ليس من خصالي التنجيم والضرب بالودع، لكن تنبؤي قبل شهور باسناد تشكيل الحكومة العراقية إلى مصطفى الكاظمي، رئيس جهاز المخابرات ، لم يكن من باب الشعوذة، لكنه نتاج لتوقع استند على خبرة في متابعة الشأن العراقي والكتابة فيه، إمتدت إلى أكثر من 25 عاماً، فضلاً عن الرؤية الدقيقة لمصادري.
فعقب الإحتجاجات الواسعة التي أطاح خلالها الشارع برئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي، وأعلن رفضه لكل "كورس" الكهنوت السياسي الذي جر على العراق الويلات، وتبخر فرص وإنسحاب المكلفين بتشكيل الحكومة محمد علاوي، وعدنان الزرفي ، في النهاية صح الصحيح الذي توقعته، بتكليف الرئيس برهم صالح للكاظمي بتشكيل الحكومة، وهي مهمة ليست هينة ولا سهلة، في ظل هذه الظروف الصعبة، لكنها قابلة للتحقيق، إذا حسنت النوايا، ووضعت مصلحة العراق كأولوية.
ليس من ثمة داع لتكرار أن الكاظمي ذو سمعة حسنة، فهو "غير فاسد، ورجل عصامي بنى نفسه بنفسه، وحافظ على مسافة من الطبقة السياسية، التي ارتكبت العديد من الموبقات، وباتت مرفوضة من المواطنين، ولم ينخرط في العملية السياسية أو يتولى منصباً تنفيذياً يجعله في مرمى سهام الاحتجاجات، وبقي يمارس منصبه على أسس مهنية، على الرغم من مناصبة أطراف معينة له العداء بسبب مهنيته، فضلاً عن الجهاز لم يقم بقمع الاحتجاجات وحافظ على إستقلاليته".
وعلى الرغم من تكليف الكاظمي حظي بإجماع غير مسبوق داخل القوى الشيعية التي كانت منقسمة بشأن تكليف الزرفي، لكن جميع قياداتها أو من يمثلهم نحوا خلافاتهم وأعلنوا وقوفهم إلى جانب رئيس جهاز المخابرات، إلا ان بعض الاصوات النشاز صدرت أيضاً، فميليشيا كتائب حزب الله شنت هجوماً على الترشيح واصفة ذلك بـ"المؤامرة"، بل واعتبرت أن "الإجماع على ترشيح شخصية مشبوهة هو تفريط بحقوق الشعب وتضحياته وخيانة لتاريخ العراق".
لكن الشخصية المشبوهة من وجهة نظر المليشيا، هي في الواقع مقبولة إلى حد كبير من القوى السياسية و المواطنين، خصوصاً مع استمرار فراغ المنصب والتحديات الكبرى التي يواجهها العراق مع تفشي فيروس كورونا وانخفاض أسعار النقط، وإحتمالية عدم صرف الرواتب في الشهور المقبلة.
لا أريد أن أدخل في الظروف والتقاطعات السياسية الدولية ذات التأثير على الوضع في العراق في مقالتي هذه، وربما أتطرق لها في مقالة آخرى، ولكن..
المطلوب من الكاظمي أن يسارع إلى تشكيل طاقمه إستناداً في الدرجة الأولى على الأهلية والكفاءة والنزاهة، وليس على أساس المحاصصة الطائفية، لتشكل حكومته فرصة لانطلاق العراق إلى أمام ومغادرة مربع الشلل والمراوحة في المكان.
شخصياً اتمنى النجاح للكاظمي.. وأدرك ان الفرصة التاريخية لا تتكرر مرتين.
مرفق رابط مقالتي المنشور قبل اربعة شهور: