اسطنبول - سوسن صلاح
فيما يرى العديد من المحللين الاستراتيجيين أن العالم القادم سيكون مختلفا تماما عن الذي عرفناه قبل الهجوم الإرهابي ضد الولايات المتحدة الأميركية في 11 سبتمبر/أيلول الشهر الماضي. تنهض أكثر من علامة استفهام حول مكانة تركيا في ذهن المثقفين والنخبة السياسية.
تصريحات إسماعيل جم وزير الخارجية التركي بأن تركيا أصبحت مرة أخرى دولة مجابهة تعطي إشارات واضحة على الدور المستقبلي، كما أن الخطوة التي خطتها بتقديم الدعم السياسي السريع وغير المشروط لأميركا في معركتها ضد الإرهاب عززت موقفها بشكل أكبر بين حلفائها مثل الولايات المتحدة وألمانيا لدرجة أن أعضاء الكونغرس الأميركي الذين زاروا أنقرة قبل عدة أيام وصفوا تركيا بأنها "درة التاج في الشرق الأوسط".
التقدير الأميركي أثار إعجاب الأتراك أنفسهم الذين أصبحوا يتحدثون عن قيمة بلدهم الثمينة بنظر حلفائها.
وجاءت إشادة جوشكا فيشر وزير الخارجية الألماني أثناء اجتماعه مع جم بالدور التركي من لتزيد من إعجاب الأتراك بأنفسهم.
وكان فيشر قد وصف تركيا كشريك مهم في قرار الأزمات في آسيا الوسطى والقوقاز وفي الشرق الأوسط مطالبا بفتح صفحة جديدة في علاقاتها مع ألمانيا.
على كل حال، هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها وهي حقيقة أن تركيا ستعزز مكانتها على المستوى الدولي بعد أن مدت يدها لأميركا في معركتها ضد الإرهاب لكنها في نفس الوقت ستدفع جزءا من أمنها الداخلي ثمنا لهذا الدعم سواء نفذت أميركا الهجمات أم لا.
العديد من المحللين السياسيين والاستراتيجيين المدنيين والعسكريين الأتراك يتقاربون في آرائهم حول أن الرد على الهجوم الإرهابي الذي وقع في أميركا الشهر الماضي سيغير النظام العالمي وأن الخطوة الأولى لهذه التغيرات جاءت عقب تصريحات الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش بعد الهجمات مباشرة الذي وجه نداء لجميع أمم العالم بأخذ أحد الموقفين إما بجانب أميركا لمكافحة الإرهاب أو بجانب الإرهابيين. وقامت تركيا بدورها تحديد موقفها وأخذت موقفا إلى جانب واشنطن كونها حليفة لها وعضوا في حلف شمال الأطلسي الناتو، وتركيا الدولة الإسلامية الوحيدة التي قدمت دعما غير مشروط لأميركا كما أنها لم تتردد في تقديم التأييد العسكري التام لأميركا بتنفيذ الهجوم على منفذي الانفجارات في واشنطن ونيويورك.
انتقال من منزلة الجسر إلى دولة المجابهة 00
يعتقد بشدة هنا أنه، كان من المبكر جدا تحديد دور البلدان قبل أن تنتهي أميركا من تنسيق تحالفها الدولي ضد الهجمات الوشيكة على أفغانستان لمطاردة المشتبه الرئيسي أسامة بن لادن. وكان وزير الخارجية التركي جم قد حدد موقف تركيا خلال التصريحات الذي أدلى بها لصحيفة سونتاج الألمانية اليومية في الأسبوع الماضي وأشار فيها بأن تركيا أصبحت مجددا دولة المجابهة مثلما كانت في حرب الخليج عام 1991. ويقول المحللون إن خطاب جم في برلين كان مفاجئا لجميع الأتراك لأنه ألمح إلى أن الاستراتيجية في تركيا تتغير من دور جسر للعبور إلى دور جبهة المجابهة ضد الإرهاب. وعلق دبلوماسي تركي كبير على الموقف التركي وقال إن دور تركيا تبين عندما قال روبرت بيرسون السفير الأميركي لدى أنقرة في تصريح صحفي الأسبوع الماضي بأن تركيا هرعت من بين الدول المتحالفة مع أميركا لتقديم الدعم غير المشروط من أجل مكافحة الإرهاب وهذه كانت ثاني نقطة تؤكد أن دور تركيا انتقل من جسر العبور إلى جبهة لمواجهة الإرهاب.
القلق التركي من روسيا 000
في خطوة مفاجئة أخرى قدم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الدعم الكامل في جميع المجالات إلى أميركا في معركتها ضد الإرهاب بالإضافة إلى تقديمها خطط لإسقاط حكم الطالبان والقضاء على جذور النظام الإسلامي المتشدد في أفغانستان. ويقول المحللون أن هذا الدعم القوي الذي قدمته روسيا للولايات المتحدة خلف قلقا شديدا لأنقرة أن تفقد قوتها مرة أخرى مع دول آسيا الوسطى التي تربطهم صلات عرقية قوية لهذا فإن على تركيا أن تعيد النظر مجددا في قرار دورها في العمليات استنادا على التطورات المستقبلية التي ستحصل في المنطقة وخصوصا بعد الاختيار الأميركي لبعض البلدان في آسيا الوسطى لتكون قواعد عسكرية لها في حربها ضد أفغانستان وقوات الطالبان. ومن جانبه فقد اعترف الجنرال التركي المتقاعد سعدي إرجوفينسي بأن دور تركيا تراجع كثيرا في منطقة آسيا الوسطى لأن تركيا بسبب أزماتها الاقتصادية غير قادرة على تقديم الدعم لتلك البلدان التي تعاني من مشكلة الحركات الإسلامية الجذرية مما اضطروا للتوجه إلى روسيا طالبين الدعم لمكافحة هذه التحركات وأضاف الجنرال المتقاعد بأن هناك مسألة واحدة يجب على تركيا التغلب عليها قبل أن تحدد دورها في المنطقة وهي مسألة التغلب على الأزمات الاقتصادية التي تعاني منها منذ الحرب العالمية الثانية وثم لتخرج على ساحة المنافسة الدولية لتحديد الدور القوي لها—(البوابة)