عمان – نزيه أبو نضال
حقق الشعر الشعبي وقصيدة النثر حضوراً متميزاً في أمسية مأدباالشعرية ضمن مهرجان جرش،مماأن أكدالشعر الجيد يفرض نفسه، بغض النظر عن شكله الأدبي.
الشاعران الشعبيان عصام العبد الله من لبنان وسليمان عويس من الأردن انتزعا الإعجاب خاصة في ملحمة العبد الله "اللاهوتية" التي سننشر نصها الكامل.
الشاعرة السورية ابتسام الصمادي انضمت إلى الشاعرين بنص محكي قريب من بداوة دير الزور.
إلى جانب الشعر الشعبي قدم زاهي وهبي قصيدة النثر، التي تألقت أيضا الشاعرتان عزة بدر من مصر وابتسام الصمادي.
ولفت الانتباه في الأمسية التي عقدت في قاعة جمعية الشابات المسيحية الأسلوب الجذاب الذي افتتحت فيه عبلة حمارنة البرنامج الشعري حيث كانت تقدم الشاعر إلى الجمهور بقصيدة زجلية وتودعه بمثلها .
عـزة بـدر
تنقلت عزة بدر عبر مجموعة من قصائدها من الذات في " رنات الخلخال" إلى استلهام التاريخ الفرعوني بإسقاطات معاصرة في "نشيد إيزيس" ثم ختمت بمجموعة قصائد قصيرة.
من نشيد إيزيس نختار الخاتمة، حيث أوزيريس رمز النيل و"ست" رمز الشر وإيزيس إله الموت. تقول :
أوزير يا طفلاً ينام في كل جرح
يا مرتجى روحي فداك
أوزير يا حلماً برق
لملمته طرْف الكرى
قلت اتفق
كفي على سكين "ست"
حتى تقوم تنتفض
أوزير يا نيلا يصب
في كل زق
أوزير يا دمعاً يرق
يا شرفة من نورها
قبس القمر
يا زورقاً يطوف بي ويأتلق
أوزير يا دلتا هواي
يا حقل حنطة
يا دمع كحلي في كل عين
مرآة تهوى مرودك
ما أجملك أي الجنان طيبت لي
في معصمك
أي الرطب هززت لي كل النخيل
ما أطيبك
تلفني في بردتك
أوزير يا أحلى ملك
كفي على سكين "ست"
حتى تقوم تنتفض
انزع حليات انقضت
حيات طل
يا نيل فض
وانزع وعودك
لا تجري لو صالحْتُ "ست"
ومن قصار قصائدها اخترنا:
"كالسيف كن اقطعني
نصفين
نصف لك
ونصف في البعد
يحن إليك"
وفي قصيدتها "نظرة " تقول:
"شرك عيناك
عيني أرنب بري
لم أر بيديك شيئاً
أحببت الفخاخ مغطاة
أم أراها أعصب العينين
للحفرة بسّامة أهوى أن أسير
أمغاضبة بعد حين
عصام العبد الله
قدم الشاعر الشعبي اللبناني ملحمة شعرية بالغة الخطورة والحساسية لامس فيها عالم الآلهة والمقدسات استحضر فيها الخلق عبر الإله وآدم ثم حواء التي تمردت بالشهوة .. فكان أن جاء بمريم العذراء أو حواء الجديدة التي تحبل بلا دنس أو شهوة .. وفيها يقول :
"… وما كان باقي طين
بمد إيده على صدر آدم
بشيل ضلع بيعمله حوا
ويملسها .. شو ناعمه!
يصبر عليها بيعتني فيها
وبعد ما ينفخ فيها ويخلصها
بيشلح ثياب الشغل
وبعلقن مثل السنين
مبين كأنه آدم تحرك عرف
آدم مدور كان مثل تفاحه
ولما سمع صوت المرا
دغري وقف مثل الألف آدم
وحوا شافته
واطلعوا ابّعضن
مثل اللي كان في خجل مارق حدا
عم يجرحوا
عم يسمعوا صوته مثل مفتاح
بيدور في باب الحكي وما بيفتحوا
- ما تاكلوا تفاح
ما بيسمعوا بقربوا
- ما تاكلوا تفاح
خلوا الوقت مرتاح
ما بيسمعوا وبقربوا
بتقطف وبتناوله التفاح
بخيره.
وكل ما أكل بستان
بتناوله غيره"
وما كان عامل هالحساب
بدّو المرا تمرق هوا
وتصير دغري غياب
بدّو المرا ما تعرف الشهوة
شيل الأساور والحلق
خلي الحبق تغلي
مثل جمر اشتعل
تايفوّر القهوة
من وين نزلت شهوتن
من وين؟
ما بيكثروا إلا إذا صاروا اثنين
هو اللي ضوّ الطين عالميلين
تايفرخوا طيور الحكي اللي طيرن بعدين
حوا اللي لحقت آدم من الأول الأول
نسيت حدا غيره
راحت عشغله شافتها
وكان بدو تروح
صوب شغله حستها
هو هالغامض المنحس انه حبنا
وبنحس انه ضدنا
لما عن التفاح بدو يردنا
مقهور من حوا
بتخطر عباله مريم
اللي صورها بعدين
حوا اللي شافت جسمها
مثل الخطية جسمها
معمول من روح الطرب
قنينة نبيذ وسكر ديك الحطب
البنت اللي طفّت شهوتها
وقت اللي ضوّت شمعتها
تاتشوف إنو صورتها مش صورتها
تاتشوف إنها صورته
وانه ترك عمخدتها
روح الزمان اللي عرفتها من ريحتها
نكاية بحوَّا قال لمريم
بدك صبي؟
وما يقربك رجال؟
مش معقول
إلا إذا أنا بلعب
بقعد بعبك
تخلفيني بعد تسع شهور
مثل الكأنه ما حدا خلف حدا
وبظل جسمك نور على بللور
الأم اللي بلا شهوة
أول شهيدة للجسد
وبظن ما زاد العدد
عرس مريم
حلو الدهر بالليل
لما يفتح الشباك وبطل
سامع عرس بالحي
صواتهن قريبه
عم تخش دفوفهن
بجاوبوا بكفوفهن
سامع عرس
عم يلمحوا
غنوا عحد سيوفهن
صار القمر خنجر
بيسن حاله عالعتمه
بشرقط نجوم وكواكب
طولوا عرفوفهن
هيدي العروس اللي اسمها مريم
والدهر عالشباك
بالأزرق الفاتح
مثل الكأنه في سما وصلت من مبارح
هيدي العروس اللي اسمها مريم
بالأزرق الغامق
منام وأجا الرسام
تايرسمه لاقى الرسم فايق
هيدي العروس اللي اسمها مريم
والدهر عالشباك
بشوف إنها وحدها
تمشي مثل اللي لا قبلها ولا بعدها
وحدها العروس
وغاب من حدّا العريس
ويمكن الوقت كان الخميس
يمكن الجمعة
يمكن نهار سبت
طرف الوقت
بضب أيام مضت
بحطها تحت التخت
وحدها العروس اللي اسمها مريم
الله عملها من حليب الريح
تاتنتبه حوا منيح".
زاهي وهبي
تألق زاهي وهبي في القصائد التي اختارها وخاصة في قصيدته إلى أمه التي سبق وأن قدمها في ندوته بعمان.
بدأ " بدعاء " وواصل في قصيدتين واحدة مهداة إلى سليمان السنجري والثانية إلى شوقي أبي شقرا وختم في أضاهيك أنوثة.
من قصيدته إلى السنجري وهو "متر" أو جرسون في أحد مطاعم بيروت التي يرتادها الأدباء وفيها ينحو نواسياً كما قال :
"بعد قليل تأتي امرأة
تجلس هناك
نكشف كثيراً من الضحك
وقليلا من نهدين لوحتهما شمس عتيقه
بعد قليل أختلس نظرة إليها
وأحتسي كأساً
يخدر الرعشة التي بدأت
يخدر الأصدقاء الذين تأخروا
اعطني كأساً ثانية لو سمحت
بعض الثلج والمودة
لأحظى بشيء من الدفء"
ثم يختم بالقول:
" إذًا دع عنك لومي
ودعني في دوختي العارمة
واعطني كأساً جديدة"
وإلى شوقي آبى شقرا غنى:
"دائماً أذكرك بالخير
بالثلج وضحكات الصبيات
أحدث عنك أمي
ولكنها لا تعرفك
تصلي ركعتين
تقرأ سورة مريم
أبي الذي مات غريباً
لا يعرفه الأصدقاء
ولا أنت
لم نعلق صورته في البيت
لم نقرأ له الفاتحة
فقط زرعنا على اسمه
وردة في فناء الدار
ذات يوم سأقطفها
وأحملها إليك".
ابتسام الصمادي
بين مجموعة قصائدها التي اختارتها تميزت مرافعتها الشعرية التي طرحت من خلالها قضية المرأة وحق المساواة ، ولكن بلغة الإبداع لا بلغة الخطابة.. إلى ذلك قدمت قصيدة باللهجة المحكية. وأخرى لبغداد كانت قرأتها خلال مسيرة دمشق المؤيدة للعراق والمنددة باستمرار الحصار والعدوان.
من قصيدتها ، المرافعة " أنثى وما ملكت يميني" اخترنا:
أنثى و"ما " ملكت يميني
إنا ونحن متيمات بالتفاصيل الصغيرة
والعذاب
ونحن أحيانا إلى حد (يفرفط ) زهرة الروح الندية
في التراب
ونطير عشقاً .. تزهر الدنيا رؤى..
أو نكره..
فنحيلها أرضا يباب
هذه عجينتنا استهلت
بالتطرف والتصوف
حيث لا تأتي النهاية بعدها
إن البداية وحدها
تنبيك عن سر المآب
فاختر إلى موت لذيذ يعتريك حُنانُه
أو ترتضي ركناً قصياً للعبادة والتأمل
في ازدواج نقائض تسمو إلى
كشف الحجاب
..
هذي قوارير مشت مع ماس رقتها
فتغار أمشاط دنت لجلال زينتها
وتهب أعشاب نمت تضفي على الأشياء يخضوراً كحنتها
من زيزفون دموعها
حتى بلابل صوتها ورفيف ضحكتها
من حول (تدمر) خصرها
سَفَراً إلى (بتراء) وجنتها
من فوق (بصرى) كتفها..
لا يرتقي شال إلى نعناع لمستها
ولا نايٌ إلى (صيدون) بُحَّتها
ذهبٌ يناجي ودَّها وحريرُ
وأساور من صبوة وبخور
أقراط موسيقى وإرث من نفرتيتي إلى بلقيس والزباء حتى أن
وصلتُ- جميعهن – إليك أنتْ
وأنا بكامل مشمشي الشامي – لو تدري-
وتوتي
ونخيل تيهي
وحرام تفاحي وأفراحي وموتي
* * *
لا ضير إن كنا الإناء لنحتويك
فكل ماء كنته – ان كنت ماء-
نعطيه شكلاً
وكل طين صرته .. كنا له أصلا
وكل ليل قدته .. كنا له فصلاً
وكل قطع رمته .. كنا له وصلاً
فالماء محتاج إلى من يحتويه
والطين محتاج إلى من يفتديه
والعتم محتاج إلى من يجتليه
والضد محتاج إلى من يرتضيه
فادخل إلى المعبد
في الروح صمت هاجع
نسجته صيحات النساء على امتداد عذابهن
إلى مجاهل كحلنا الأسود
واجلب حبالاً ترتقي الأعلى
تتسلق الأزمان والأوجاع والأغلى
واصعد ترى ما لا يرى أو يلمح:
كيف التلذذ انهض ودر من حوله دهراً إلى
أن تلحظ المرود
عندنا أقوى وأمتع بالذي نعطيه مما نُمنح
لو كنت ممن يدركون ولادتي
يا نصفي القاسي الجميل .. لما قسوت
أو كنت من يقبلون صداقتي عبر الزمان..
لما هُزمتَ
أو لو قبلت بأن أكون إناءك الثاني…
لما كالغلي فرت
حتى كسرتَ زجاجتي ثم اندلقتَ
وبقيت طول العمر تجمعني فما..
قدرت رموشك أو قدرت
من حيث لا أنت ارتويت ولا رويت ولا اتعظت
ما كان ضرك لو قبلت توازي الخطين فينا
لالتقينا عنوة وبلا عناء
من قطا خطوي اهتديت
فتعال نبدع بعضنا طينا وماء
متماثلاً للاحتواء والارتواء والارتقاء
إني – ورحم الأرض – أهلكني العطاء.
سليمان عويس
الشاعر الشعبي الأردني سليمان قوبل بعاصفة قوية من التصفيق، فبادل الحضور بالمحبة حين غنى لمادبا
مهما الدمع الخد برطع أو حبا
والقلب مهما لوعوه وحاربوا
بتشفي غليل القلب كلمة مرحبا
يا سادتي عشرين خطوة أو أقل
لو جزتها تشرف على أغلى مطل
كان الحبيب بليل لو خده أطل
غابت نجوم الليل والبدر اختبا
منه سقيت الحرف لهفة تا نما
وصار القلم صياد يفهم عالوما
وياما سقاني المر من إيده فما
عفت المدام المر أو حبي خبا
وحتى لو أصبح فؤاده مش إلي
وخلا البكا والنوح والحسرة إلي
ما الحب إلا للحبيب الأول
وأول ما رف القلب رف بمادبا
ثم قدم عويس مجموعة من وطنياته وقصائده القومية ، منها " الوصية " وفيها يقول :
أوصيك يا ابني بالوطن هذا الوطن غالي
أغلى من الروح الوطن لا تقول بتغالي
أوصيك يا ابني ما أحد يرتع أبد زرعه
مهر الكرامة ادفعه مهما يكن غالي
يا ابني ترى أرضك على مرمى العصا مسلوبة
ويا ابني ترى أختك على رمش النهر مصلوبة
نذرت عروبتها إلك ارجع وطمنها
عين الجبان اللي تطيق النوم مغلوبة
أوصيك لو عضك دهر احرص تقول أوَّاه
داء الذليل الولوله أما النسر ما أقواه
يا عقاب لو خدك نده يا دمع رويني
الليل محراب الدمع خلي الدمع جواه
يا ابني إذا آن الأجل اكتب على قبري
مكتوب اسمك يا وطن في دفتري وحبري
يا ابني أبوك اللي ورث عن جدك عقاله
أتقن لغات الأرض لكن ما حكى عبري - - (البوابة)