جرش - غادة الكاتب
بحركات تتسم بالخفة، والشاعرية، وببراعة تجاوزت أساسية كون الباليه فنا صامتا، تحول عرض جيزيل الذي قدمته فرقة الباليه الأوكرانية، على المسرح الشمالي في جرش، إلى مشهد روائي، يعجز عن ترجمته أبرع الرواة، فابتهج الحضور مع جيزيل، وانتقلت إليه عدوى حب الرقص، الذي كانت جيزيل من عشاقه، فصفق أكثر من مرة حين قدمت وأعضاء الفرقة الأربعون عدة لوحات تعبيرية، حكت فيها العيون، والابتسامات الموزعة على الشفاه، والملامح التي نفضت عن جيزيل الأصل غبار قرن من السنين، وأعادتها حية تتنقل كفراشة، وتوزع عسلها كنحلة على المشاهدين.
وقد قدمت فرقة الباليه الأوكرانية ، مساء أمس واليوم عرض "جيزيل" الذي كتب الفنان الفرنسي غوتييه فصوله منذ ما يقارب المائة عام.
وقد حظيت" هاملت" الباليه بحضور طيب، عبر عن إعجابه بانتباه وهدوء شديدين قابل بهما عرض الفرقة المؤلفة من أربعين شابا وفتاة.
وجيزيل الفتاة الفقيرة، والرقيقة كالنسمة، والمريضة التي تخاف عليها والدتها من التعب، تشاء لها صدفة الحب ومشيئة القلب، أن تلتقي فتى أحلامها ابن العائلة المالكة، الذي يتألق صحة وحياة، ويعبر إلى قلبها متجاوزا الفارق الطبقي، بكذبة يخفي بها حقيقة أصله، فيدعي الفقر، ليظفر بقلب الفتاة جيزيل.
حتى صدمة المفاجأة عاشها الحضور مع ملامح جيزيل، وحركات جسدها الذي تثنى، وتلوى جزعا تارة، وتارة ألما وفجيعة، جراء معرفتها من عاشق رفضته، بأن حبيبها هو ابن العائلة المالكة، وخطيب إحدى سيداتها، تلك التي أجزلت لجيزيل مرة بالعطاء، فأهدتها عقدا من اللؤلؤ.
واستمرت جيزيل بترجمة معبرة لرد فعلها القلق، والمشوب بالحسرة والحب، حتى أنها بدت وكأنها أسلمت الروح حقا، بين يدي الأم المفجوعة، والحبيب النادم، والصديقات والأصدقاء الآسفين.
واختار منظمو العرض وقت الاستراحة بحكمة، حيث أتى بعد موت جيزيل، وتشييع الأم والحبيب والأصدقاء لها، ليطلق الحضور أنفاسهم التي حبسوها خلال العرض.
ابتدأ الجزء الثاني من العرض بمشهد الصليب المزروع على قبر جيزيل، ذلك الذي كان محاطا بأرواح فتيات قضين نحبهن حبا، يرقصن بوجوه لا تعابير فيها، غير تعبير سكون الموت، ويأتمرن بمليكة لا تأخذها رأفة بزائري القبور من الرجال، حيث تسلط أرواح فتياتها عليهم ، فيطالبنهم بالرقص، حتى الإعياء الكامل، ثم الموت.
بدا الأداء مقنعا، ولوهلة حار الجمهور بتصنيف أرواح تلك الفتيات، هل هي صنف من صنوف الملائكة، نظرا لزيها الأبيض، وحركاتها التي تشبه الطيران،أم أنها فئة من الشياطين، كما يظهرها تصميمها على القتل من خلال الإيماء والرقص حتى نفاذ قوة الضحية.
وقد تابع الحضور مقتل العاشق المخذول رقصا، وتفاعل مع فتى جيزيل الذي كاد أن يكون ضحيتهن التالية، لولا أن روح جيزيل ظهرت له، وحذرته، وتوسلت إلى مليكتها بالعفو عنه والإشفاق عليه.
وحين أيقنت أخيرا، أنها لن تجد من أي من الطرفين أذنا صاغية، افتدته، بالخروج عن أوامر المليكة، وتشجيعه على الثبات في الرقص، والنهوض كلما أعياه التعب، حتى طلع الصبح، ودقت أجراس الكنائس إيذانا بانتهاء الليل، وبحلول الوقت المحدد لمغادرة تلك الأرواح.
وكان أن أنقذت جيزيل فتاها، وغامرت بفقدانه حيا بعد ذلك إلى الأبد..
ودعت جيزيل وفرقتها الجمهور الذي صفق طويلا، وأسدلت ستارة من التقدير والإعجاب، على ثاني وآخر عرض لها في مهرجان جرش لهذا العام.
يذكر أن جيزيل، هي عمل الباليه الأول الذي كتب وفيه نوع من التمثيل، وهو العمل الأول أيضا الذي يتضمن رقص باليه يحكي قصة متكاملة، وقد أسماه النقاد بـ"هاملت" الباليه.
ويذكر أيضا أن الفتاة الأوكرانية التي قامت بدور جيزيل في عرضي جرش، هي راقصة الباليه الأولى في روسيا، كما أن هذا الدور تتهافت على أدائه، أشهر راقصات الباليه وأبرعهن في العالم - -(البوابة)