد بقي مثل بقية ابناء قريته العوجا، يعتاش على السرقة والبلطجة.
قال صدام لفؤاد مطر احد كتاب سير حياته الرسميين في وصفه لخاله خير الله "كان خالي قوميا، ضابطا في الجيش العراقي، امضى خمس سنوات في السجن وكان دائما يبث فينا الروح الوطنية والقومية، وعندما كنت اسأل عنه، كانت أمي تقول انه في السجن".
وهذه الخلفية لنشاة صدام، هي ما شكلت لاحقا شخصيته، ولعبت دورا في السمتين الرئيستين لهذه الشخصية، وهما عدم الثقة بالاخرين، والعدوانية.
وفي الاولى، تتكرر ولا يمكن حصرها تلك الحكايات عن الاساليب التي اتبعها في تصفية رفاق الدرب الذين تمكن بمساعدتهم من الوصول الى سدة الحكم في عام 1979 بعد سلسلة من المؤامرات التي حاكها معهم ان كان من بغداد ام من القاهرة التي فر اليها بعد محاولته اغتيال عبد الكريم قاسم عام 1959.
وفي الثانية، يروي العراقيون حكايات القمع واساليب التعذيب التي كانوا يتعرضون لها على يد زبانيته، الذين كانوا يرسون بهذه الوسائل التي اصبحت بحد ذاتها مدرسة للدول القائمة على حكم الحديد والنار في كيفية السيطرة على الشعوب.
ومنذ أن دخلت القوات البريطانية مدينة البصرة في 6 الشهر الحالي، وما ترتب على ذلك من سقوط المدينة بعد ثلاثة أيام، حكى السجناء السابقون التفاصيل الدقيقة للعذاب الذي تعرضوا له في سجون المدينة.
وفي كثير من الحالات لم تكن هناك وثائق تثبت حكاياتهم، ولكن هناك على كل حال آثار التعذيب التي تحملها أجسادهم وشهادات أقربائهم وجيرانهم الذين عاشوا ذلك وخبروه بصورة من الصور
سجين أجبر على الجلوس على فرن معدني ملتهب، صدمات كهربائية للأعضاء التناسلية، موسى حادة تستخدم في تشريح الظهور. حتى الأطباء تحولوا إلى قصابين، مباضعهم تحولت الى فؤوس وهم يبترون آذان الهاربين من الجيش. خدام النظام تحولوا عندما جاء دورهم إلى ضحايا، فعندما يعتقل حراس السجن وضباط الشرطة يعذبون قبل ان يعادوا الى الخدمة من جديد.
يقول مواطن من البصرة "بعدما قطع الطبيب اذني، قبلني وقال لي: اسف"!.
والى اليوم، ما تزال محطات التلفزة تبث مشاهد للعراقيين وهم يحفرون الارض بكل ما اوتوا من معدات بدائية، بحثا عن اقارب لهم يؤكدون انهم محتجزون في زنازين تحت ارض مقرات المخابرات العراقية في بغداد والبصرة وغيرها من المدن العراقية.
وللان، لم يعثر على هذه الزنازين، وما تزال اصوات الاستغاثة الخافتة تاتي من باطن الارض، كما يؤكد اللاهثون تعبا من الحفر وقد اغبرت وجوههم وملابسهم.
كان صدام شخصا مولعا مع كل هذا التفنن في التعذيب والقمع، بالمظاهر الرنانة والصادحة والباذخة.
كان يحب كل ما هو مدو، وهل من مدو اكثر من ثلاثة حروب جر اليها العراق على مدى حكمه.
وحتى في هواياته الشخصية، كان مدويا ايضا، ويروى مخرج فرنسي صور فيلما وثائقيا في العراق لشبكة سي ان ان الاميركية ان احدى هوايات صدام حسين المفضلة كانت صيد السمك، غير انه لم يكن يمارس هذه الهواية بقصبة صيد بل بقنابل يدوية.
وفي البذخ، كان صدام متفردا تفرده في هواياته.
قصوره بالعشرات، ولا تخلو منها مدينة عراقية، ولكل قصر حكاية تميزه عن الاخر، وتجعل منه تحفة فريدة.
ومن بين هذه القصور، نورد مثالا "قصر العروبة" الذي يحتل حيزا شاسعا في حي الأعظمية البغدادي الراقي الذي كانت أركانه تهتز كلما سُمعت طرق أقدام ساجدة خيرالله طلفاح ابنة خال وزوجة صدام.
أصبح "قصر العروبة" الفخم الذي يحتضنه شريان بغداد النابض نهر دجلة مرتعا لقوات المارينز الأميركية الان! ولكنه كان شاهدا على بذخ صدام، فسقفه تم تزيينه بشكل هندسي حوى تسعة وتسعين اسما من أسماء صدام!.
ولا نضيف كثيرا عندما نذكر ان محطات التلفزة بثت العديد من المشاهد لقصور صدام التي تبين ان صنابير وانابيب حماماتها كانت من الذهب الخالص، وان العديد من ابناء العراق كانوا يعيشون بجوار قصور لم يعرفوا بوجودها الا بعد ان انزاح الستار عنها بزوال الحراس الذين كانوا يشيعون الرعب في كل من تسول له نفسه استراق نظرة الى ابواب هذه القصور.
الشعب العراقي الذي كان يعيش رغما عنه شظف العيش بعد 12 عاما امضاها تحت الحصار الاقتصادي الخانق بعد الجريرة التي قاده اليها صدام بغزوه الكويت عام 1991، اضطر في الثامن والعشرين من نيسان/ابريل الماضي الى الخروج الى الشوارع والتغلب على جوعه لاظهار مساندته لصدام في عيد ميلاده.
مليونان ونصف المليون خرجوا ليهنئوا صدام بعيد ميلاده، وقبل ذلك، اضطر اربعة وعشرون مليونا لقول نعم لصدام في الاستفتاء الذي اجراه على اعين الولايات المتحدة والغرب لاثبات انه حاكم يحظى بشرعية شعبية مطلقة وذلك في وجه الدعوات لاقصائه كسبيل لتجنيب ابناء شعبه ويلات الحرب!.
وكانت احتفالات العراق باخر عيد ميلاد للرجل منقطعة النظير في البذخ والترف، ودامت اسبوعين بلياليهما، وكان الذهب عنوانها الذي طبع الهدايا والعطايا التي قدمت اليه.
واليوم، تعود المناسبة لتصدم العراقيين وتخرجهم ولو قليلا من نشوة الخلاص من صدام، هذا رغم حقيقة ان كثيرين منهم لم يخفوا خشيتهم من ان يعود ليظهر في حياتهم مجددا!.
ونقلت العديد من وسائل الاعلام لقاءات مع عراقيين بسطاء ومثقفين لم يتحرجوا من الكشف عن مخاوفهم حيال تجدد الكابوس..لقد اكدوا ان هذا الهاجس ما زال مقيما في قرارة نفوسهم..فالرجل الذي تقول بعض الروايات انه قتل على حين غضبة اكثر من مائة الف كردي بالاسلحة الكيماوية التي تكفل ابن عمه علي حسن المجيد بقصفهم بها في حلبجة على مدى اسبوع..ليس سهلا ان لا تخشى من عودته.
وللانصاف، فان هناك من غضب وذرف الدمع على صدام، وما زال متيقنا بانه سيعود.
وهؤلاء هم ابناء مدينته تكريت، الذين لم يبخل عليهم، وكان من بينهم من قبل قدمي تماثيله التي اسقطها الاميركيون في المدينة، وراح يبكي وهو يؤكد ان صدام ما زال حيا وسيعود يوما ليرد اليه ايام العز التي تلاشت مع هدير الدبابات خلال طرقات المدينة.
مشاهد من اخر احتفالات بعيد ميلاد صدام
وعلى سبيل التسجيل التاريخي، نورد بعضا مما اوردته وسائل الاعلام حول فعاليات اخر احتفالات بعيد ميلاد صدام حسين، والتي جرت العام الماضي.
رويترز
بدا العراق يوم الثلاثاء 11 اذار/مارس الاستعداد للاحتفال بعيد الميلاد السادس والستين للرئيس العراقي صدام حسين غير عابيء بالتهديدات بشن حرب تقودها الولايات المتحدة.
وقال عزة ابراهيم نائب رئيس مجلس قيادة الثورة العراقي للجنة التي تشرف على احتفالات عيد ميلاد الرئيس العراقي انه مسرور لاجتماعه باللجنة لمراجعة الترتيبات الملائمة التي تليق بالرئيس العراقي.
وأكد مسؤولون في حزب البعث أن أكثر من 2.5 مليون نسمة شاركوا في المسيرتين تعبيرا عن تمسكهم بقيادة الرئيس صدام حسين.
وكانت وزارة الإعلام قد نقلت العشرات من ممثلي وسائل الإعلام الدولية إلى مدينة تكريت منذ الصباح لمشاهدة فعاليات هذا المهرجان الكبير الذي يقام سنويا هناك.
وكالة الصحافة الفرنسية
أعلنت الصحف العراقية أن الاحتفالات بعيد ميلاد الرئيس صدام حسين الخامس والستين ستستمر هذا العام لمدة 14 يوما اعتبارا من السابع عشر من أبريل وحتى الأول من شهر مايو المقبل
أفادت الصحف السبت أن الاحتفالات ستنظم بشكل خاص في محافظة صلاح الدين التي تقع بها مدينة تكريت /170 كلم شمال بغداد/ مسقط رأس الرئيس العراقي الذي ولد في الثامن والعشرين من أبريل 1937
ونقلت الصحف عن محافظ صلاح الدين احمد عبد رشيد الذي يتولى رئاسة اللجنة العليا للاحتفال قوله إن المحافظة ستشهد فعاليات على مدى 14 يوما تيمنا بهذه الذكرى العطرة على قلوب العراقيين والعرب
أضاف رشيد ان اللجان الفرعية المنبثقة عن اللجنة العليا تواصل أعمالها في التهيئة لانجاح وابراز هذا الحدث العظيم، مشيرا الى الانتهاء من تشييد منصتين لاستقبال الضيوف تتسع كل منهما الى 350 شخصا في تكريت.
بي.بي.سي. اون لاين"
احتفل في العراق بعيد ميلاد الرئيس صدام حسين الثالث والستين أمس الجمعة بفعاليات نظمتها الحكومة على نطاق واسع لإظهار الولاء للرئيس العراقي الذي حكم البلاد بقوة على مدى إحدى وعشرين سنة.
وفي الوقت الذي حضر فيه عدد من كبار المسؤولين العراقيين والشخصيات المرموقة الاحتفالات في مدينة تكريت المدينة الأصلية للرئيس العراقي، لم يكن صدام حسين نفسه بين الحاضرين كما اعتاد في السنوات الأخيرة.
وقد وزع رؤساء العشائر وأعضاء حزب البعث الحاكم الحلويات وصور الرئيس العراقي. أما الجمهور الذي حضر الاحتفالات فكان معظمه من أعضاء الحزب الحاكم وممثلي العشائر في أنحاء العراق.
وقد امتلأت الصحف بصور الرئيس العراقي والمقالات التي تمتدحه. وقالت صحيفة الثورة، لسان حال حزب البعث الحاكم، أن الاحتفالات كانت تلقائية وقام بها العراقيون طواعية.—(البوابة)