دمشق - نبيل الملحم
لا توحي التصريحات الحكومية السورية إزاء ماتطلقه اسرائيل من تهديدات بأن حربا وشيكة تدق أبواب المنطقة، فالسوريون مازالوا يكتفون بما كنا قد سمعناه في الأيام الباردة، وربما يعود هذا الى ما وصفه دبلوماسي ضالع في السياسة السورية بالقول إن دمشق تمتلك رأسا ساخنا، فيما تضع القلوب في الثلاجة، وكان يعني أن تغليب العقل على الانفعالات بات سياسة سورية صاغها الرئيس الراحل حافظ الاسد، ومازالت مفاعيلها سارية المفعول على سوريا فيما يذهب الاعتقاد بآخرين الى القول إن حسابات أهل الحكم تشير الى أن الحرب الشاملة هي الحرب المستبعدة، مع مايرافق هذا الاستخلاص من معطيات جزء منها يتعلق بتوقيت الإدارة الاميركية، وجزء آخر يتصل بالوضع الداخلي الاسرائيلي، وجزء ثالث على صلة بالجهود الدولية التي تحول دون حضور هذا الاحتمال، فيما كتلة كبيرة من الرأي العام السوري تميل الى الاعتقاد بأن الحرب قاب قوسين على الأقل بصيغة محدودة تطال لبنان والمواقع السورية العسكرية فيه، وهذا ماكان قد هدد به نائب وزير الدفاع الاسرائيلي.
الاطمئنان السابق إزاء الحرب الشاملة نلمسه في تصريحات قياديين من حزب الله اللبناني. حيث كان قياديون من هذا الحزب من بينهم رئيس المكتب السياسي محمد رعد قد قالوا بأن التهديدات الاسرائيلية لاتعدو أن تكون للاستهلاك المحلي الاسرائيلي في محاولة يسعى عبرها ايهود باراك لتحشيد الرأي العام الاسرائيلي حوله، بعد الصفعات التي تلقاها في حربه في جنوب لبنان كما في المواجهات اليومية داخل فلسطين المحتلة.
وانتفاء القلق عند الحكومة السورية ثمة من يحيله إلى جملة أسباب منها مايرتبط بالحسابات الإسرائيلية، وعلاقتها بالوضع السياسي الداخلي في الولايات المتحدة، ومنها ما يذهب لأسئلة أخرى من بينها مايشير إلى حسابات تتعلق بالمقاومة الاسلامية اللبنانية، بمعنى أن المقاومة الاسلامية اختارت العمل تحت الخط الأحمر بما يمنع على الإسرائيليين أية ذريعة نحو فتح جبهات القتال ضد سوريا ولبنان ومصادر معنية بتقدير الموقف في سوريا تقول بأن الواقع الراهن على الجبهتين السورية واللبنانية يسمح فقط بتقطيع الموقف، فالاسرائيليون في هذا الوقت الأميركي وهو وقت الانتخابات الرئاسية لن يكون بوسعهم القفز نحو جبهات القتال، فيما نسمع كلاما آخر يقول بأن الإدارة الأميركية الراهنة والمقبلة لن يكون بوسعها، ولا من مصلحتها فتح أية جبهة عسكرية في المنطقة، فالظروف التي سمحت للبنتاغون بتحشيد قوات دولية في حفر الباطن تغيرت، والقوات العربية التي أعطت الضوء الأخضر لشوارتسكوف لن يكون بوسعها أن تعطيه ضوءا جديدا، إذا ما فتحت اسرائيل جبهتها العسكرية على الجبهة السورية أو اللبنانية، والحرب في المنطقة تعني تفكيك الانجازات الأميركية التي سمحت بوضع اليد على المنطقة، فيما إحداث هزات في المنطقة يعني إطلاق احتمالات لا حصر لها، أبسطها إطلاق الأصولية الإسلامية التي ترى في الموت لقاء مع الوعد الإلهي، فيما كان يكفي للقوات الأميركية التي دخلت الشواطئ اللبنانية مطلع الثمانينات متفجرة من العيار المتوسط حتى تأخذ حمولتها وترحل.
ودمشق حسب مايعتقده المراقبون، قادرة على الإمساك بسر اللعبة، ففيما استطاعت السياسات السورية احتواء الحركات الاسلامية، بدءا من الجهاد الاسلامي وصولا إلى حزب الله، فهي أيضا قادرة على إدارة المعركة الدبلوماسية وبكفاءة لاتسمح للاسرائيليين بالتقاط أية ثغرة يتسللون منها، وهذا هو بالتحديد مايدفع التصريحات السورية لإمساك العصى من وسطها، ففيما كان خطاب الرئيس السوري في القمة العربية يؤكد على أن السلام هو الخيار الاستراتيجي لسوريا، وضع إلى جانبه سلسلة من الاختيارات لم يستبعد الحرب منها.
الى ذلك فإن جميع التوقعات التي تشير الى حرب شاملة مقبلة على المنطقة مازالت توقعات خجولة مبنية على الحدس والتخمين، فيما التوقعات التي تبدو أكثر واقعية والتي تطرحها أطراف لبنانية سبق وسمعناها من محللين سياسيين لبنانيين كرفيق خوري أو إدمون رزق أو ميشيل إده ، وآخرها ماطرحه الرئيس رفيق الحريري في مباحثاته مع الرئيس الأسد في أول زيارة له الى العاصمة السورية بعد تشكيله للحكومة اللبنانية، هذه التوقعات لاتنفي أن تلجأ إسرائيل ( سواء بسبب الأوضاع غير المواتية التي يعاني منها باراك وحكومته، أو بسبب حاجة إسرائيل إلى فرض الاستقرار عند حدودها الشمالية مع لبنان ) أن تلجا إلى مايسمى بالضربات الوقائية، كتنفيذ ضربات ضد البنية التحية في لبنان، أو كضرب مواقع للجيش السوري، وذلك بهدف حمل الحكومة اللبنانية على اتخاذ اجراءات تردع حزب الله، أو تحول دون استمرار أعماله المسلحة، وهذا مادعا شخصيات قيادية من حزب الله للتاكيد على استمرار قتالها داخل الخط الأخضر، وهذا ما لاتستطيع الحكومة اللبنانية الحؤول دونه ، فيما يبدو واضحا أن حزب الله ينتظر أية عمليات إسرائيلية تفتح أمامه طريق القتال بما هو فوق جميع الخطوط الأخضر منها والازرق في طراز من الحروب هو الطراز الذي كاد أن يضع الجيش الاسرائيلي في أكثر المواقف إهانة وحرجا 0
الحرب المكشوفة تبدو مستبعدة، ولكن الحرب الخاطفة تبدو محتملة، وفي كل الأحوال فأهل الحكم الذين يبدون غاية في الاطمئنان إزاء قراءة الموقف، قد يكونون الأكثر استنفارا لمواجهته.--( البوابة )
